طوائف ونفط ولادة أم انتحار

عادل سمارة

باطن الأرض والتاريخ كرحم المرأة، فيه يكمن كل تنوع، والتحدي من الذي يغوص فيه إما ليُحرج الإنسان أو يزرع الوحش. التنوع الشعبي في الوطن العربي نعمة تاريخية والنفط نعمة طبيعية. لم نستخرجهما فاستخرجتهما الرأسمالية بمعداتها (الاستعمار والإمبريالية والعولمة). قام الاستعمار بالنهب والتجزئة وقرأ الطائفية جيدا وقسم الوطن على هذا الأساس. طائفية محاطة بزنار مشتعل من النفط كي لا تتحد طائفة مع أخرى. واصلت الإمبريالية ذلك وخلقت الكيان الصهيوني على شكل طائفي ديني (أول دولة دينية في التاريخ الحديث)، أما حقبة العولمة، فأخرجت النفط والطائفية على الهيئة التي تريد فكانت مذابح الطوائف بوقود النفط.

في غياب الدولة العروبية، وعدم تفكيك مفاصل الدولة القُطرية كان للنفط دوره الحارق  لا دور الطاقة، دور الريع لا دور التصنيع، دور التسريب والنهب لا دور تمويل التنمية. سُحبت احشاء الأرض لتقييد طاقات الأمة وتتبيعها. هكذا ينتهي ما هو كامن إن لم نحفر الأرض برموشنا لنخرجه ياسمين وبنفسج، كان يجب ان نضع ايدينا نحن عليه حتى لو بالقوة البسماركية، لا بل بقوة ما فعل نور الدين وصلاح الدين.

والتنوع والتعدد التاريخي منذ ما قبل الأديان وخلالها وحتى اليوم، هذا التنوع كمون إنساني هائل، لا يزدهر في مناخات التجزئة والدولة القطرية بل يتحوصل في ظلهما ويتحول بغياب الدولة العروبية العلمانية إلى ألغام مبثوثة في كل شبر وناح. إنه رجوع الإنسان إلى بدائيته التي هجرها حين كان ما يحيط به هي الذئاب. أما اليوم فكل الطوائف ذئاب.

النفط والتعدد/ التنوع، هما لمن يدخل بطن الأرض المجتمع ويستثمرهما.

جرى تأميم النفط العراقي والليبي، وبالمقابل جرى تدويل النفط الخليجي حيث لعب دور  “المُنتج المرجِّح” فكان برفعه اللأسعار أداة لإفلاس الدول الفقيرة. وكان بضخ مزيد من النفط معول هدم لنمو الدول النامية وتفكيك الاتحاد السوفييتي تماما طبقا لسياسة الشركات الغربية الكبرى عابرة القوميات والجغرافيا. تحكَّموا بباطن الأرض فأحرقوا من على وجه الأرض، أنظروا العراق وسوريا واليمن وليبيا اليوم.

بطن الأمة بطن أُم،  مليىء بالتنوعات الدينية والإثنية والثقافية والفنية. قاد احتجاز الوحدة والتنمية إلى بقاء الدول القطرية. فتحول البطن المليء بالمخلوقات بالأجنَّة المتآخية والجميلة إلى بطن سفاح إلى  حاضنة المذهبيات والطوائف والجهات والعائلات والقبائل والعشائر. فاندفعت تأكل بعضها بعضاً كالكلاب الجائعة.

في غياب الإنتاج يكون الريع، ويكون المذهب والطائفة بديلا للطبقة، ويحل الشيخ محل النبي والفيلسوف، والحاكم مكان الله. وفي حضور الفقر يكون تسييس الدين على شكل ريع لا راسمال تشغيلي إنتاجي، فتكون الطبقة ميليشيا، ويصبح المثقف يائساً تافها يتنقل من أجل الريع من حضن إلى حضن.

في المجتمع الراسمال الصناعي يكون الدين والعودة إليه حالة طقوسية تحت رقابة راس المال بل في خدمته تماماً، أما في المجتمع الريعي غير المصنَّع حتى راسمالياً، يكون الدين أداة لعقول بدائية فيها فردية وحشية يستبيح كل رأس رأس الآخر في تذابح سني شيعي، صابئي نقشبندي، مسلم مسيحي، سني جزئيا وسني كلياً، وهابي …الخ، تذابح  إن لم يُصدُّ، سينتهي العالم إلى رجل ذكر واحد وأربع مليارات امرأة. فهل يعلن حينها أنه الله!

إذن هو بطن التاريخ، فإما ولادة يانعة للتعدد وإما وليد سفاح.

ملاحظة: جزء من كلمتي في مهرجان بلدة بيت ريما  ( 20 حزيران 2014 )تضامنا مع سوريا وشكرا لروسيا)