ماجد أبو شرار.. مسيرة لم تنته بعد

رشا عبدالله سلامة

   الاغتيال في روما.. بهذه الحادثة، التي تليق بحكاية درامية كحكاية ماجد أبوشرار، اختُتِمت حياته التي كانت حافلة بالكثير على مدى سبعة وأربعين عاما عاش جلها يهجس بالقضية الفلسطينية ويعمل لأجلها.
صاحب «الخبز المر»، لم يحصر جولته يوما ضد العدو الصهيوني فحسب، بل كان لا يستثي اعوجاجاً إلا وتحدث عنه، أُردي ماجد شهيدا بقنبلة وثقبين في الجسد قد يرمزان لإطلاق النار عليه قبل تفجيره، بحسب ابنه سلام، الذي يردف بأن ما يضاعف الأمر تعقيدا وغموضا أن نتائج حاسمة لم تنبثق عن التحقيق الذي فُتح منذ اغتياله في تشرين الثاني في العام 1981.

كانت سماء، وداليا ووالدتها ينتظرن عودة ماجد من روما، في البيت، فيما سلام كان يقف عند مدخل البناية مع أفراد من الحراسة. لو كانت العائلة استمعت لنشرة الأخبار التي تباطأت عنها، لعرفت باغتيال ماجد قبل أن يلج مرافقه محمود الكبير البيت بحالة انهيار تامة. كان سلام يمشي وراءه متسائلا، فيما قلب سماء يهوي في قدميها، تماما كما أم داليا. مضى المرافق نحو صورة ماجد المعلقة على جدار المدخل، وراح بضربها برأسه وهو ينتحب.
كان هاجس سماء في ذلك الحين بألا تكون جثة والدها قد تفحمت، وبألا يكون قد ذاق عذابا قبل أن ترتقي روحه للسماء، بحسبها. تكمل «كنت أسأل كل من تابع الموضوع عن كثب إن كانت ملامحه ما زالت على ما هي عليه. حاول كثيرون طمأنتي. أردت تصديق ما قيل لي في حينها حتى لا أفقد صوابي وأعتقد أني صدقت حتى بدأت أقوم بأبحاثي الخاصة وأسأل من قاموا بمعاينة الجثة بعد أعوام من عملية الاغتيال، فاكتشفت أنها كانت مشوهة كثيرا أو بالأحرى فإنه لم يتبقّ الكثير من جسد والدي جراء الانفجار الضخم».
لطالما تأملت داليا في ابنتها الصغيرة كرمة؛ كي تتتبّع من خلالها مراحل الذاكرة والوعي لدى الطفل. حين اغتيل ماجد، كانت داليا ما تزال في الثالثة من عمرها. تقول «يصعب عليّ تذكّر أي مشهد شخصي لوالدي. لا أعلم إن كانت هذه ذاكرة انتقائية تحاول تجنب الألم. أذكر المرافقين وأذكر السوبرماركت الذي كان في شارع منزلنا، لكني لا أملك مشهدا واحدا لوالدي في الذاكرة».
تحكي داليا عن والدها، من خلال عيون من شاهدوه. تقول «أخبرتني والدتي، المحامية إنعام عبد الهادي، أني كنت أظن بكاءها يوم تلقينا خبر الاغتيال، بسبب صورة والدي التي هشّمها مرافقه حزنا. وعندما تطوّع البعض لإصلاحها وإعادة تعليقها، كنت أتساءل عن استمرار بكاء والدتي. كنت أظن بأن الحكاية ما هي سوى برواز صورة أُتلف وأُعيدَ من جديد». بيد أنها تقول بأن معرفة والدها بعيون من حوله «تجربة جميلة لا ينفكّ نطاقها يتسع كلما سمعت عنه من رفاقه وممّن عايشوه، وحتى من تأثروا بنهجه لاحقا».
الخسارة التي مُنيت بها عائلة أبو شرار لم تؤخذ على محمل شخصي، كما يقول سلام، موضحا «صحيح أن خسارته كانت مروّعة على صعيد عائلي، وبالنسبة لي فقد فقدت سندا ونموذجا، لكني ما نظرت يوما للأمر إلا كخسارة جماعية لنا كشعب فلسطيني». يضيف بأن تجربته مع خسران والده، لا تكاد تقارن، في نظره، بتجربة الأم الفلسطينية التي فقدت خمسة من أبنائها معا لتهب السادس للقضية الفلسطينية، بيد أن ما يحز في خاطر كل من سلام وسماء أن ماجدا كان رئيسا للإعلام، لكنهما لا يجدان عنه شيئا في الإعلام الفلسطيني الرسمي حاليا. إلى جانب هذا، فإن منظمة التحرير الفلسطينية لم تقم بالدور المنوط بها في ملاحقة الجُناة قضائيا، على الرغم من كون الشهيد كان عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح وعضوا في المجلس الوطني وفي الاتحاد العام للكُتّاب والصحفيين الفلسطينيين. يقول سلام «لن يكون وفيا لفلسطين من لم يكن وفيا لشهدائها».
لطالما كرّر الشهيد مقولته «يجب أن تكونوا أكبر من كل المفاجئات وأقوى من كل الأحزان، لأن العدو المدبر يرمي إلى بث الأحزان في النفوس لإيصالنا إلى اليأس وهذا ما لم ولن يستطيع الوصول إليه مهما كانت النتائج»، وكأنما كان يعدّ أبناؤه، سلام وسماء وداليا، لما ينتظرهم لاحقا. تقول سماء «كان وصول الجثمان، بحسب ما أذكر، مساء. تجمّع لاستقباله عدد كبير من القيادات الفلسطينية وعائلاتهم بالإضافة إلى العديد من الأهل والاصدقاء. في تلك اللحظات، حين رأيت النعش مغطى بالعلم الفلسطيني، بدأت أستوعب بأن والدي لن يعود وأنه بالفعل غادرنا إلى الأبد».
كانت سماء تشعر بغضب كبير، بحسبها. لم تكن تصدق حتى تلك اللحظة أن الرجل الذي كان باسما على الدوام ومليئا بالحياة، عاد بصندوق بارد. المشهد الآنف لا يفارقها، تماما كما مشهد الجنازة التي بدت كما لو أن بيروت كلها نزلت للشوارع لوداع ماجد. «رؤيتي لحجم الصدمة والأسى لدى الكل ساعدني قليلا على ابتلاع ألمي».. تقول سماء.
كذلك هي داليا التي تشعر بغضب عارم في مرات. تقول بأن شعورا يراودها بأنها خسرت والدها بسبب انغماسه في فلسطينينته بلا هوادة، لتستدرك سريعا بأن اغتياله شهادة انتزعها من عدوّه؛ لعظيم الدور الذي كان يلعبه. تقول «لو لم يكن مناضلا حقيقيا، لما اغتيل. بقدر ما خسرناه، بقدر ما كان محظوظا».
تستذكر سماء لحظات كثيرة لوالدها. إحداها حين طلبت منه زيادة في مصروفها وإخوتها لدى انتخابه عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح. يومها رفض ماجد الأمر؛ حتى لا يظن أحد أنه بصدد استغلال موقعه الجديد. ضحكت يومها؛ لعدم استيعابها جدوى الترقية ما لم تعد عليها بالنفع.
ذكريات تتزاحم بشكل يومي لدى سماء وسلام، كأنما ماجد ما يزال موجودا. ففي وقت يستذكر فيه سلام اصطحاب والده له إلى مكتبه، ومدى دفق وأهمية الزائرين الذين كانوا يتواجدون لديه باستمرار، تقول سماء أنها بمجرد دخولها مخيما ما وبمجرد أن تعرّف على نفسها، تنثال الأسئلة من قبيل «ما هي صلة القرابة بينك وين ماجد أبو شرار؟». تقول بأن والدها كان يقدّس الأطفال، وكان مشهودا له حنانه البالغ ليس على أطفاله فحسب، بل على أطفال كل من يعرفهم، وكانت له عبارة خالدة يرددها في أمكنة عدة، بحسب من يعرفونه، «من يريد أن يستمر فلينظر في عيون الأطفال».

