مصالحة الأحمد و”حكومة الرئيس”!

عبداللطيف مهنا

إنه “لارجعة للوراء، ولا قوة في الأرض قادرة على تعطيل انهاء الانقسام” في الساحة الفلسطينية…مثل هذا الكلام الحازم الجازم هو لعزام الأحمد القيادي في حركة فتح السلطة ومسؤل ملف آخر مصالحاتها مع حركة حماس، أو ماعرف ب”اتفاق الشاطىء” بين سلطتي رام اللة وغزة. وهو قول إذ لايسهل على من هو سوى الأحمد قوله، فإنه سيكون صحيحاً، أو على الأقل مأمولاً، لو لم تك هذه المصالحة المراد لها أن تنهي هذا الانقسام كانت، وكما وصفناها في مقال سابق، منتفية الشروط، ومن أهمها أنها تفتقر إلى الاستناد إلى برنامج اجماع وطني يرتكز إلى رؤية نضالية استراتيجية مقاومة، رؤية من شأنها أن تضع حداً لمسار تساومي تفريطي مدمر للنضال الوطني، مفتت للوحدة الوطنية، اوصلت تهافتاتة التصفوية على مدار اكثر من عقدين القضية إلى ما اوصلتها اليه. نقول هذا، لأن الجميع في الساحة الفلسطينية وخارجها لايجهل، وإن كان التجاهل هنا مستحباً لدى الكثيرين، أن “اتفاق الشاطىء”، كان، وكما وصفناه أيضا في مقال سابق آخر، هو توافق تكتيكي يتدثر بمصالحة اضطرار، وإذ هو فصائلي السمة، بمعنى المعقود بين فصيلين وعلى ارضية اوسلوية، ولايشاركهما فيه كافة اطياف الساحة الوطنية الأخرى على اختلافها واختلاف مواقعها، فإن لكل من طرفيه حساباته الخاصه التي دفعته مضطراً إليه، لذا لم تلبث رياح الخلافات بتصريحاتها وتصريحاتها المضاضدة وأن هبت لتعصف به حاملةً مايتوعده باقتراب الانهيار.

وفق حساباته، أو من الزاوية التي ينظر منها الأحمد إلى حصاد بيدره الأوسلوي المتأتي له من “اتفاق الشاطىء”، يمكن فهم ماقاله على أنه نوع من التباهي بما يرى أنه قد انجزه في مشواره التصالحي هذا، وقد لايخلوا قوله أيضاً من مشحة من شماتة في شريكه في هذا المشوار. ولسان حاله هنا يقول، ما كان قد كان، شُكِّلت “حكومة الرئيس”، أو أُعيدت في مكرر من نسختها التي يرأسها مكرر رئيسها الحمداللة، أما تكنوقراطها، أو من اضيفوا اليها، فهم المنتقون وفق المواصفات الأوسلوية المطلوبة إياها، بمعنى تمكنا من تمديد شرعية اللاشرعية، أو الاستمرارية للأمر الواقع، أي لسلطة ليس من شرعية نضالية أو وطنيه لها، ولا حتى وفق قانونها الأساسي، ناهيك عن كونها منتج أوسلوي تحت احتلال. وهو إذ أنجز ما انجز، لم يقدم بالمقابل أي تنازل لشريكه في التوافق، ف”حكومة الوحدة الوطنية ” هذه تشكَّلت وحماس خارجها، وظلت هى هى، أي “حكومة الرئيس”، ورهن توجهاته ووفق متطلبات نهجه أياه والملتزمة بكل ما الزم به نفسه خلال مشواره التسووي المعروف، والتنسيق الأمني مع العدو قائم بهذه الحكومة أو من دونها، وبمصالحة أو عدمها، والملاحقات للمقاومين والإعتقالات السياسية في الضفة أمر يومي مستمر لاشأن لما تم في غزة به، أما المفاوضات فشأن مفاوضيها من خارج الحكومة والاتفاق الذي شكَلها…بمعنى جاز للأحمد المباهاة بما انجزه ولم يقدِّم مقابله شيئاً. لكنما في قوله بأن “لارجعة للوراء، ولاقوة في الأرض قادرة” على تعطيل ما انجز، فهنا مكمن ما قد يلمس من مشحة من شماتة في حماس، التي قدمت وحدها التنازلات التي ادت لتوقيع الاتفاق أملاً منها في دفع بلاوي واثقال استحقاقات الحصار الخانق لا اقتناعاً بنجاعة ما اقدمت عليه، بيد أنها من زاوية الحسابات الفصائلية، أو من حيث ينظر الأحمد لمنجزه، قد دفعت ولم تقبض، وخسرت ولم تكسب، فملف المنظمة تأجل إلى أن يقضى الله أمراً كان مفعولا، والحصار لازال هو الحصار، ولا من جديد حول رئة معبر رفح المسدودة، ووفق الحسبة الأوسلوية، فهي الى جانب كونها قد غدت خارج “حكومة الرئيس”، فليس من حديث حول اعادة الحياة الى المجلس التشريعي الذي لها الغلبة فيه، وبالطبع لامن توحيد شبه مستحيل للأجهزة الأمنية، ولا رواتب ستصرف لموظفي حقبة حكومتها المقالة ال41 الفاً في غزة، أو عملياً ما قد يسهم فيما يرفع عن كاهلها أعباء وتبعات اغاثة جوعى الحصار…من طريف ماقاله الأحمد، وهو يعنِّف حماس لأنها “لاتضع حداً لصغارها” الذين يتهمون حكومة الحمداللة بالإنقلاب على توافق تشكيلها، و”يتطاولون” على رئيس السلطة: قلت لهنية، “من كان يدفع لكم سابقاً عليه مواصلة ذلك… لكن ما لم يقله الأحمد، هو أن صرف رواتب موظفي غزة من عدمه هو راجع لمشيئة ما تدعى “الدول المانحة”، التي تصنفهم بالإرهابيين لأنهم كانوا يخدمون في الجهاز الإداري لحكومة مقالة لحركة مصنفة عند هذه الدول بالإرهابية!

ربما صح قول الأحمد أنه “لارجعة للوراء”، بمعنى أن حماس في ظروفها الراهنة قد يصعب عليها العودة عن ما تم التوافق عليه، لكنما لامن قوة في الأرض، إذا ما استعرنا تعبيره، تقنع ساذج في الساحة الفلسطينية بأن المصالحة قد تمت وأن الانقسام قد انتهى، إذ أن أي توافق أو مصالحة أو مهادنة تحت سقف اوسلو الكارثي لن يكون مآلها إلا ماسوف تؤول اليه مصالحة الأحمد.

… واخيراً، وكما يقال، رب ضارة نافعة، لكن مثل هذا لن يكون إلا إذا استغلت حماس خروجها من السلطة لإخراج نفسها نهائياً من اسار القفص الأوسلوي، أو العودة عن تلك الخطيئة الاستراتيجية التي وقعت في حبائلها عندما استدرجت لملعب اوسلو وحاولت في جنباته الجمع بين نقيضين، السلطة والمقاومة…