العرب أم الإسلام أولاً

عادل سمارة

 

عقب الرفيق احمد حسين على ما كتبت في “أوسلو بين الوعي الكاذب والوعي الشعبي” بما يلي:

 

تعقيب أحمد حسين

يبدو لي أن قطار التحليل قد فاتنا جميعا. الكلمة في عالم اليوم عصفور مكسور الجناحين يلفظ أنفاسه الأخيرة. الرصاصة أصبحت رسول العقل الحاضر للبشر. لا تتكلموا بالعربية حتى لا يضحك منا الدم. لقد تكلمنا أكثر من شعوب الأرض مجتمعة ولم نقل شبئا. كل شيء شتمته ألسنتنا عبدته دخائلنا. كان الصدق أكذوبتنا الكبرى لأننا كنا نتكلم من عالم لم يعد موجودا إلا في القبور. كل الذين تحدثتم عنهم ركبوا منذ اللحظة الأولى قطار الإكسبريس الصهيومريكي، من عرفات الكويتي حتى ادوارد سعيد المستشرق الأمريكي. كان الجميع يتكلمون من ابواق التاريخ التوراتي الذي يقول أن العرب ظهروا في التاريخ مع الإسلام. وكل من لديه نزاهة أو عقل للإستعمال أن العرب اختفوا من الوجود بظهور الإسلام. حشروهم كما تربد الصهيونية في ثقب مهمل من ثقوب التاربخ. حتى عروبتهم البدوية استولى عليها توراتيو الفقه الشعوبي وأخرجوهم منها إلى إسماعيل عبد ابراهبم. هذا مثل صغبر فقط على عملية تدييث الوجدان العربي لإخراجه من الذاكرة التاريخية. ألم يكن إدوارد سعيد يعرف كواحد من أرقى العقول الإستشراقية في العصر الحاضر، أن الحضارة الإنسانية ولدت على يد الحضارات العربية التي نشات في العراق وسوريا. فلماذا فصلوا الجزيرة العربية عن امتداداتها الحضرية في العراق والشام ؟ البابليون والآشوريين والكلدانيون والكنعانيون والآرامبون والفينيقبون كلهم خرجوا من رحم الصحراء العربية واستوطنوا ضفاف الأنهار في العراق والشام. وقطع ما بينهم وبين امتدانهم العربي، ليستطيع التوراتيون من مؤرخي وأكاديميي الغرب أن يقولوا فيما بعد أن العرب لم يكونوا في التاريخ غبر ظهور الإسلام. وهذه هي كذبة التاريخ الكبري، التي أرادت أن تقول أن العرب لم يظهروا في التاربخ إلا مع ظهور الإسلام، أي بعد قيام الوعد الإلهي بأعطاء فلسطين لليهود، وأن الشعب الفلسطيني لم يكن موجودا آنذاك وأنه دخل فلسطين بعد القتوحات الإسلامية فقط. هذه السخافة المضحكة تحولت إلى بند تاربخي أكاديمي على مستوى العالم رغما عن العقل ,اخذت مكانة التاربخ ومكانة الأسطورة ؟ وكان إدوارد سعبد ممتثلا استشراقيا لهذه الأسطورة وهو يعلم ذلك لأنه استدخل الولاء الأكاديمي الغربي لها. حتى التاريخ التوراتي بعترف بوجود الكنعانببن كشعب في فلسطين ولكنه بقول أنه لم بكن شعبا عربيا لأن العرب لم يكونوا موجودين وقتها، وأنما شعبا غير يهودي بتكلم لغة ما قريبة من لغتهم، وبعد أن طرحت موضوع الكنعانية قبل عشرات السنين، قام بعض اليهود بالزعم أن الكنعانيين هم اجداد البهود. لقد كان للكلمة دور رئيسى في التأثير على رسم خطوط الروابة البارزة للتاربخ، وكات التلاعب بهذ الرواية بتقاطع مع مصالح.

