كيف تعيد المجموعات الانسانية والشعوب تأهيل نفسها بعد الحروب ؟

سوريا نموذجا

 كلاديس مطر

من أولويات الامور أن يعيد الشعب السوري تأهيل نفسه من أجل العودة الى الحياة، بعد أن فتحت هذه الأزمة المهولة جروح الذاكرة بالنسبة لكل ما له علاقة بأي حرب سابقة على الخط الزمني للأمة السورية، وأدمت النفوس وجعلت السلوك الانساني السوري اقرب لرد الفعل وليس الى التفكير التحليلي الواعي. ساهم في هذه ” الرضة ” الكبرى ليس فقط الحرب المتواصلة منذ ثلاث سنوات على سوريا وإنما أيضا وسائل الاعلام التي لم تتوقف لحظة عن عرض الأحدث والصور الاكثر إيلاما على الشاشات محرضة بذلك كل ما لدى الفرد السوري من مشاعر قديمة وذكريات ظن أنها تلاشت مع مرور الزمن.

قد تبدو إعادة التأهيل أمراً شبه مستحيل في بيئة مازالت تغلي بكل مكونات الازمة : تفجيرات، وسائل اعلام يهمها أن تنافس في مجال الخبر الاكثر أثرا في المتلقي والصورة الاكثر هزاً للوجدان مهما كلف الثمن، وشعارات عقائدية تشبه أوامر التنويم المغناطيسي التي دخلت في العقول اللاواعية لفئات عمرية من الشعب تقع بين الثانية عشر والسادسة عشر وربما حتى اقل من هذا.

مع ذلك إعادة تأهيل الشعوب ليست لعبة من ألعاب المستحيل وإنما هي أمر يمكن الانطلاق به لنحصد نتائج جيدة.

في واحدة من خطاباته النارية، صرخ أبراهام لنكولن “أنا أؤمن بقوة بالشعب. طالما نضع بين يديه الحقيقة كاملة غير منقوصة، فإنه يمكننا الاعتماد عليه في مواجهة أعتى الأزمات القومية والوطنية. كل ما هو مطلوب في المواجهة هو أن نقدم له الحقائق كما هي بدقة.)

الحق، لا تندرج عبارة لنكولن ضمن قائمة الكلمات والجمل العاطفية المسطحة التي اعتدنا سماعها في تصريحات الصقور الأمريكيين المعاصرين حين يتحدثون لشعبهم عن الإرهاب ومحاربته وهم يغذونه في الواقع، كما انها ليست عبارة فالتة مقتطعه من كتاب ديني أو نص روحي قديم، ولا حتى لغزاً أو تعويذة سحرية مدفونة في التراب، وهي أيضا ليست (لعبة كلمات) تذرى في عيون الشعوب التي أفلستها الحروب والمناظرات الفضائية وأنهكتها الصراعات ووجهات النظر. إن عبارة لنكولن، بالعمق، هي أساس كل ترسانة فعلية لمطلق أمة تريد أن تحصن نفسها بشعبها أولا!

والملفت انه بعد مائة وخمسون عاماً تقريباً على هذا الرأي، كل ما تفعله الإدارات الأمريكية المتعاقبة هو مخالفة كاملة لهذا القانون وكذلك فعلت اغلب الادارات السياسية في العالم ومن بينها طبعا العربية.

بكل بساطة، إن اعادة تأهيل الشعوب تتم حصرا وأولا عن طريق مصارحته في الحقيقة ولفترة طويلة لكي تشفى وتعيد ثقتها بوطنها. إن الشعوب التي تقف الى جانب الوطن خلال الازمات هي شعوب تستحق ان تكون القناة بينها وبين قيادتها مفتوحة وصريحة وواضحة. إن هذا من شأنه ان يعيد وبقوة الثقة بالوطن ومستقبله ويزيد من طاقة الدفاع عنه لدى أفراده، والقيادة الذكية، أيا كانت هذه القيادة، هي التي ” تعقد جلسات مصارحة و استشارة ” بينها وبين شعبها من دون توقف حول القضايا المصيرية والسيادية.

