مسرحية “الموصل الداعشية”… اهداف.. وارتدادات

العميد د. امين محمد حطيط

 

ملاحظة من “كنعان”

ننشر مقالة الدكتور حطيط التي نتوافق معها بالإجمال، لكننا نستغرب ما يلي:

أولاً: ما لزوم مهاجمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين مع أن الأمريكي والحكم العراقي الحالي اعدمه يوم العيد؟ صدام حسين رغم ما له وما عليه، ليس مسؤولا عن سقوط من أتوا بعده. الموتورية في السياسية خطيرة.

ثانياً: للموازنة كان يجب نقد المالكي وما فعل في العراق، فهو تعيين غير عراقي. وحتى انتخابه فهو طائفي.

ثالثاً: كنا نتوقع من د. حطيط أن يقول يجب ان يكون كل ترشيح رئاسي أو برلماني في العراق لكل عراقي والانتخاب لكل عراقي وليس التقسيم الطائفي على النهج اللبناني.

■ ■ ■

 

مسرحية “الموصل الداعشية”…اهداف..و ارتدادات

العميد د. امين محمد حطيط

 

قد يظن البعض ان “غزوة الموصل الداعشية ” التي آلت الى سيطرة التنظيم التكفيري الارهابي على محافظة نينوى العراقية و ما اعقبها من تمدد في محافظتي صلاح الدين و ديالى، قد يُرى في هذا الامر انجاز عسكري يستوجب ادراجه في “سجل الاعمال العسكرية الخارقة “، خاصة و ان المجموعة المسلحة التي وصفت بانها مهاجمة كانت صغيرة العدد جدا بحيث لا تتجاوز ال 500 عنصرا تحركت في مقابل 25 الف جندي و رجل امن و شرطي عراقي كانوا ينتشرون في المنطقة المستهدفة. كما ان الظن ذاك قد يتطور الى القول بان هناك مرحلة جديدة فتحت ابوابها في المنطقة لاعادة رسم خرائط دولها خاصة و ان التنظيم الارهابي ذاك سارع الى نشر خريطة احلامه في دولته المستقبلية مظهرا بانها ستقوم على اراض ست دول عربية ( لبنان – سورية – العراق – الكويت – الاردن – فلسطين ) خريطة جاءت بمثابة انذار الى هذه الدول بان الارهاب يتحضر لطرق ابوابها مستفيدا مما يدعي انه حققه من انجازات في سورية و العرق.. فاين الحقيقة من ذلك ؟ و هل ان داعش تملك تلك القدرات ؟ و من يقف وراء غزوتها الموصلية و ما هو افق تلك الغزوة و تداعياتها على المنطقة ؟.

تؤكد الوقائع انه لم يجر في الموصل معركة او مواجهة فالامر برمته خطط له محليا و اقليميا و دوليا بشكل تآمري محكم و نفذته عناصر رسمية عراقية مدنية و عسكرية خانت قسمها و سلمت مواقعها و مراكزها لبضعة مئات من المسلحين يعملون تحت عنوان “داعش” اندفعوا الى المنطقة فاستلموها وفقا لخطة اعدها ضباط عراقيون من جيش صدام حسين السابق، و باشراف تركي مباشر و تمويل سعودي سخي و علم لا بل ضوء اخضر اميركي مقنع.

فالموصل سلمت تسليما و لم يكن فيها ميدان للمواجهة ليحكم عبره على قدرات هذا الطرف او ذاك من الوجهة العسكرية سواء في التخطيط او التنفيذ، و كانت المنطقة مسرحا لابشع مسرحية تآمرية استعراضية انقلابية شاءها اصحابها لتكون ردا على محور المقاومة في منطقة الوصل بين قطبيه الايراني و السوري، لكبح اندفاعه الصاعد و حصاده لمكاسب في السياسة و الميدان،و قد رأووا في عملية الموصل ضربة ملائمة لقطع الطريق على تنامي انجازات ذاك المحور في حربه الدفاعية التي يخوضها في مواجهة المشروع الصهيواميركي الذي يستهدف المنطقة برمتها. و بالتالي ينبغي ان نسقط فكرة القوة و القدرة غير العادية لتنظيم داعش الارهابي، و ننظر للامر بمنظور واقعي دون ان ننسى ما حل ب “داعش” في الميدان السوري على يد الجيش العربي السوري و القوات الرديفة و تساقط مواقعها امامه، و عجزها ايضا عن الصمود في كثير من المواجهات التي دارت رحاها على الارض السورية بين فصائل المجموعات الارهابية ذاتها.