اضافة عادل سمارة

 

قلما يتنبه الكثيرون إلى هذه الأكذوبة المقصودة وهي إنكار وجود العرب قبل الإسلام. وأعتقد أن هدفها الأساس وضع حواجز هائلة أمام اي توجه عروبي، وتذويب العرب في مليار ونصف مسلم. في حين لا يتم شئ من هذا تجاه القوميات المسلمة الأخرى. وهذا الإنكار بالطبع يسحب معه العرب المسيحيين الموجودين دينيا وليس قوميا قبل الإسلام كذلك. في هذا يتورط كاتب كبير (سمير امين) في كتابه ثورة مضر فيكتب (الحضارة او الإمبراطورية الإسلامية العربية).

ملحق 1

في الرد على المفكر المتميز سمير أمين

(من كتاب عادل سمارة: ثورة مضادة إرهاصات أم ثورة، دار فضاءات عمان 2012)

رد المفكر العزيز سمير أمين على حواراتي معه كما ورد في كتابه (ثورة مصر 2011، ص 225) والذي عثرت عليه صدفة عام 2012. ما كتبته له ليست مقالة بل ست حلقات(محاورتي مع أمين في كنعان الإلكترونية الأعداد: 2344 و 2348 و 2352 , 2359 و 2366 و 2371 من عام 2010)، والتي لست أدري إن كان قرأها أم لخصها له بعض خبثاء القوم “بتصرُّف” كما ورد في كتابه ثورة مصر وقد عثرت عليه صدفة:

1- تعليق على مقال “عادل سمارة”

مع كل احترامي للزميل المناضل “عادل سمارة”، لم أجد في تعليقه ما يضيف إلى ما سبق كتابته عند معظم “القوميين” وقد قدم “سلامة” إجابة على هذه الأقوال في كتابه (الهزيمة والطبقات المهزومة)، ص 89، وهي إجابة لا تختلف عن إجابتي!

وما أخشاه هو أن الخطاب القومي بصفة عامة (أي أقوال معظم القوميين إن لم يكن جميعها فرداً فرداً) يحل قصة عروبية خرافية محل القصة الخرافية الأخرى الأوروبية التمركز، فهذه الأخيرة في تعبيراتها المتطرفة تُسقط ملاحظاتها لظواهر حقيقية خصَّت الدولة العثمانية المنحطة على ماضي العرب، و”الشرق” بصفة عامة. علماً بأن أهم ما كُتب في أوروبا لم يشارك هذه الرؤية السريعة والخاطئة. بل على العكس من ذلك، فقد ركزت دراسات علمية هامة (ولو أوروبية!!) على مجد الحضارة الإسلامية العربية في مرحلة ازدهارها الحقيقي، ولو لفترة قصيرة تلت الفتح الإسلامي، وامتدت فقط إلى أن سيطرت القبائل التركية على السلطة في بغداد، انطلاقا من القرن العاشر الميلادي، وعلماً أيضاً أن الإمبراطورية الإسلامية في عصر مجدها كانت أشبه وأقرب إلى ما كانت عليه الإمبراطورية الإسلامية في عصر مجدها، وأقرب إلى ما كانت عليه الإمبراطورية الرومانية والهلنستية السابقة، وذلك من حيث التنوع الديني واللغوي والمجتمعي، منها إلى “تصورات ” الخطاب القومي حول المرحلة، فالعروبيون يتجاهلون هذا الواقع، يكررون الخرافة”الإسلامجية” المروجة حول “العروبة الأصلية” (أخت الإسلام الأصلي). وتحول هذه القصة دون فهم أسباب التدهور السريع الذي أصاب مجد الإمبراطورية المعنية.

وربما يرجع هذا النقص في تناول واقع التاريخ إلى خوف “العروبيين” من “نقد الدين” (هنا الإسلام)، لأنه يمثل “عنصراً أصيلاً هو الآخر” على نقيض ما فعله الأوروبيون الذين انطلقوا من نقد الدين (هنا المسيحية) – كما أن مفكري النهضة الصينية انطلقوا من نقد ماضيهم، لا “الافتخار” به، هذا هو مصدر التباين بين النهضة الأوروبية الناجحة، والنهضة الإسلامية العربية الفاشلة!

