حران في حرب داعش

د. موفق محادين

بالاضافة إلى كل الاعتبارات والمعطيات والوقائع الراهنة، السياسية والاقتصادية التي تتصل بالتصعيد العسكري شمال سورية والعراق، وتحديدا في منطقة الجزيرة وما بين النهرين، ثمة تساؤلات أخرى لها علاقة بالتاريخ والمخزون الحضاري الثقافي لهذه المنطقة..

فعلى مدار قرون عديدة قبل الاسلام وبعده شهدت هذه المنطقة جدلا معرفيا وفلسفيا يوازي الجدل الاغريقي، يمكن تسميته أو اختصاره بالحكمة أو المعرفة أو الجدل الحراني، نسبة إلى حران. لكل ذلك، تتقاطع المصادفة التاريخية مع (ثارات كامنة) ضد هذا التراث وضد هذه المنطقة التي تشتعل بالنيران والمذابح بعد أن كانت (نموذجا) للحوار والجدل والتواصل بين الحضارات والثقافات، كما بين تاريخ العرب المجيد قبل الاسلام وبعده.

أما عن حران القديمة، مدينة الفلاسفة والرياضيات والفلك والعقل والغنوصية معا فلا بأس من الاضاءات التالية، التي تفسر أو تؤكد ما ذهبنا إليه في استهدافها، الموتور والمبرمج:-

1.من المؤكد أن حران أو حرانو (الارامية) ليست بعيدة عن المعنى اللغوي للرسوب البركانية (الحرات) التي كانت تحيط بهذه المدينة شمال الجزيرة الفراتية.

2.ساهم موقع حران الجغرافي بوصفها حلقة وصل استراتيجية بين الحضارات القديمة (الاشورية والبابلية والكلدانية) والرها المسيحية وانطاكية ونينوى وبابل، في أن تصبح نقطة جذب للقوافل والمغامرين والفلاسفة.

3.بسبب هذا التشابك والتواصل الحضاري والمعرفي حافظت حران على خصوصيتها المفتوحة المتسامحة وعلى استمرار التراث الصابئي فيها، حتى أنها ظلت مدينة متعددة الأديان السماوية وغير السماوية طيلة العهد الأموي… ولم تفقد هذه الخصوصية إلا بعد سيطرة الزنكيين والأيوبيين الأكراد والسلاجقة الأتراك عليها.

4.وظل تراث الصابئة قويا وحاضرا فيها، وقدم للعالم مفكرين معروفين مثل (البتاني) عالم الفلك والرياضيات الشهير، ومثل ثابت بن قرة والصابئة وخاصة الصابئة المندائية، تيار فلسفي ديني سبق المسيحية في تبجيل الماء والتعميد في ماء الأردن. ومن أركانه: الوضوء عدة مرات قبل غروب الشمس (الرشامة) قبل كل صلاة (البراخة) وكذلك الصيام (عن أكل اللحوم والبيض والسمك) والوصايا المعروفة (لا تقتل ولا تسرق ولا تزنِ… الخ) مضافا لها تحريم الخمر وأكل الخنزير، ومن أعياده السنوية: عيد الأضحى الذي يضع للذبح شروطا صارمة للذابح (مؤمن حقيقي) وللذبيحة (خالية من الشوائب) وللسكين (حادة ومطهرة بالنار)، بالإضافة لأعياد الأغصان والنخيل والورود…