خريطة انتشار الميليشـيات في ليبيا

توفيق المديني

 

المراقب والمتابع للوضع الليبي في زمن هيمنة الميليشيات، يرى أن خريطة توسع المجموعات المسلحة وانتشار الميليشيات على التراب الليبي, جاء في سياق اهتراء الدولة وتفتت مؤسساتها على وقع السلاح والإرهاب والتهريب، ومدى انحسار الأراضي التي تسيطر عليها القوات النظامية الليبية. ويظهر من خلال الخريطة أن ليبيا باتت مقسمة جغرافياً إلى عدة أقاليم ويبدو أن الحدود السابقة للأقاليم الثلاثة القديمة عادت للحياة مرة أخرى،حيث يتبيّن من الخريطة أن الجنوب بات مقسما بين قوى «التبو» – وهي قبيلة ليبية تسيطر بالأساس على سبها وكانت متهمة بتأييد العقيد معمر القذافي خلال أحداث شباط 2011- وبين قبائل الطوارق التي تهيمن على المنطقة الجنوبية الغربية من الجغرافيا الليبية.

كما تشير الخريطة إلى سيطرة الأمازيغ على المناطق الغربية الشمالية من ليبيا التي تقع على الحدود مع تونس وصولا إلى طرابلس – العاصمة السياسية- التي توجد بها ميليشيات قليلة العدد وضعيفة العدّة تنتمي إلى القوات النظامية. ومن المناطق المتاخمة لطرابلس وصولا إلى شرق البلاد , تقع كل هذه المنطقة تحت سيطرة القوات «الفيدرالية»الداعية إلى التقسيم والفدرلة والمحرضة عليها, وهي قوات كانت تابعة للميليشيات التي تعاونت وتواطأت مع قوات الناتو لقتال «دولة» القذافي إلا أنها رفضت الانضواء تحت لواء الجيش الليبي وأبت تسليم سلاحها للمؤسستين العسكرية والأمنية في البلاد.

وفي الشرق الذي احتضن الشرارة الأولى للحراك في 17 شباط 2011، تؤكد الخريطة أن ميليشيات «أنصار الشريعة »المصنفة دوليا بأنها تنظيم إرهابي تضع يدها على أجزاء واسعة من المنطقة الشرقية «درنة، أجدابيا، بنغازي», وذلك بالتعاون والتفاهم والتنسيق مع قوات انفصالية ترى ضرورة فدرلة الشرق الليبي وحصوله على صلاحيات واسعة من بينها الحق في تقرير المصير. ووفق هذه الخريطة, يشير مراقبون إلى أن ليبيا باتت ليست فقط مهددة بالتقسيم الهيكلي والتنظيمي والجغرافي وإنما مهددة بالزوال ككيان تنظيمي ومهددة أيضا بسيناريو الدولة الفاشلة… سيناريو الفشل يؤكد المراقبون أنه بات محدقاً بكل الإقليم والمنطقة برمتها… أيضاً.

وتمتلك بنغازي العديد من الميليشيات التي وضعها المجلس الانتقالي الليبي تحت سيطرة وزارة الدفاع في حزيران 2011. ومع ذلك، لم تتضمن المجموعة التي عرفت باسم «تحالف كتائب الثوار» بعض أخطر الميليشيات وأقواها مثل ميليشيا «أنصار الشريعة»،وكتيبة شهداء 17 شباط، وتعتبر هذه الكتيبة أكبر وأفضل الميليشيات المسلحة في شرق ليبيا. وتحصل الكتيبة على تمويلها من وزارة الدفاع الليبية. وتتألف من 12 فوجاً عسكرياً، وتمتلك مجموعة كبيرة من الأسلحة الخفيفة والثقيلة، علاوة على منشآت تدريبية. ويتراوح عدد أعضائها ما بين 1500 و3500. وقامت الكتيبة بتنفيذ العديد من المهام الأمنية ومهام إرساء النظام شرق ليبيا وفي الكفرة في الجنوب. ويُعتقد أن بعض أعضائها أيضاً يقاتلون في سورية.