الواقع، إن تحقق هذا الامر فإنه لايعيد تأهيل الشعب فقط وانما يرفع ” من المزاج العام ” وبقوة للوطن كله. وهذا الارتفاع في المزاح العام ينعكس ايضا وبقوة على زيادة الدخل والانتاج حيث يجد كل فرد مهما كان انتماؤه الطائفي او العرقي إن مصلحته تكمن تحديدا في ” ازدهار ” الوطن لان هذا ينعكس عليه وعلى معيشته بشكل مباشر، وهنا تحديدا تجعل ” البحبوحة الاقتصادية” الانتماء الطائفي يأتي بعد الانتماء للارض والوطن، وهنا تحديدا تنتعش المواطنة وتتنفس من جديد. لكن كل هذا لن يأتي من دون برامج منفذة بدقة وشفافية.

الحقيقة التي تقال

فيما مضى كان الرجال، حتى الأكثر تيهاً، يغامرون بالتفوه بها حتى ولو كانت رقابهم تحت تهديد المقصلة. مع ذلك فأن البشرية لم تبنى كلها فوق منصة الحقيقة وإنما فوق ركام الاكاذيب والاوهام ايضا ولهذا فان الطريق الذي تسلكه مازال يشهد انحدارا قويا. فالاكاذيب التاريخية القديمة كانت بحاجة لاكاذيب لاحقة للتستر عليها وهكذا دواليك ضمن سلسلة هبوط تدريجي راسخ وذلك بغض النظر عن اي تقدم تكنولوجي وصلت اليه البشرية طالما أن شريعة الغاب هي المسيطرة على عقول القيادات الغربية التي تنتهج سيساسة العدائية المستترة و الكذب المملح بالابتسامات والمساعدات والحديث عن ديمقراطية لايمكن تحقيقها عن طريق الخناجر المخبأة وراء الظهور و الابتسامات المزيفة و هذه التصريحات المنافقة التي تدعي الخوف على شعوب الشرق الاوسط وخصوصا الشعوب العربية. نعم، لم تعرف البشرية فجرا طاهرا وكان في أغلبه نهر دم جار بسبب جدل العقائد والأفكار، غير أن الحقيقة كانت تقال دائما مع ذلك لأنه لم يكن هناك وسيلة أخرى غير التفوه بها! والمشاهد كثيرة في التاريخ عن رجال و نساء سيقوا إلى حتفهم لأنهم تجرأوا وأعلنوها.

اليوم لكل منا حقيقة يريد أن يعلنها ويسوق براهين الدنيا والآخرة لكي يثبت مصداقيتها! فالمقاومة عندنا هي إرهاب عندهم، وأطفالنا هم أقل شأنا من أطفال بني التوراة، وأحلامنا ليست إلا عصي في دواليب الحلم الأمريكي الطويل الذي لا نهاية له، ونسبيتنا الثقافية معيق أمام ركب العولمة المنطلق، وعاداتنا وقيمنا حجر عثرة في وجه حقوق الإنسان، ونفطنا جوهرة بين أيدي أغبياء من أمثالنا لا يعرفون كيف يحتفظون به.

مع ذلك نحن كشعب سوري علينا أن نفهم التالي :

– إن العوامل الاعتباطية ( arbitrary factors ) [1] التي دخلت على المجتمع خلال السنوات الاخيرة من عمر الأزمة، وفي كل مرة يدخل عامل اعتباطي الى قيم ومثاليات اية مجموعة إنسانية أو شعب، فان المزاج العام لهذه المجموعة ( يتضعضع) وذلك لان المزاج العام للشعوب او المجموعات الانسانية إنما يعتمد ويتوقف، أولا) على درجة وكمية الموافقة بين أفراده عما يجب ان تكون عليه قيم هذه المجموعة اوالشعب ومثالياتها، ثانيا) على كمية الحوار والتواصل بين أفراد هذا الشعب أو المجموعة، وثالثا) على مدى فهم هذه المجموعة او الشعب بكليتها لهذه القيم وطريقة حل مشاكلها.