فأرجو أن يوجّه القوميون نقدهم (وهو مرحب به) إلى ما كتبته، ولا إلى ما “نسبه” إلي العروبيون. فالقومية العربية بالنسبة إلي هي مشروع يسعى إلى إنجاز الوحدة العربية القادرة على مواجهة تحديات العصر، وليست “واقعاً موروثاً”. هذا هو التباين الحقيقي في تناولنا للمشكلة.

رد عادل سماره على سمير أمين:

· لم يغادر أمين برزخ التورط في الخطاب المركزاني الغربي. فرغم نقده للمابعديات يتورط في اجترار أطروحة أندرسون “الأمم المتخيَّلة” ليصف الأمة العربية بالخُرافة معتمداً على التقطعات في التاريخ العربي الذي لم أصفه قط بأنه متواصلٌ ولم أُلامسه بمفاخرة! ولأنه مأخوذ بالمركزانية الأوروبية رأى أن وجود دولة عربية 3-4 قرون هي فترة عابرة.

· تؤكد قراءة التاريخ أن تقطعات التاريخ العربي حتى لو كانت أطول من تواصلاته هي بعدوانات خارجية وهو ما يتهرب منه أمين بقوله: “لقد انفجرت هذه الوحدة فيما بعد إلى كيانات سياسية إقليمية ثابتة نسبياً لم تجر إعادة توحيدها إلا في ظل النير العثماني وبصورة سطحية في كل حال“(ص 14 من كتابه الأمة العربية والقومية العربية وصراع الطبقات). هل انفجرت ذاتياً أم فُجِّرت بعدوانات خارجية؟ وبين الحالتين مسافة وعي، فهل عجز أمين أم تخابث في عدم التوضيح، أليس هذا طرحاً إيديولوجياً وليس فكرياً! العثماني لم يوحد العرب بل استعمرهم وقسَّمهم إدارياً بما هو أعمق من تجزئة سايكس-بيكو. إن اعتبار العثماني محض ديناً هو إصرار من أمين على نفي العروبة لصالح الدين أي اعتبار العرب رعايا إسلام وليس أمة مُخضعة! ناهيك عن وقوعه في خطيئة أن “الإسلامجية تروج للعروبة الأصلية!” والحقيقة أن جميع أهل الدين الإسلامي السياسي “يروجون” ضد العروبة تماماً كما فعلت الستالينية والتروتسكية والإمبريالة والصهيونية والتي جميعها تُخضِّب كتابات أمين في هذا الأمر حتى لو أخفاها بمهارة لافتة! وهنا أُحيله على نقدي للدين السياسي الذي يرفض العروبة بالمطلق. وطريف هنا أن يُقدِّم الإسلام لنفي العرب، ثم ينقلب حديثاً رافضاً نضالات أي إسلام، حزب الله على سبيل المثال وهو هنا يتقاطع مع برنارد لويس وأحفاد الشيخ القتيل “يهودا الصغير”.

· أنا لا أتحدث باسم جميع القوميين وأنا عروبي، ولا باسم جميع الشيوعيين وأنا لست ذا ماضٍ موسكوفي ولا شيوعي أوروبي فرنسي مثلاً، ولكنني مع العلمانية تماماً وخاصة فيما يتعلق بالدولة والقانون والحياة الفردية والعامة.

· رغم اقتراب أمين النسبي “مؤخراً” من المشروع القومي العربي، إلا أنه ينفي وجود أمة عربية، مثلاً كالأمة الفارسية، قبل القرن العشرين. فلمن المشروع القومي الذي يتبناه اليوم إذن؟ إن الإقرار بوجود أمة أو شعب هو إقرار علمي وأخلاقي بوجود بشر. أما هل هم متطورون، عباقرة بسطاء، فهذا أمر آخر.

· هذا التعامل باستخفاف مع الأمة العربية دون غيرها من الأمم القديمة، هو تقاطع مع المركزانية اللبرالية الأوروبية عن أمم بلا تاريخ، ومع المركزانية الشيوعية الستالينية أن”الأمة العربية أمة في طور التكوين”، ومع الجناح الصهيوني من الأممية الرابعة الذي يعتبر الصهاينة أمة يهودية في فلسطين.

