” أحداث العراق في سياق استراتيجية الإحتواء”

الحلقة الأولى

المبادرة الوطنية الأردنية

22 / 6 / 2014

سياسة الاحتواء هي تلك السياسة التي إعتمدتها الإدارة الأمريكية، تحت مسمى حرب الإحتواء المزدوج للعراق وإيران، حيث فجّرت حرباً بين العراق وإيران، في عقد الثمانينات من القرن الماضي، دفع ثمنها الشعبان العراقي والإيراني الكثير من دماء الأبناء والثروات والمقدرات، الكثير الكثير.

استمرت هذه السياسة بصيغة جديدة، حرب الخليج الأولى عام 1991، التي اشتعلت إثر تحرشات كويتية بالعراق، وفخ نصبته الإدارة الأمريكية للعراق، سمحت لتدخل قوات الناتو في حرب على العراق، وإقامة قواعد عسكرية للناتو في الخليج، تبعها حصار استمر ثلاثة عشر عاماً على العراق، ثم توّج بغزو الناتو للعراق، عام 2003.

الذي يجري على الأرض العراقية اليوم يأتي في سياق هذه السيرورة، صراع معقد ومركب متعدد الأطراف والأهداف، لا يمكن فهمه من خلال استخدام أدوات تحليل ساذجة وثنائية بدائية بسيطة، بل يتطلب أدوات تحليل علمية مركبة ومعقدة.

 كثير من النخب العربية، كانت وما زالت، تعتمد الظاهر من الأشياء لاتخاذ مواقف سريعة، فلا تنتظر فهم جوهر الحدث، العلّة والسبب، لتطوير مشروع نضالي مضاد. هذه الطريقة الساذجة من التفكير ظهرت بشكلٍ جليٍ إبان ” الربيع العربي” تحت شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” بغض النظر عما سيأتي بعد ذلك، فليكن الطوفان، إنها عقلية تحتكم للثأر الإنفعالي ولا تحتكم للعقل العلمي الرصين، إنها عقلية المقامرة في الأوطان، وليست عقلية الحرص على الأوطان كخيار نهائي غير قابل للإرتداد، وكأولوية مطلقة تسبق كل شيء.

قد نختلف كما نشاء ونتصارع كما نشاء، ولكن تحت سقف المحافظة على الأوطان موحدة والنسيج الإجتماعي موحداً، وليبقى الحوار والنقاش، وحتى الصراع الدامي، في بعض المراحل والفترات، إذا ماكان شرط الحفاظ على الدولة والمجتمع موحداً، فلماذا لا.

لقد قادت عقلية الثأر، إلى حروب دامية بين أطراف التحالف الوطني، وعقلية الرد الإنفعالي، والتحالف مع عدو العدو، والتابع للعدو، إلى كوارث على أمتنا العربية عبر العصور القديمة والحديثة، ولا نزال نعاني من تبعاتها إلى يومنا هذا، فهل من الحكمة والمنطق الإستمرار في هذا النهج المجرّب ؟

ليس المطلوب إتخاذ مواقف، وكفى المناضلين شر الإجتهاد والتفكير الرصين العميق والبحث العلمي المضني لفهم قوانين الصراع، والغوص في تفاصيل المشهد القائم، كونه صراعاً مركباً ومعقدا، بل المطلوب بلورة مشروع تحرري نضالي توحيدي لكافة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، لأنها وحدها صاحبة المصلحة الحقيقية في بناء هذا المشروع وحمله، بعيداً عن أتـون حرب المجاميع الماقبل رأسمالية : الطائفية والمذهبية والقبائلية والأثنية.
لا يجب أن نقع أسرى سذاجة قاتلة، تنفعل مع الحدث بشكل غرائزي، وانبهار واندهاش طفولي، تقود الجميع إلى جحيم، نفخت ناره قوى حلف معادٍ للأمة، بل يجب الانطلاق من منظار يضع الحدث تحت مجهر التحليل العلمي العميق والدقيق، والذي يرتقى إلى فهم ماهية الحدث لناحية أهدافه الظاهرة والباطنة، ومصالح الأطراف المتعددة المتداخلة والمتضاربة :

من هي أطراف الصراع ؟ وما هي مصالحها؟

إنه صراع ثلاثي الأبعاد: دولي و أقليمي و محلي.