أبو شرار، الذي كان يترأس الإعلام الموحد في منظمة التحرير الفلسطينية والذي بدأ بإصدار مجلة «فلسطين الثورة» باللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى جانب اهتمامه بالسينما الفلسطينية وبكلّ ما له علاقة بالتوثيق، كان يستشرف المراحل اللاحقة التي ستؤول إليها القضية. كان من بين مقولاته «حماية الوحدة الفلسطينية داخل الوطن المحتل وخارجه أحد أسلحتنا الرئيسية وشرط من شروط الانتصار». يرى سلام بأن والده صاحب بصمة فارقة في حركة فتح، وبأنه لو كان ما يزال على قيد الحياة لما انحدرت الأمور لمثل ما انحدرت إليه. عدا عن إحباط كل من سلام وسماء وداليا من الدرجة التي هَوَت إليها القضية الفلسطينية على أيدي القيادة الحالية، فإنهم يرصدون خللا كبيرا في عملية صناعة القادة لدى فصيل فتح حاليا. يقارن سلام الأداء الإعلامي المتواضع حاليا بما كان والده يمثله في حينه من حالة انفتاح فكرية لافتة للنظر، حين كان المسؤول الأول في منظمة التحرير الفلسطينية في محاورة مثقفين من فلسطينيي الخط الأخضر كمثل الراحلين توفيق زيّاد وإميل حبيبي، إلى جانب إيلائه الخطاب الفلسطيني الموجّه للعالم الغربي جل اهتمامه من حيث تطوير الأدوات التي على صاحب الحق الترافع بها عن قضيته. يقول سلام «لم يدخر جهدا في إيصال الرسالة الفلسطينية. ترأس جمعية الصداقة الفلسطينية السوفيتية، كما كان على تماس مباشر مع الاتحادات الطلابية الفلسطينية في كل مكان، وكان ينادي عبر وسائل الإعلام العالمية بفلسطين الديموقراطية الحرة التي تحتضن الأعراق والأجناس والأديان جميعا».

لأجل ذلك كله، لم يستسلم أبناء أبو شرار لفكرة اغتياله بعد مضي كل هذه الأعوام. عكفوا منذ مدة طويلة على مشروع رأى النور مؤخرا، حمل اسم «مؤسسة ماجد أبو شرار الإعلامية»، التي تخاطب التوّاقين لإعلام فلسطيني واعد ومنفتح على الطريقة التي حاول الشهيد إرساءها قبل رحيله، وهو من كان يهجس بثيمتيّ «الموضوعية» و»المهنية». الفئة الرئيسية المستهدفة ستكون طلبة الإعلام اليافعين، لا سيما من المخيمات الفلسطينية في لبنان وغيرها من بؤر الشتات الفلسطيني، الذين ستقدم لهم المؤسسة منحاً دراسية ودورات تدريبية وتوعوية لتلقّي الدراسة الإعلامية في المجالات التالية: منهاج أبو شرار سياسيا وفكريا وأدبيا وإنسانيا، تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية، الفلسطينيون في عين الأمم المتحدة والقانون الدولي، اتفاقية أوسلو، أسس الكتابة الصحفية، وسائل الإعلام الاجتماعية، فن القصة القصيرة، أسس ومرامي مخاطبة وسائل الإعلام الغربية، خلق وإدارة وتطوير المواقع الإلكترونية المؤثرة، والتقارير التلفزيونية.