أما كتيبة شهداء أبو سليم،فهي جماعة «جهادية» سابقة، من بين أوائل الجماعات التي تمردت في شباط 2011. وتُظهر صفحة الكتيبة على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك تعليقات يومية على خطابات من نظراء المدارس ومديري المستشفيات الذين إما يطلبون الحماية من اللصوص والمخربين أو يتقدمون بالشكر. وتُشرف هذه الكتيبة على المشروعات المجتمعية، مثل رصف بعض الطرق، وإصلاحها في درنه، شرق بنغازي. ومن الواضح أنها القوة الوحيدة في المنطقة التي تفرض القانون والنظام. ولا توجد معلومات واضحة عن الموقف الأيديولوجي للكتيبة على الرغم من صبغتها الإسلامية التي لا تخطئها العين. ولقد سميت تلك الميليشيا تيمناً بسجن «أبو سليم» الذي يقال إن الكثير من إسلاميي ليبيا لقوا مصرعهم فيه إبّان فترة حكم القذافي.

كتائب الشهيد راف الله السحاتي: وسميت كذلك تيمناً باسم واحد من أوائل الليبيين الذين قضوا أثناء قتالهم قوات القذافي في آذار 2011 في بنغازي. وبدأت الجماعة ككتيبة ضمن لواء شهداء 17 شباط قبل أن تتوسع وتصبح جماعة مستقلة بذاتها. ويقدر عدد المنتسبين إليها 1000 عضو ينتشرون في الشرق وفي الكفرة. وشاركت تلك الكتائب في تأمين الانتخابات السابقة وغيرها من عمليات وزارة الدفاع في شرق البلاد. واستنكرت كتائب راف الله السحاتي مقتل السفير الأمريكي في بنغازي.

وتُعدّ الميليشيات الخارجة على القانون التحدي الأكبر في ليبيا، ولاسيما بعد أن عجز المجلس الانتقالي والحكومة عن إعادة دمج المسلّحين في صفوف الجيش الليبي، هذا الخيار كانت نتائجه محدودة للغاية وواجه صعوبات كثيرة. ففي ظل فشل الحكومة في احتواء الميليشيات، تتجه ليبيا نحو الحرب الأهلية، ولاسيما أن زعماء الميليشيات رفضوا تسليم أسلحتهم من منطلق أنهم لا يثقون في القادة الجدد، وفي ما يمكنهم تحقيقه من مكتسبات في حال سلموا أسلحتهم.
وتريد الميليشيات المسلحة أن تمارس شريعة الغاب في ليبيا، ولاسيما إزاء 8 آلاف معتقل من أنصار القذافي، أعلن عنهم يتوزعون في 60 مركز اعتقال في أنحاء البلاد. وترفض هذه الميليشيات تطبيق القانون على هؤلاء المعتقلين، بل إنها لا تؤمن بأي شكل من أشكال العدالة الانتقالية، التي يجب أن تضطلع بها الحكومة الليبية فهذه الميليشيات التي تريد المحافظة على فوضى السلاح، تريد تطبيق استراتيجيتها في الهجمات الانتقامية والثأرية، بدلاً من سياسة تضميد الجراح الناجمة تمهيدا للمصالحة الوطنية باعتبارها أولى المهام المترتبة على المجلس الانتقالي، والحكومة الليبية.

رغم التطورات السياسية التي شهدتها ليبيا منذ رحيل الاستعمار الإيطالي عنها، مروراً بحكم القذافي الذي امتد لأكثر من أربعة عقود من الزمن،وصولاً إلى ثورة 17 شباط 2011، فإن التاريخ السياسي في ليبيا ظل مرتبطاً إلى حدّ كبير بدورالقبائل،التي باتت تشكل الحصن الاجتماعي للميليشيات المسلحة في ليبيا.