البعد الدولي: المركز الرأسمالي العالمي، صراع متعدد الأبعاد، وفي داخله تعدد المواقف والمصالح، مقابل الإتحاد الروسي، حيث لم تظهر مواقف بقية دول البركس.

قرار المركز الرأسمالي نافذ عند كافة حكومات منظومة الدول الرأسمالية، ولكنه يترك هامش التطبيق بحسب خصوصيات هذه الدول.

التركيز على موقف الإدارة الأمريكية له الأولوية ضمن هذه المنظومة، بوصفها الأداة الأقوى، والمنفذ الرئيس لقرار المركز الرأسمالي، لما تمتلكه من قوة إقتصادية وعسكرية واستخباراتية وتكنولوجية…الخ.

داخل الإدارة الأمريكية وأصحاب القرار، هناك صراع بين إجتهادين، تعبيراً عن صراع داخل المركز الرأسمالي ذاته :

إجتهاد مجموعة الإنكفاء التي تبنت إستراتجية الحروب الناعمة واستراتيجية الإحتواء للدول المعارضة والقوى المعارضة لسياسة المركز الرأسمالي العالمي، أي إثارة الحروب بين الدول من أجل إحتوائها، وإثارة الحروب الداخلية بين أبناء الشعب الواحد والوطن الواحد، لتصل إلى مبتغاها دون إراقة قطرة دم جندي أمريكي ودون تحمل عبء هذه الحروب بشكلٍ مباشر.

إجتهاد مجموعة الصقور القائم على التدخل المباشر وبقوة السلاح في تلك الدول التي تعارض قرارات المركز الرأسمالي العالمي المعروفة بتوافقات واشنطن، التي تسعى في الجوهر للهيمنة على ثروات ومقدرات الشعوب، وإخضاع الدول للقرار المباشر لهذا المركز، ووضع أسواقها تحت سيطرة وهيمنة قوى المركز الرأسمالي، على حساب ثروات المجتمع بشكلٍ عام، وعلى حساب الشرائح الكادحة والمنتجة بشكلٍ خاص، كما يتضح ذلك في حالة هذه الشرائح في دول المركز الرأسمالي ذاته، وما تعانيه من فقر وبطالة وجوع.

وأفضل تظهير لهذين الاجتهادين، هو استعراض مواقف مراكز الأبحاث الاستراتيجية هذه الأيام كما ورد في تلخيص مركز الدراسات الاستراتيجية العربية الأمريكية، في عددها الأخير:

“اعتبرت مؤسسة راند أن تردد الولايات المتحدة والدول الغربية باتخاذ قرار للتدخل العسكري في كل من سورية والعراق ساهم مباشرة في الانتصارات الميدانية لتنظيم “داعش.. ووفر المناخ الملائم لسيطرته على اراضٍ شاسعة في الشرق من سورية وغرب العراق.. وتوسيع الفجوة الطائفية بين السنة والشيعة في عموم المنطقة.” وأضاف التقرير أن ارتدادات الجولة الحالية أوصل صداها إلى لبنان.. والأردن.. والسعودية ودول الخليج العربي وقلق الاخيرة من اضطرابات محتملة من مواطنيها الشيعة..”

          وحذرت المؤسسة من “استمرار موجة تسليح المعارضة السورية، إذ إن الخيار العسكري ليس الحل المنشود، ملفتا نظر المؤسسة الحاكمة الاميركية إلى أن “الحل قد يكمن في مفاوضات تسوية تضم التفاوض مع الرئيس السوري بشار الاسد.. مهما بدا ذلك غير مستساغ للغرب” خاصة وأن الازمة السورية “باتت تمثل خطراً جادا لاستقرار كل من لبنان والأردن وتركيا ومنطقة الخليج العربي، إلى جانب مصالح الغرب النفطية” في عموم المنطقة.

