صواريخ المقاومة والصراع على بيروت !

ثريا عاصي


مثلما أن أهل السياسة في لبنان لم يدركوا سنة 1968، بمناسبة الهجوم الإسرائيلي على مطار بيروت، أن امتناع الجيش عن التصدي لعدوان خارجي، هو بمثابة الحكم على البلاد بالتلاشي عاجلا ام آجلا، فلقد أثبتوا انهم لم يتعلموا هذا الدرس، عندما اندلعت في سنة 1989، المعارك بين الجيش من جهة والميليشيا من جهة ثانية «جورج قرم – فصل » الحكومات اللاشرعية في لبنان ـ وحرب تحرير الجنرال عون «من كتابه انفجار المشرق العربي 1956 – 2007.
يذكرني أهل السياسة في لبنان، في هذه الأيام، وهم يبحثون عن مستأجر أو «ساكن» لقصر بعبدا، بما جرى سنة 1988، بعد انتهاء فترة رئاسة أمين الجميل (1982 ـ 1988). أي بالمأزق الذي تطلب الخروج منه، فيضا من الدماء وكُوَما كبيرة من الدمار، بالإضافة إلى نقل أعضاء البرلمان جميعا، جوا إلى الطائف في بلاد الحجاز، في تشرين أول 1989 للمصادقة على «إتفاقية» إنتخبوا بموجبها، في 7 تشرين الثاني، رئيسا للجمهورية !.
لست هنا بصدد البحث في موضوع رئاسة الجمهورية في لبنان. فهذه مسألة لا تعنيني وأكاد أن أقول أنها لا تعني جميع اللبنانيين. بالإذن من المتنبي الذي يـُقال أن كراهية «ثوار»سورية والعراق له لا تقل عن كراهيتهم لأبي العلاء المعري وأبي تمام، فالرأي في بلاد الأرز بعد شجاعة الشجعان، وليس قبلها. علما أن الشجاعة في لبنان كمثل الرأي، ليست بضاعة محلية الصنع، وإنما هي مستوردة في حاويات السلاح والذخائر وحفنات الدولارات المشبعة بنفط الخليج !
من المعروف أن الجنرال عون، مرشح «وفاقي»وليس إتفاقيا (توافقيا)، كون الأول يعني ضمنيا العمل من أجل الإجتماع والمشاركة، في حين أن الثاني يوحي بوجود ذهنية لا وطنية تسعى إلى الاقتسام والمحاصصة. لقد استوقفني تصريح أدلى به الجنرال هذا الأسبوع، قال فيه أنه لا يريد سلاح حزب الله في بيروت، وان هذا الأخير لا يريده أيضا.
«سلاح حزب الله»، لازمة يكثر تردادها في أوساط أهل السياسة في لبنان، أو بالاحرى متعهدي السياسات في لبنان. لماذا لا يريد الجنرال والحزب أن يتواجد هذا «السلاح» في بيروت؟! وأين يجب أن يكون، من وجهة نظرهما ؟ ألا يتعارض هذا مع «الوفاق»، ويلامس «الإتفاق»؟
كيف نعالج هذه المسألة دون تعريف «هذا السلاح »، دون الرجوع إلى ظروف ولادته وإلى الدور الذي سمح بأدائه وإلى الغاية من استمرار تواجده ؟ من المحتمل أن يكون ما قصده الجنرال هو إخراج سلاح حزب الله من سوق السياسات اللبناني. ولكن هو يعرف والجميع يعرفون أن الحوانيت في السوق البيروتية محشوة بالسلاح. أضف إلى أنه ليس مستبعدا أن يكون في بعض المخازن سيارات مجهزة بالمواد المتفجرة.
مجمل القول أن تصريح الجنرال لا يحمل جديدا، وإنما هو صورة عن الغموض والضبابية التي تغشى على الدوام الحقيقة في بلاد الأرز عبثا بالذاكرة الوطنية الجمعية وبذاكرتنا كأفراد، عايش أغلبنا حروبا، لا معنى لها في قاموس العيش في الوطن، أثكلت أمهاتنا وشردت أبناءنا وجعلت مستقبلنا رهنا عند أصحاب الأموال ـ النفطية ووكلائهم وأوليائهم المستعمرين الغربيين!