يقول الباحث الأكاديمي التونسي الدكتور المنصف وناس، المتخصص في الشأن الليبي، والذي ألف مؤخراً كتاباً جديداً يتحدث فيه عن الشخصية الليبية، بأنه على امتداد أكثر من قرون أربعة شجع العثمانيون القبائل وحرّضوها على بعضها البعض بل جعلوا منها في بعض مناطق الجنوب الليبي شرطة ترابية واقتصادية أي تتولى عملية جمع الضرائب لفائدة العثمانيين وإخضاع القبائل المتمردة عليهم. ولذلك لم يجد المجتمع الليبي وسيلة ناجعة ومهمة للتعبير عن نفسه مثل القبيلة. كما حاول النظام الملكي (1951 ـ 1969) أن يقلل من أهمية القبيلة وأن يسعى إلى إدماجها. ولكنه بقي في النهاية قليل الانتشار الجغرافي ضعيف التمثيلية السياسية مما جعل دواخل البلاد وخاصة المناطق النائية خاضعة تماما لسلطة وجهاء القبائل وشيوخ المناطق الذين كان قرارهم أهم من قرار السلطة المركزية. ولكن المفارقة التاريخية والسياسية اللافتة للانتباه هي أن الفترة التي تلت سنة 1969 والتي رفعت شعارات ثورية، أفضت في الواقع العملي إلى تشجيع القبائل وتدعيم سلطانها بل إنها سعت إلى فرض ما يمكن أن نسميه بالبدونة الشاملة، أي تغليب البدو على الحضر وتشجيع «فلسفة هدم الدولة» قطعة قطعة بحجة إلغاء الوساطة السياسية من جهة وتطبيق فكرة الديمقراطية الشعبية المباشرة من جهة أخرى ولكن البدونة كانت معضلة حقيقية بالنسبة الى المجتمع الليبي حيث أفضت إلى كثير من الارتجال والى تأخر فادح في مستوى التقدم السياسي والاجتماعي والى سطوة فعلية في الجهات وفي المناطق حتى أصبحت تأشيرة شيخ القبيلة ضرورية لتحصيل أبسط الحقوق والخدمات، كما كانت القبيلة حاضرة بقوة في انفجار 2011 حيث تمّ الاعتماد على قبائل معينة لتحقيق بعض الأهداف السياسية.
ويضيف الدكتور وناس إن الوضع لم يتغير بعد سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا، فبعد أن تلاشت هياكل الدولة الهشة ولم تعد للحكومة سلطة فعلية خارج طرابلس وانهارت المؤسسة العسكرية والإدارية، عاد الليبيون الى قبائلهم وجهاتهم ومناطقهم قصد الاحتماء بها وضمان نوع من الدعم النفسي وخاصة المادي في مثل هذه الأوضاع المأساوية التي يعيشها الليبيون، فسعت القبائل في مختلف المناطق الى حماية نفسها وحياضها وأفرادها الى جمع كميات كبيرة من الأسلحة بما في ذلك المدرعات والدبابات والمدافع قصد تأمين توازن الرعب مع الجهات والقبائل الأخرى. ولهذا فالقبيلة اليوم هي عنصر مهم في السنوات الثلاث الأخيرة، وهي التي تتحكّم جزئياً بالمليشيات وهي القادرة على إقناعها بالاندماج والتخلي عن هذه الكميات الهائلة من السلاح وإيجاد الحوار الوطني.

أثارت هذه المواجهات المسلحة مخاوف لدى سكان طرابلس من اندلاع حرب أهلية في بلاد توجد فيها ميليشيات عدة على أساس مناطقي مثل مجموعة مصراتة أو على أساس أيديولوجي مثل جماعة «أنصار الشريعة». ليبيا تنزلق بشكل متسارع نحو المزيد من الفوضى والانفلات الأمني في ظل سيطرة الميليشيات المسلحة على المشهد السياسي والعسكري فيها والذي ظهر أخيراً في عمليات الاغتيالات السياسية التي طالت ضباطاً في الجيش و أجهزة المخابرات، وفي حادثة اختطاف رئيس الوزراء السابق علي زيدان في تشرين الأول 2013، ثم احتلال مقرّات الجيش الليبي.