عندما يبرز أمر طارىء مثل الأزمة السورية مثلا فإنه يَجعل من المستحيل لبعض من أفراد هذه المجموعة أو ذاك الشعب أن يتحاور أو يتواصل مع البقية أو حتى أن يعين الاسباب التي دفعته ليأخذ مثل هذا الموقف أو حتى تبريره أمام الباقي من الشعب. و المراقب لتداعيات الأزمة يعثر على مناطق اضطرابات ( ليس فقط على المستوى المادي ) قد ولدت بين قيم ومثاليات هذه المجموعة وبين العالم الخارجي ( اي الحرب وتبدياتها ). مثال على ذلك ظهور ما يسمى ( جهاد النكاح ) كعامل اعتباطي هز القيم والمثاليات المتعارف عليها للشعب السوري. وجهاد النكاح هو احد تبديات الازمة و ليس كلها وهو حالة قيمية شاذة في المجتمع تَطلب التعاطي معها – بسبب طارئية اللحظة – المزيد من استدخال العوامل الاعتباطية الاخرى وهذا أمر كبر الى حد ما الفجوة ووسع من هوة الحوار بين افراد المجموعة الواحدة. وهذا مثال واحد فقط.

تبد آخر من تبديات الازمة السورية – وهي تبديات تعد بالعشرات وربما المئات – هو الحقن الطائفي او الفرز على اساس طائفي لدى البعض لدرجة انه لم يتردد من الاعلان عن تطرفه بفخر وعلى رؤوس الاشهاد، وهذا امر كان غير مستحب او معروف على الاقل علنا في سوريا بل حتى كان من باب الوقاحة المنفرة ان تسأل احداً ما عن دينه او انتمائه الطائفي. هذا ايضا عامل اعتباطي آخر اندس بين مجموعة القيم و المثاليات التي يتفق عليها الشعب السوري وكان علاجه بإستدخال المزيد من العوامل الاعتباطية التي سمحت بها طارئية اللحظة الراهنة كما ذكرت سابقا.

تبد آخر من تبديات الأزمة هو هذا الميل لدى البعض لكي يخرج عن القانون ويعتبر نفسه كملحق بالجيش او الدولة ويتصرف من تلقاء نفسه ليفرض الامن ( كما يراه هو شخصيا ) بيده وبطرقه الخاصة خالقا حالة شاذة طفيلية نامية فوق الجسد الامني النظامي وهي ما يطلق عليها ظاهرة ( التشبيح). و التشبيح هنا عامل اعتباطي استدخل من اجل مداواة عامل اعتباطي موجود اصلا. والتشبيح قبل الأزمة السورية كان ظاهرة موجودة يعنى بها هؤلاء الشباب من الاغنياء الذين يملكون ما لا يملكه غيرهم من مال و مقتنيات ومواقع حكومية وظيفية حيث يتعالون على القانون ويسيقون الامور على هواهم من دون ان يجرؤ احد على محاسبتهم او ملاحقتهم مع ان هذه الظاهرة قد وضعت حدا لها لاحقا والى درجة كبيرة الدولة السورية نفسها. مع ذلك وبسبب طارئية الازمة السورية عادت هذه الظاهرة بشكل مختلف وإن كانت بنفس المضمون: اي التصرف من دون مرجعية و الحجة هي مسوغات اللحظة.

 

تصور العلاج

إن الرضوض النفسية لدى افراد الشعب السوري – واسمح لنفسي بالتعميم هنا بعض الشيء- إنما شملت الجميع من دون استثناء تقريبا. وهي رضوض نفسية تأتي عادة بعد هذا النوع من الأزمات، ولقد حدثت بسبب دخول هذه العوامل الاعتباطية الى حياة الناس من دون شرح أو تبرير أو أخذ رأي، بل إن التصرف الفوري من قبل بعض أفراد هذه المجموعة نتيجة طارئية الأزمة حتى وإن كان من أجل الدفاع عن النفس قد خلقت انطباعا ولو مؤقتا بتحييد بقية الافراد وتحويلهم الى مشاهدين لوقائع هذه الازمة حيث لاحول ولاقوة لهم. وهذا أمر ليس استثنائيا في سوريا و انما هو واقع يحدث في اي مكان يقع فيه مثل هذه الازمات الكبرى الطاحنة.