بعد هذا التأكيد، نعود الى الاهم في الموضوع و نبحث في الاهداف التي رمت اليها الاطراف المشاركة في هذه العملية. فنجد و خلافا لظاهر الامور ان اميركا هي القائد الرئيسي في العملية، قادتها و مارست النفاق المعهود في سلوكها متظاهرة بعدم علمها بها و استنكارها لها. و يخطأ من يظن بان اميركا كانت بعيدة عن المسألة خاصة و ان اثنين من حلفائها هم من اداروها و مولولها، فتركيا خططت و وجهت بحضور مباشر في الموصل لمدير مخابراتها، و السعودية شجعت و مولت و نفذت الحرب النفسية اعلاميا خدمة للعملية. و بالتالي ان المثلث المذكور بالقيادة الاميركية اتكأ على الداعشيين و الضباط الصداميين لتوجيه ضربة في العراق تتردد تداعياتها في ايران فتجبرها على اعادة الانتشار الدفاعي على حدودها و تمنعها من الاستمرار في تعهد و توسيع الفضاء الاستراتيجي لمحور المقاومة،كما تمنعها من استثمار نجاحها في ادارة الملف النووي الذي بات يقترب من نهايات تناسبها..

اما الهدف الثاني من العملية (يعني خاصة السعودية و تركيا )، فهو يستهدف العملية السياسية العراقية التي كانت ادت في الانتخابات الاخيرة الى تأكيد قدرة السيد نوري المالكي و المكون السياسي الذي ينتمي اليه، قدرتهم على تشكيل حكومة قادرة على الحكم و تخرج من حالة التعطيل و الشلل الذي عرفته العراق طيلة ولاية المجلس النيابي الاخير. و ترى السعودية و تركيا في قيام حكومة الاغلبية السياسية الوطنية التي يسعى اليها المالكي و التحالف الوطني الذي تشكل بعد الانتخابات الاخيرة من شأنه ان يقطع الطريق على اي نفوذ لهما في العراق و خروج العراق كليا من الفضاء الاستراتيجي الحيوي لاي منهما خاصة و ان هذا التحالف يلتزم بعلاقة مميزة مع محور المقاومة بدولتيه المجاورتين للعراق سورية و ايران، نظرا للروابط المتعددة الاشكال بين الدول الثلاث. و تعول السعودية وتركيا على العملية لقطع الطريق على حكومة جديدة للمالكي و الحؤول دون اعتماد سياسة تجعل العراق امتداد منطقيا لمحور المقاومة، و قد سارعت السعودية دعما لهذا التصور الى الدعوة لعقد مجلس الجامعة العربية و في مفكرتها عنوان واحد “تشكيل حكومة عراقية ” تقفز فوق نتائج الانتخابات و تعيد المشهد العراقي الى ما كان عليه قبل الانتخابات في سلوك يذكرنا بما كان من دور للجامعة ذاتها في سورية، عندما حاولت فرض حكومة على سورية لا تكون خيارا شعبيا.

و الهدف الثالث يتعلق مباشرة باستراتيجية اميركا اسرائيل في نشر الفوضى و تسعير الاقتتال العرقي الطائفي المذهبي خاصة بين السنة الشيعة و نلاحظ كيف ان التنظيم التكفيري الداعشي سارع الى اصدار بيان استفزازي يهدد بهدم المقامات و العتبات المقدسة في العراق و التهديد بقتل و سبي من يخالفه في المذهب و الانتماء و هو يعني الشيعة بشكل صريح.

اما الهدف الرابع فيتصل بسورية التي انزلت بالجماعات الارهابية اشد الهزائم و الخسائر فشاءت الجماعة الارهابية الداعشية ان تحجب بمسرحيتها تلك مشهدها الكئيب و تصنع لنفسها جرعة ترفع معنويات ارهابييها بعد ان تهاوت نتيجة الانجازات البالغة الاهمية التي حققتها سورية في الوجوه السياسية و العسكرية و الامنية، الى الحد الذي بات مسلم به القول بان العدوان عليها اخفق و ان قتال و اجرام الجماعات المسلحة تلك بات من غير افق و لن يغير من نتائج المواجهة مهما طال على حد ما ذكر مؤخرا الرئيس بشار الاسد، و اكد عليه السيد حسن نصرالله في خطابه الاخير. و قد جاء نشر الخريطة الشاملة لما يسمى “الدولة الاسلامية في العراق و الشام ” مباشرة بعد عملية الموصل تلك في سياق الحرب النفسية الهادفة الى رفع معنويات الارهابيين من جهة و ترهيب الدول التي شملتها الخريطة من جهة اخرى ( لم تشمل الخريطة اي جزء من السعودية و تركيا حتى انها و لم تشمل لواء الاسكندرون السوري المغتصب باليد التركية، استبعاد جاء ليشكل دليلا آخرا على الرعاية التركية السعودية لهذه العملية و هذا التنظيم ).