          رحب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بفحوى خطاب الرئيس اوباما حول العراق “وقراره بإرسال نحو 300 عنصر كمستشارين عسكريين.. إذ من شأن ذلك أن يضمن تواجداً أميركياً ملموساً إلى جانب التواجد الإيراني..” وأوضح أن القرار الأميركي “سيبقي الضغط قائماً على نوري المالكي أو من سيخلفه للتصدي للتهديدات الحقيقية من المتشددين.. فضلاً عن توفير الضمانة لكل من الحلفاء في الأردن والسعودية والإمارات بأن الولايات المتحدة لم توفر للمالكي حرية الحركة.”

          إنعكاسات الأزمة العراقية على أسواق النفط الدولية، كانت من ضمن اهتمامات مركز الدرسات الاستراتيجية والدولية، ملفتا النظر إلى أن معظم مناطق استخراج النفط تقع خارج ساحات القتال، وبلغ معدل الانتاج الشهر الماضي “3.4 مليون برميل يوميا، استخرج نحو 75% منه من المناطق الشيعية في الجنوب،” بيد أنه حذر من “التهديدات الأمنية وأعمال التخريب ضد خطود إمدادات النفط.”

           وتطرق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى الأطراف المستفيدة من “انتصارات داعش في العراق،” محددا الرئيس السوري بشار الأسد أحد تلك القوى، “نظراً لسعيه بالتوضيح للعالم أنه يصارع جهاديين أجانب.. واحتدام الصراع في العراق يفرض ذهاب الجهاديين من سورية إلى هناك.” واختتم بالقول أن “تقدم داعش في العراق يمثل أنباءً طيبة (للرئيس) الأسد.”

          بالمقابل، رفض معهد كاتو التدخل العسكري الاميركي في العراق محذراً من أن “القصف الأميركي لمواقع داعش نيابة عن الحكومة العراقية قد لا يغير في ميزان القوى القائم في العراق.. ومن المرجح أن يدوم تدخلنا هناك لفترة طويلة، وقد يؤجل تحقيق الإصلاحات السياسية المطلوبة.

“خصص معهد كارنيغي جزءا كبيرا من اهتاماماته للنظر في “السبل والتدابير التي من شأنها إلحاق الهزيمة بداعش وحلفائها.. وضرورة تسليط الأضواء على ممارساته القبيحة والمذمومة بجز جماعي للاعناق وصلب الضحايا وسياسته الثابتة في ابتزاز” المواطنين. وعليه، ناشد المعهد “الأطراف العراقية والإيرانية او الأميركية ببلورة صيغة مواجهة تأخذ في الحسبان استغلال الانقسامات والتناقضات داخل التنظيم والتحالف الذي أنشأه.” وحث المعهد السلطات العراقية على تطبيق اللامركزية “ونقل جزءٍ كبير من السلطات (الإدارية) من بغداد إلى المحافظات” الاخرى.

          معهد كارنيغي بدوره أصدر دراسة مطولة حول العراق تناول فيها الظروف والتطورات التي أدت إلى انفجار الصراع مجددا، مذكراً أن “عدداً كبيراً من قادة السنة، منذ كانون الأول 2013، ضاقوا ذرعاً بممارسات التنظيم الجهادي (داعش) في مناطقهم.. وأبدوا دعمهم علناً للحملة العسكرية التي شنتها الحكومة المركزية في العراق ضد قواعد التنظيم.” واتهم نوري المالكي بتبديد الفرصة “للعمل مع هؤلاء من قادة العشائر ورجال الدين لمكافحة الإرهاب.”

          وحذر المعهد من تبسيط الوسائل الإعلامية كافة في توصيف “التمرد.. واعتبارها لتنظيم الدولة الاسلامية القوة الوحيدة التي تقف خلف السيطرة على عدد من المدن التي يقطنها السنة شمال بغداد.. سيما وأن ديناميات تلك المناطق لا تزال شديدة التعقيد.. وانضم لداعش ست مجموعات أخرى على الاقل.. أدت دوراً مهما في القتال.”