مع ذلك، في سوريا وبشكل يثيرالاعجاب اخذ العديد من افراد الشعب المبادرة بشكل شخصي للدفاع عن الوطن والوقوف في وجه هذه العوامل الاعتباطية التي اخلت بمجموعة القيم والمثاليات التي يتفق عليها الشعب السوري. كان هناك مبادرات شخصية فردية وطنية ( لا تشبيحية ) ومبادرات وطنية جماعية رافدة لحركة الجيش الوطني في الداخل وللدبلوماسية السورية في الخارج، كما كان هناك وعي فطري جماعي بما يجب القيام به للتصدي. مع ذلك الآثار الرضية مازالت ماثلة في النفوس بشكل واضح سببها من دون شك هذا السؤال البسيط الذي كثرت الاجابات عليه من دون توكيد على أي منها :

لماذا حدث كل ما حدث ؟ من هو المسؤول عن كل هذه الأزمة؟ أين وقع التقصير؟ هل هو في الفساد المستشري؟ هل هو في عدم الانتباه الى مدن المحيط وإهمال الارياف ؟ هل هو تخطيط غربي امبريالي بحت ليس له علاقة بأي عامل داخلي؟ ما هي نسبة مسؤوليتنا عما حصل ؟ هل أهملت مؤسسات الدولة المدنية وتم التركيز على المؤسات الدينية ومسيرتها ؟ هل السبب في اقتصاد السوق الجماعي الذي استبدلت به الحكومة الى درجة ما الاقتصاد المخطط ؟ هل السبب رئاسي بحت، له علاقة بشخص السيد الرئيس ؟ أم هناك سبب آخر يتعلق في طبيعة السيستام الاقليمي والدولي حيث الارهاب ( يكمن تحديدا) في نظام القطب الواحد واستعمار الدول اقتصاديا وفكريا، وأن ما يحدث الان من ربيع وثورات دموية هو تآكل هذا السيستام لذاته وارتداده الى قواعده التي انطلق منها بالذات؟ هل هو التقسيم، تقسيم خريطة المنطقة وتوزيع خطوط الغاز والنفط فيها بحسب رؤية جيوسياسية جديدة ؟

اسئلة كثيرة تفور في عقل السوري من دون جواب او بالاحرى من دون دواء محدد لان الدواء يكمن في الجواب الصحيح والواقعي، مهما كان هذا الجواب. فالمواطن السوري لكي يشفى عليه أن يعرف السبب اولا، مهما كان هذا السبب الكامن وراء هذه الأزمة وإن كان اليوم قد تم إجلاء الصورة بشكل كبير امام عينيه.

مع ذلك، إن سبب الأزمة لم يخلق بذاته أو من تلقاء نفسه كما هو حال اي شيء في هذا الكون. فالارهاب ليس ظرفا او حالة و انما هو أفراد محددين يخلقوه وينفذوه ويمارسوه عن سابق تصور وتصميم. وهؤلاء الذين يفرضون ارادتهم في ساحات المعارك على الآخرين بقوة القتل المباشر هم على الاغلب لا يملكون عقيدة بقائية صحية وإنما هم أدوات بيد ارهابيين بربطات عنق وبذات ومواقع رسمية إقليمية ودولية أدخلوا بشكل منظم وتكتيكي هذه العوامل الاعتباطية الى المجتمع. لقد قدم الاعلام السوري والبعض القليل من الاعلام العربي والغربي بعض من اعترافات القتلة والارهابيين الذين حرقوا الاخضر واليابس في سوريا حيث تحدثوا عمن مولهم وعمن قدم لهم الدعم وما هي اسباب وجودهم – البعض قال انه اعتقد انه يحارب في غزة فلسطين و لم يعرف انه في سوريا – كما رأينا العديد من المشاهد المروعة التي قدمت فعلا اجوبة مؤلمة ولكن قاطعة الى حد ما عن بعض الاسباب التي تقف وراء ما يحدث. مع ذلك فالأداة ( اي الارهابي المقاتل على الارض ) ليس في وارد ان يدرك الغاية الكبرى والاخيرة من المهمة التي يقوم بها فهو أداة تُشحن ليس إلا ثم ُتترك – مثل الالعاب التي تدار بالزنبرك – لكي تتحرك بطريقة معينة. ولقد رأينا في بداية الازمة السورية كيف تم شحن هذه الأدوات عن طريق المال والمخدرات والنساء على الارض وفي الجنة والفكر المتشدد المدعوم من نصوص مجتزأة دينية من هنا وهناك.