بعد هذا التشريح لنوايا المخطط و المنفذ و اهدافهما، نعود الى النتائج و التداعيات التي سببتها العملية و نتوقف عند الاهم منها كالتالي.

1) يقظة عراقية وطنية و ردة فعل شبه جامعة، اتسمت بالوطنية التي تجاوزت الخطوط الطائفية و المذهبية، و كان مهما جدا ان تتلاقى المرجعية الدينية للمسلمين الشيعة مع جماعة العلماء المسلمين السنة في موقف واحد رافض للفكر الارهابي، و يدعو العراقيين الى حمل السلاح و التطوع لمواجهة هذا الفكر التدميري و قتال الارهابيين.

2) دفع السلطة العراقية الى تجاوز عوائق مزمنة كانت تعترض طريقها في بناء القوة العسكرية الدفاعية التي تحمي الدولة و الحكم في صيغة ما بعد الاحتلال العراقي، و السير في اتجاه تشكيل الجيش الرديف و اللجان الشعبية على غرار ما اعتمدت سورية و نجحت ايما نجاح في مواجهتها للارهاب و حماية المواطنيين.

3) ايقاظ الوعي لدى بعد المخدوعين او المغرر بهم من العراقيين الذين كانوا ضحية الاعلام الخارجي المحرض على الانقسام االطائفي و المذهبي في العراق، حيث تبين لهؤلاء ان الارهاب لا يميز بين مذهب و اخر و لا يراعي في احد الاّ و لا ذمة و ان القتل و الاغتصاب و النهب يطال الجميع على يد هؤلاء التكفيرين دونما تمييز.

4) انشاء ميدان عراقي سوري تكاملي لمحاربة الارهاب، ما سيقود بشكل او باخر و بتشجيع و دعم ايراني الى تنامي التنسيق بين البلدين في حربهما تلك الامر الذي سيخفف من اعباء سورية و يسرع انجاز المهمة و الخروج من الازمة.

5) تنمية مخاوف دول المنطقة التي شملتها الخريطة الداعشية من الارهاب القادم اليها و وضع هذه الدول امام مسؤولياتها في الدفاع عن امنها و مواطنينها خاصة في الكويت و الاردن.

6) تشكل دعم علني دولي عارم للحكومة العراقية في حربها ضد الارهاب الداعشي، و غياب اي صوت علني داعم لتلك الجماعات بما في ذلك من شاركها العملية مثل السعودية و تركيا ( باستثناء البحرين التي كانت النشاز الوحيد دوليا و التي جاء تأييدها ليكون بديلا عن الصوت السعودي المختنق ). نقول هذا دون ان نفغل الرياء الاميركي في الامر، و دون ان نعول على التحركات العسكرية الاميركية الاستعراضية في الخليج، و دون ان نتوقع اي تدخل عسكري اميركي مباشر على الارض العراقية رغم وجود بضعة آلاف من الجنود الاميركيين هناك.

7) و اخيرا لا بد من التوقف عند العامل الكردي الذي يتوزع الادوار من اجل جمع المكاسب لدويلته في كردستان العراق، و لكنني اعتقد بان الاكراد الذين سيربحون في بداية العملية كما حصل بعد سيطرتهم على كركوك و تمددهم في مناطق المادة 140 المتنازع عليها سيجدون انفسهم في وضع حرج بعد انقشاع الغبار و وقوفهم وجها لوجه امام الارهابيين ما سيضطرهم للعودة الى السلطة المركزية العراقية طلبا للمساعدة.

قد تكون “مسرحية الموصل الداعشية” احدثت صدمة اخافت البعض للوهلة الاولى، لكنها في منتهى الامر كانت صدمة تحولت الى فرصة تتيح للمستهدفين منها سد الثغرات في بنيتهم و مكوناتهم، دون ان يكون لدى الفاعلين و المشاركين فرصا حقيقية لتحقيق اهدافهم من العملية، لا بل قد يحصل عكس ما رموا اليه، اما ما يقال عن خرائط و تقسيم هنا او هناك فانه يبقى امرا غير قابل للتنفيذ في ظل موازين القوى الدولية القائمة حيث اثبت المحور العامل من اجل استقرار المنطقة و امنها – محور المقاومة – قدرته على منعه و قدرته على استعادة الامن و الاستقرار رغم حجم التضحيات التي فرضها الحريق العربي باليد الاجنبية.

::::

“الثورة”، دمشق