لقد كان الدرس واضحاً، وهو أن ليبيا ليست فيها دولة ولا جيش قادران على فرض القانون على الميليشيات، لكن في الواقع كانت صفارات الإنذار قد انطلقت قبل ذلك بكثير، وعلى سبيل المثال، لم يدرك المراقبون خطورة القرار الذي أقدم عليه المجلس الوطني الليبي، بتحريض من الإسلاميين المتشددين والفوضويين، بإقصاء كل من تولّى مناصب في النظام السابق ولو ساهم في المعارضة والثورة، وكان من ضحايا ذلك رئيس المجلس نفسه محمد المقريف. والحال أن هذا القرار قد حرم ليبيا من الكفاءات القليلة التي يمكن أن تسيّر الدولة بشيء من النجاعة. ومن الجدير بالذكر أن السيد المقريف كان انفصل عن نظام القذافي منذ 1981، وأسس من الخارج «جبهة الإنقاذ الوطنية»، لكنّ الأميركيين شجعوا بعد ذلك «الجماعة الإسلامية المسلحة» التي أسسها عبدالحكيم بلحاج وأبو أنـس الليبي وثلة ممن يُسمون «المجاهدون الأفغان»، قبل أن ينقموا على هذه الجماعة لما اقتربت من «القاعدة» في 2001. ولقد استطاع المتطرف بلحاج أن يهزم مجدّداً المعتدل محمد المقريف رئيس المجلس الانتقالي السابق بقانون العزل السياسي ويخرجه من الحياة السياسية. وجاءت حادثة خطف القوات الأميركية لأبي أنس الليبي لتشعل البلد وتكشف المستور وهو أنّ القوّة الحقيقية هي للميليشيات القبلية والميليشيات القريبة من «القاعدة».
المشهد الليبي دخل دائرة الصدام المسلح. وهذا الأمر نتاج طبيعي لسياسة الأجندة الضبابية التي تتبعها الحكومة في مواجهة الأجندات الخاصة للقوى السياسية. الكل يعمل لمصلحته من دون النظر للمصلحة الوطنية التي يجب أن تأتي أولاً وقبل أي مصالح حزبية أو خاصة… خريطة الطريق التي وجدت ليبيا نفسها فيها تنبئ عن فشل ذريع يقود البلاد إلى الحرب الأهلية التي يخسر فيها الجميع.. فليبيا تبدو نظرياً الحالة الأقل استعصاء بين «الثورات العربية»، إذ إنّ الثروات الهائلة للبلد من النفط والغاز مع العدد المحدود للسكان (حوالي ستة ملايين نسمة) يوحي بأن الوضع الليبي يمكن أن يحلّ بأيسر السبل، لكنّ التطبيق هو أعقد دائماً من النظريات، فالنفط الليبي، مثل النفط العربي عامة، كثيراً ما يكون لعنة لا نعمة، ذاك وضع ليبيا مع القذافي وسياساته التي لم تتواصل عقوداً إلاّ بفضل الريع النفطي.

أمّا بعد «الثورة»، فقد أثار النفط شهيّة الجميع من الداخل والخارج، فالتدخل العسكري الغربي لمساعدة «الثوار» الليبيين كان ثمنه الصفقات النفطية التي لا يعلم الكثير من تفاصيلها إلى الآن، وضعف بنية الدولة مقابل قوّة الانتماء القبلي، يطرح المشكلة المعقدة للاقتسام العادل للثروة النفطية، ولاسيما أن الحقول النفطية ليست موزعة بالتساوي بين المناطق، وأن الاقتصاد الليبي قائم كله على الثروة النفطية، على حد قول الباحث التونسي محمد الحداد.

:::::
صحيفة “تشرين”