          وحول المشاركة في الانتخابات الآخيرة، أوضح المعهد أن “العراقيين من السنة الراغبين بالمشاركة في العملية السياسية يشكلون الأكثرية،” محذراً أيضا من تقارب التعاون الأميركي الإيراني في العراق على ضوء التطورات الآخيرة، إذ إن “واشنطن ترتكب خطأً آخر للحصول على مساعدة إيران في محاربة تنظيم داعش.”

بخصوص الأردن انفرد معهد واشنطن من بين أقرانه في مراكز الابحاث الأخرى بالتحذير من استهداف وشيك للأردن من قبل “داعش،” بالتزامن مع تنامي قلق الدول الغربية من ارتداد وعودة المقاتلين الأجانب لبلدانهم. وأضاف أن “تمدد داعش في العراق قد عزز نواة قلق الدول الغربية وحلفائها الإقليميين من المجموعات السنية الإسلامية المتشددة.” وأردف أن الأردن “يعاني من تنامي التهديد.. يعززه تجذر قوى الجهاد السلفية (التي) أرسلت مقاتليها الى سورية ويخشى عودتهم..”

وشاطره الرأي معهد “ستراتفور” الاستخباري قائلا إن “داعش” عازمة على التمدد في الأردن “البوابة الوحيدة (المطلة على البحر) للدولة الإسلامية في العراق والشام.. بالرغم من جملة قيود وعقبات ميدانية تعترض مسارها، ” مستنداً بذلك إلى قاعدة دعم “هامة من السلفيين والجهاديين.. تمكنها من شن هجمات في الأردن متى شاءت، ” مقارنة بدول اخرى إذ “لا يستطيع الانتشار في تركيا، أو التوجه للبنان.”

ونوه المعهد إلى أن طموح “داعش” للتمركز في ميناء بحري يضاعف من أهمية ميناء العقبة بالنسبة للتنظيم، وقراره بتنفيذ ذلك مرهون بجملة عوامل منها تبيان استراتيجيته المقبلة بعد “انتصاراته في العراق.. وضرورة عدم انجراره لتأليب سنة العراق ضده الذين يتخذون من الأردن ملاذا آمنا لتحركاتهم.. “

أما بخصوص سوريا فأعرب مجلس السياسة الخارجية الاميركية عن اعتقاده بأن تردد الرئيس اوباما في التدخل المباشر هو إحدى حلقات سياساته الخاطئة “وربما أضفت مصداقية على زعم مؤيديه بأنه لا تتوفر حلول جيدة للأزمة السورية.. بعد استنفاذ وتبديد النفوذ القوي الذي كان متاحا في مرحلة بدء الصراع قبل ثلاثة أعوام.” ومضى في انتقاده لسياسات الإدارة الاميركية التي كان بامكانها “التحرك بحزم وربما إبعاد او التخفيف من حدة الكارثة الإنسانية” التي تشكلت لاحقا.

الإتحاد الروسي الطرف المقابل في البعد الدولي، أعلن موقفاً رافضاً للهجمة الإرهابية على العراق، بشكل واضح وصريح، متمثلة في هجمة داعش، ولم نقرأ له أو نسمع، أى موقف من مجمل ما يجري في العراق.

يستند الموقف الروسي في هذا الصراع إلى سياسة قائمة على:

إحترام سيادة الدول وعدم السماح بالتدخل الخارجي في شؤون الدول، وبالإرتكاز إلى مبادئ منظمة الأمم المتحدة والقوانين الدولية ذات الصلة.

إعتبار مهمة محاربة الإرهاب يجب أن تكون محل إجماع دولي، وله الأولوية، كون قوى الإرهاب قوى ظلامية متخلفة، تشكل خطراً على تطور البشرية، الإقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية، وتشكل خطراً على حقوق الإنسان الفردية والجمعية، وعلى قيم الإنسان النبيلة وعلى مستقبل الإنسان، كما لم يظهر من قبل كما ظهر في الحالة السورية والعراقية.

التصدي لنهج الهيمنة للمركز الرأسمالي العالمي، يتطلب وحدة كافة القوى المتضررة من هذا النهج، على الصعد الوطنية والدولية

في الحلقة القادمة: البعد الأقليمي

 

” كلكم للوطن والوطن لكم”