لم يولد سلاح حزب الله نتيجة لمعجزة «إلهية»، كما يظن البعص أو كما يقولون. لقد غزا المستعمرون الإسرائيليون لبنان سنة 1982. نشأت المقاومة من المعاناة تحت الإحتلال. هل سمع اللبنانيون في بيروت بمعتقل أنصار ؟ ينبني عليه انه لا مفر من ارتجاع الأدوار والمواقف وما نتج عنها، قبل الغزو وأثناءه وبعده. إحتلال الوطن ليس حدثا عابرا يستطيع غلمان أمراء النفط طيّ صفحته أو محوه. فإذا كان سلاح حزب الله ضرورة في جنوب لبنان وفي البقاع، فانه حتما ضروري ليس في بيروت فقط وإنما في جميع أنحاء لبنان، وفي كل نقطة من ساحة المواجهة مع المستعمر الإسرائيلي. هذا الأخير يريد أن يُـلغي وجودنا. يستتبع ذلك ان السؤال المحوري هو كيف نمنع استئصالنا. هل أن سلاح حزب الله مفيد في الدفاع عن أنفسنا، هل هو كاف، هل يحب تطويره أو استبداله بسلاح أمضى؟
من المرجح أن يكون مطلب إخراج حزب الله من بيروت، رجع صدى للموقف الأميركي، الذي عاد السفير الأميركي وذكّر به حلفاءه في بيروت، هم أنفسهم الذين أولمت لهم الوزيرة الاميركية أثناء عدوان تموز 2006 : حزب الله إرهابي، لم يعترض أحد في لبنان على كلام السفير المذكور، حرصا على السيادة الوطنية والكرامة. إذا صحت هذه الفرضية نكون حيال صراع على بيروت ! أيها المقاومون نحن لا نوافق على سلوك نهجكم، ولا نتفق معكم. يا حزب الله لك منطقة الجنوب «فأذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا قاعدون».
لعل من مظاهر الصراع على بيروت، فراغ قصر بعبدا وقبله أزمة تشكيل الحكومة ! ولكن مهما يكن فمن البديهي بعيدا عن الكيدية والمماحكة، أن الصراع الجدي والحقيقي حول سلاح حزب الله، هو مع المستعمرين الإسرائيليين. فهذا السلاح أثبت، بيد المقاومين أنه ذو فعالية نسبية في تغيير قواعد الحرب اللامتكافئة. «فإنهم يألمون كما تألمون». ليس بإمكان المستعمرين أن يعتدوا، دون أن يتحملوا جزاء ما يفعلون. هذا معطى جديد على الساحة العربية أزعم بتواضع، انه أساسي في فهم أسباب الحروب في المنطقة التي سميت اعتباطا ثورات تارة، وربيعا تارة أخرى. بكلام أكثر وضوحا وصراحة، أن السلاح الذي بيد حزب الله يسمح بضرب مدن ومنشآت المستعمرين على كامل التراب الفلسطييني المحتل، رغم تفوقهم العسكري الكبير إن هم فكروا بالاعتداء علينا. لن يألوا الأخيرون جهدا في السعي إلى إبطاله، او نزعه أو تدميره؟. كما حدث في العراق. ها هم يحاولون في سوريا. وأكاد أجزم بأنه لن يهدأ لهم بال طالما أن ترسانة حزب الله تحتوي على بعض هذا السلاح. المفارقة الغريبة هو أن المستعمرين وجدوا في الجهل والفقر والحرمان، وفي أموال النفط، الوسائل التي تمكنهم من شن حرب إجرامية غير مباشرة، غايتها إغراق القضية الفلسطينية في وحل العصبية القبلية والمذهبية وإغراق صواريخ المقاومة معها!

:::::

“الديار”