لكن كل هذا ربما لايكفي لكي يتماثل الشعب المتعطش للحقيقة الى الشفاء. اذا لا بد من برنامج يعد عن سابق تصور وتصميم، برنامج يمكن ان يشمل التالي :

1-   ان يفهم الشعب انه في الازمات وبسبب طبيعة الامور التي تكون في حالة فوضى وارباك يمكن للمسؤول ان يأخذ قرارات سريعة من دون أن يسمح عامل الوقت بشيء من رفاهية تبريرها او شرحها، ولكن عليه ان يفعل ذلك أمام الشعب لاحقا في أول و أقرب فرصة تتاح له.

إن الشعوب التي تتقدم على كل الأصعدة والتي لا تنقرض حضارتها هي الشعوب التي تعيش هي وحكامها في الضوء الساطع للحقائق بعيدا عن الاسرار والخبايا والماورائيات والتنظيرات وهناك الكثير من الحضارات الكبرى التي اندثرت بسبب عدم صمود قيمها ومثالياتها في الحروب والازمات الكبرى، ولانه لم يكن هناك أحد معني بالتواصل معها او تبرير ما حصل.

2-   حين يقوم المسؤول المكلف بشرح القرارات التي اتخدت خلال الازمة، لا يجب عليه بأي شكل كان حماية العقيدة الدينية أو الشعبية إذا كانت متورطة في الأزمة. فالمعطيات لا يمكن ان تُقنع أو تُدارى عن الشعب الا اذا كانت حالة الطوارىء ( الحرب) مازالت قائمة وتبيانها يمكن ان يهدد الحل والسير به الان وفي هذه اللحظة. لكن ما إن تبدأ الامور بأخذ مكانها الطبيعي على الدولة ان تباشر في عملية الكشف الكامل عن المعطيات و عدم المسايرة بأي شكل كان منعا لتكرار نفس الاخطاء في المستقبل.

3-   إعادة تأهيل الاهداف التي يؤمن بها الشعب و يسعى اليها وإعادة تعريفها مرة اخرى على مستوى شعبي عام. إن الغاية القصوى للمجموعات الإنسانية هي البقاء. نعم، تحرير فلسطين هو هدف ولا يجب ان يتغير و لكن هناك اهداف صغيرة شخصية تتعلق بكل مواطن وتحقيقها أيضا باهمية تحرير فلسطين. إن الأهداف القومية والسياسية هي ليست الاهداف اليومية الحياتية الوحيدة التي تبقي المواطن على قيد الحياة. إن هذا شعار وهمي ليس له علاقة بالواقع. لهذا على الدولة ان تحقق الاهداف الصغيرة الحياتية للمواطن بشكل تتناغم وتتناسب و تصب في مجرى الاهداف الوطنية الكبرى. إن العمل وحق العمل هي من الاهداف اليومية التي يعد تأمينها بمثابة الترسانة الحامية للوطن.

4-   إن روحانية اي شعب وقوته تكمن في أفكار أفراد هذا الشعب وفي قيمهم و مثلهم العليا مهما كان انتماؤهم الإنثني. اذا فلتترك الدولة كل هذا الغنى لكي يخرج من مكمنه وأن يعبر عن ذاته. إن سوريا الوطن تضم العديد من الاثنيات الجميلة العريقة والتي تشكل غنى فريدا من نوعه لسوريا. إن التعبير عن هذه الاختلافات الثقافية الرفيعة يعتبر أمرا حيويا جدا بالنسبة لاستقرار الوطن وإعادة الشفاء. تخيلوا فقط حجم الغنى الكبير المتاح للشعب السوري حين تترك كل مجموعة إثنية للتعبير عن ذاتها بأريحية وعلى أرضية سورية وطنية مشتركة ! إن الثقافة هي روح المجتمع، فلندع مجتمعنا اذا يتنفس كل ثقافاته.