· يصف أمين أطروحتنا بوجود عربي قبل الإسلام وقبل المركزانية الأوروبية بأنها تعلقٌ بموروث ويزعم أنه مع مشروع قومي عربي، فيخلط بين الوجود الموضوعي تاريخياً لشعب وبين ما يسميه موروثاً (كان أجدر بأمين أن يكون دقيقاً، وهو الأكاديمي والمفكر ومستشار دول…الخ) فلا ينسب لي أنني أعتبر العروبة خطاً ممتداً وعرقا نقياً وموروثا…الخ وهنا يقع في موقف إيديولوجي). هذا دون أن يشرح لنا ما العلاقة بين المشروع القومي العربي الذي يحاول لصق نفسه به وبين العرب كأمة! وإن كانت العروبة خُرافة فما معنى المشروع القومي الذي يتبناه أمين؟ اللهم إلا إذا كان مأخوذاً بهرتسل الذي اخترع “أمة” يهودية، وهذه حافة أربأ بأمين أن يصل إليها.

· أمين يتهمني وغيري بالإسلامجية بينما هو يقلب التاريخ فيكتب: “الحضارة الإسلامية العربية” منكراً وجود عرب قبل الإسلام، أليس واضحاً هنا أنه ينكر العرب ويروج للدين، مع أنه يتفاخر، بأكثر من الضروري، بعلمانيته! فهل الذين بنوا صنعاء وسد مأرب مسلمون أم يابانيون؟ ولماذا يذكر العرب طالما الإسلام هو البداية؟ ولماذا لا يسمي أمين الإمبراطورية الرومانية بأنها مسيحية مثلاً؟ بتقديمه الإسلام يغدو هو الإسلامي، على غير رغبة منه.

· يضع أمين كل القوميين في سلة واحدة كي ينكر على عروبي مثلي أنني شيوعي. وهنا أستغرب كيف يضع نفسه في موضع مُصدِر الشهادات، لا توجد يا رفيق “فاتيكان” ولا”ولاية الفقيه” في الشيوعية. وآسف للقول إنني من الشيوعيين القلائل الذين لم “ينخُّوا” بعد تفكك الاشتراكية المحققة، بينما تحللت أحزاب من ما زعمت لعقود أنه نَسَبها الشيوعي ووقف كثيرون في منطقة رمادية.

· ليس جميلاً أن يحصر أمين القومية العربية كمشروع في كتاباته وحده! وبالتأكيد ليس هو مُبدع ذلك.

· أغمض الرفيق عينيه عن أن أطروحتي الأساسية ليست الماضي قطعاً، بل توظيفه لصالح المشروع العروبي الوحدوي الاشتراكي الذي قوته الدافعة هي القومية الكامنة للطبقات الشعبية بما هي وحدوية واشتراكية. وتجاهل الدور التحرري للقومية العربية كقوة دفاع عن أمة مستهدَفة.

· ليست هذه مساحة سجال مع أطروحات أمين، بل ليس السجال معه أصلاً، ولكن اللافت أنَّ الكثير من اليسار العربي يشدد هجومه على الأمة والقومية العربية متواقتاً مع تشديد هجمات الإمبريالية والصهيونية (فترة الوحدة 1958، واليوم)! لماذا؟ هل لي أن أقول لأن هناك وشائج إيديولوجية موروثة من جهة، وإقامة اعتبار لليسار الغربي تقرُّباً وزُلفى!واسمح لي يا رفيق أن أؤكد لك، أنّني معني بعلاقة مشتبكة مع هذا اليسار الذي اصطف لجانب جيوش الغرب التي دمرت العراق ولذا أسميته “ابن السكرتيرة” الذي لا يظهر إلا ليصطف إلى جانب والده في الملمات.

ملاحظة: أطرى الزميل الكبير سمير امين في كتابه كثيرا أحد ابرز أدوات الثورة المضادة التروتسكي سلامة كيلة. لست ادري بعد انكشاف سلامة ويسار الناتو الممول من الوهابية والإمبريالية والصهيونية، هل لا يزال موقف سمير امين أميناً؟