هل سيقطع السوريّون دابر داعش؟

ثريا عاصي 

أطل محدثي من سوريا، ليخبرني هذه المرة بأن الجيش العربي السوري استرجع مدينة كسب. عاونه في ذلك كتائب الدفاع الوطني، والمقاومة اللبنانية والبعث، والقوميين الإجتماعيين. الإختلاف الوحيد بين رواية اليوم عن تحرير كسب، وروايته في أوائل نيسان الماضي، عن استيلاء الجماعات المسلحة عليها، هو كمثل الإختلاف بين الذهاب والأياب. بمعنى انه عدد البلدات والقرى السورية في ريف اللاذقية التي أفلتت من قبضة المتمردين المتعددي الجنسيات! بحسب ترتيب احتلال الأخيرين لها الذي استمر قرابة الثلاثة أشهر.
كان الهجوم الذي شنه المتمردون على مواقع الجيش العربي السوري في تلة 45 قويا كالإعصار، مفاجئا كالبرق. إقتحام انتحاري بسيارة معبأة بكميات كبيرة من المواد المتفجرة، تمهيدا لتدفق الجماعات المسلحة التي أعِدّت وحُشدت خلف الحدود التركية، استعدادا لساعة الصفر..
يقول محدثي أن هجوم الجيش العربي السوري في الأيام القليلة الماضية، في الإتجاه المعاكس، كان صاعقا هو أيضا، ولم تصمد دفاعات المتمردين طويلا، بل انهارت بسرعة. ما جعل الأخيرين يفرون من ميدان المعركة، كيفما اتفق، بعد أن سقط منهم عددٌ كبيرٌ من القتلى.
تتضارب الروايات ليس فقط حول أسباب هزيمة المتمردين في شمال غربي سوريا، وطريقة انسحابهم، ولكن عن عدم الإستجابة للنداءات و«للمناشدات التي أطلقتها الفصائل المسلحة في اللاذقية لدعم المقاتلين في كسب» أيضا.
يفيد محدثي بأنه علم أن المتمردين أخلوا المواقع التي كانوا يسيطرون عليها وسط حالة من الفوضى والإرباك. لقد خلفوا وراءهم قتلاهم و« عتادهم وسلاحهم ومدافعهم وصواريخهم» من مختلف الأعيرة. يقول الرواة أن داعش، جمعت أموالا طائلة بعضها خرج من أبار النفظ السورية وبعضها نزل من السماء!.. ولكن الرواة منافقون..
لفت محدثي نظري أيضا، إلى أهمية منطقة ريف اللاذقية في الصراع الدائر على سوريا، كونها تمثل العمق الإستراتيجي للدولة السورية، حيث يوجد احتياطي القوى البشرية الوطنية السورية والعتاد والذخيرة، بعيدا نسبيا عن الحدود مع الجيران، الذين توهموا، كما في لبنان وتركيا وربما في الأردن أيضا، ان الإنضمام إلى الآلة العسكرية الأميركية من أجل العدوان على سوريا، مربح ٌ !.
تتجمع في منطقة ريف اللاذقية ثلاثة عناصر هامة :
– تركيا التي استقبلت المقاتلين الأجانب على أرضها، ثم سهلت دخولهم إلى سوريا. ولكن من المحتمل أن هامش مناورة تركيا في الشمال الغربي السوري هو أضيق مما هو عليه في الأجزاء الأخرى من الحدود المشتركة. من المرجح أن مرد ذلك إلى التواصل بين ريف اللاذقية من جهة ولواء الإسكندرون من جهة ثانية. الجغرافية أصدق من أحلام الحكام!
– العنصر الثاني هو البحر، حيث يتواجد الروس، وهم العنصر الثالث، المطلوب أميركياً طردهم من سوريا، مثلما طـُردوا من أفغانستان بمعاونة جماعات على شاكلة داعش، يأتيها السلاح والمرتزقة من السماء. من هنا تأتي رمزية إحتلال المرتزقة لموطىء قدم على الشاطئ السوري، في السمرا. لا ننسى في هذا السياق ان البحر يعني بالإضافة الى الروس، المنافذ البحرية أيضا.