5-   علينا أن نفهم أن كل عامل اعتباطي يُستدخل الى المجتمع إنما هو بطبيعته، كعامل اعتباطي، يعتبر كلياني ( authoritarian ) أو تسلطي. فاذا على سبيل المثال توقف التواصل بين افراد الشعب او بين أفراد الجموعة الانسانية الواحد فذلك لأن هناك أحد ما يعتقد او يرى بوجوب توقف التواصل والألفة والموافقة بين أفراد هذه المجموعة. ووجهة النظر هذه هي عامل اعتباطي استدخل الى واقع كان في الاصل طبيعيا. إن ” قاطع الروؤس ” على سبيل المثال غير قادر على تسويق ” فكره “. قد يفعل هذا لفترة قصيرة وبشكل إرغامي ولكن ليس الى فترة طويلة وذلك لان هذا الفكر هو غير بقائي بالمطلق ولا يتناسب مع أي من قوانين الطبيعة. لربما أمكن هذا ” الرجل” أن يقنع نفسه لفترة قصيرة بصوابية ودواعي ما يفعل و لكن عاجلا و بسرعة سوف يلقى نفس المصير بسبب طبيعة وآلية هذا النوع من الافكار الارهابية التي تميل الى تفجير نفسها والارتداد الى ذاتها تماما كعملية انهيار البرجين في 11 ايلول في نيويورك حيث دمر السيستام العالمي نفسه بأدواته بالذات.

6-    على الشعب أن يتقن تمييز المتسلط الكلياني مهما كان دوره في المجتمع وموقعه من الامور التالية:

– من كمية الاوامر التي يصدرها من دون داع او مبرر حقيقي ( لننتبه الى أوامر داعش في الرقة و المناطق التي سيطروا عليها ).

– من تركيزه على مراكمة الاسلحة للقتال واستجلابها من دون ان يعير اهتمامه الى أي ناحية من نواحي الحياة الاخرى الاجتماعية أو الروحية أو الثقافية كما هي الحال في طموحات الجماعات المسلحة التي تقاتل ولا تطلب الا تأمين المزيد من السلاح والمال مستبيحة كل مكان تدخل اليه.

– من رفضه الى اي دعودة الى الحوار او التواصل او العودة عن الخطأ. حجته ” أمثلة ” في جعبته – بعضها محضر والآخر مختلق – يرد بها شارحا كمية الحقد والكره التي أجبرته على ذلك.

– من تغييره للحقائق والوقائع لكي يجعلها تبدو أكثر انفصالية ودرامية ومن تبديله في الأحداث والأفعال التي يقوم بها كي تبدو مبررة ومنطقية وعادلة.

هناك الكثير من مواصفات الكلياني المتسلط واعتقد ان القارىء يتذكر وهو يقرأ هذا المقال أمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى عن مواصفات هذا النوع من الناس الذي كشف القناع عن ” قدراته النائمة ” خلال الازمة السورية.

نعم يستطيع الاستعمار ان يدمر الشعوب والاوطان ولكن انهيارها وزوالها لايكون بسبب الاستعمار أو أي عامل خارجي مهما تكالبت قوى العالم عليها وانما بسبب تخلي شعوبها عن قرار الابقاء عليها. إن الحضارات تعيش بسبب استجابتها الجيدة للتحديات، أي استجابة شعوبها لكل ما من شأنه ان يهدد كيان هذه الحضارة. إن هذه الاستجابة يمكن ان تبقى في حالتها المثلى اذا لم تصب الشعوب عوارض الانهيار الاخلاقي والقيمي وهذه واحدة من الاشياء التي يعرفها عدونا بشكل جيد جدا : تدمير البنية الاخلاقية والقيمية للمجتمع وتشويه الجسم الديني والثقافي للأمة و استدخال بدائل اخلاقية جديدة تُسرع في عملية الانهيار. اذا فلنبقى محصنين بقيمنا الاخلاقية ومثالياتنا وهذه ترسانتنا.

 


[1] تعريف العامل الاعتباطي : هو الأمر المستدخل الى حياة شعب من الشعوب، قصدا او من غير قصد، فيخل بنيته ويضعضع قيمه و يربك قوانينه الاجتماعية و الثقافية وهو بذلك يؤثر سلبا على القدرة العقلية لهذه الشعوب وقدرتها على المحاكمة الصحيحة. كل هذا من شأنه أن يؤدي الى سقوط هذا الشعب. إن العامل الاعتباطي يجر المزيد من العوامل الاعتباطية بقصد التصدي له وهذا يدخل المجتمع في سلسلة تنازلية سريعة. وفي المثال السوري لربما يصعب بعض الشيىء تحديد النقطة التي ظهر فيها اول عامل اعتباطي بسبب تعدديتها وتنوعها وسرعتها في آن.