استعرض محدثي في رسالته الهاتفية، وقائع المعارك التي خاضها الجيش العربي السوري لتخليص المناطق الشمالية الساحلية من سيطرة المرتزقة. فذكر أن خلافات كانت قد نشبت بين فصائل الأخيرين، وأن الجماعات والفرق الشيشانية نقلت إلى حلب بقصد الزج بها في المواجهات هناك.
استهل الجيش العربي السوري عملياته، بإحتلال التلال والمرتفعات. قام بعد ذلك بإغلاق الثغرة البحرية في السمرا. ثم انطلق يحرر البلدات والدساكر حتى معبر الصخرة الحدودي. أما المرتزقة المتعددو الجنسيات، فقد حاول قسم منهم الإنسحاب باتجاه تركيا، في حين اتجه قسم آخر نحو جبل التركمان وريف إدلب.
هنا بدا محدثي مغتبطا، وكأنه أراد أن يمحو الحزن الذي تولاّه في نيسان الماضي عندما اتصل بي ليعلمني بضياع مدينة كسب «يمكننا أن ننعت الأوضاع في المناطق الساحلية بالصعبة بل هي سيئة» (راجع مقالي «حرب الشمال وحرب الجنوب»). أنقل حرفيا كيف عبر محدثي عن ذلك «جن جنون التركي الذي كان يراقب، ويلاحظ العملية العسكرية التي ينفذها الجيش العربي السوري، ويستكشف الخطة التي يتبعها. ما حمله على الاستنفار. كأن عودة الجندي السوري تعني: إن عدتم عدنا ووجها لوجه حدك حدودك.. وحدودي حدك الأحمر».
وأنا أستمع إلى محدثي كان يلاحقني ويلح علي سؤال، عن الغاية من انتزاع ريف اللاذقية، أو جزءا منه، من الوطن السوري، علما أنه سبق واقتطع من هذا الوطن لواء الإسكندرون. وبالتالي فمن المحتمل أن ينشأ عن الربط بين اللواء الأخير من جهة وبين منطقة اللاذقية من جهة ثانية، معطى أو واقع جديد، قد لا يبقى تحت سيطرة تركيا أيضا. ولكن نظرا إلى نتائج معادلة الحكومة التركية: صفر مشاكل، لا يمكننا أن نستبعد كوارث أخرى تأتي بها هذه الحكومة على تركيا وجوارها!
هل أن الخطة التركية ـ الاميركية فشلت في ريف اللاذقية؟ ما هي الأهداف التي كان يصبو إليها الأعداء؟ ما هي أسباب هزيمتهم؟ أم أن هناك متغيرات أجبرتهم على العدول عن مهاجمة الوطن السوري في القلب، فقرروا نهشه من أطرافه؟
يحسن التذكير هنا، بأن التوقعات عن تطورات خطيرة على الجبهة الجنوبية، في الجولان وإنطلاقا من الأردن، بموازاة الهجوم على ريف اللاذقية، لم تصدق هي أيضا، أو قل أن السيناريو نفسه طُبق هنا وهناك، وربما في الغوطة ايضا، وأفضى إلى نتائج مشابهة. مجمل القول أن الجفاف يظهر من خلال تدني منسوب تدفق المرتزقة على سوريا، وسط صمت ذليل، حقير، يخيم على رؤوس الذين أعانوا واستعانوا ضد بلادهم وشعبهم، بأمراء النفط وبوزير خارجية حكومة الإشتراكيين في فرنسا، وبـ«فيلسوفها» ملهم ثوار ليبيا. كأننا في مشهد، ما بعد مرور الإعصار، الموت والركام يملأ حاضرنا. خرجت الآن داعش، جاء دورها. فهل ستكون نهاية الأوطان على يدها، أم سيتمكن السوريون من تحرير منطقة الجزيرة أيضا، لتبقى سوريا ضمير الشمس!

:::::

“الديار”