” أحداث العراق في سياق استراتيجية الإحتواء”

الحلقة الثانية

المبادرة الوطنية الأردنية

25/6/2014

في هذه الحلقة يتم التطرق للبعد الإقليمي في إحداث العراق، خاصة دور القوى الإقليمية الوازنة التابعة، في إستراتجية المركز الرأسمالي العالمي القائم على الإحتواء متعدد الأطراف، من خلال  أدوات متعددة وأساليب مختلفة، منها ما هو ظاهر وواضح ومنها ما هو معقد وخفي.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية، وحلفاءها واتباعها، قد أعادة الإعتبار إلى إستراتيجية الإحتواء متعدد الأطراف، بعدما تيقنت من فشل إنفاذ مخطط ” مشروع الشرق الأوسط الجديد /الكبير” على أبواب دمشق اليوم ، وفشل تابعها الكيان الصهيوني قبل ذلك على أبواب الجنوب اللبناني عام 2006 ، أي فشله في إنفاذ هذا المخطط نتيجة صمود محور المقاومة والممانعة والمدعوم بقوة من روسيا الإتحادية، ومن خلفها محور بريكس بتفاوت.

 سيتم  التطرق للبعد الثاني في هذا الصراع، البعد الإقليمي، في هذه الحلقة بعدما تم التطرق إلى البعد الدولي في الحلقة الأولى.

البعد الإقليمي:

من هي القوى الإقليمية المنغمسة في  الصراع الدائر على الأرض العراقية ؟ وما هي أوزانها؟ وكيف يصنف دورها.

لا بد من تصنيف القوى الأقليمية إلى:

1.    قوى إقليمية تابعة ووازنة – تركيا السعودية والكيان الصهيوني – في المحصلة هي ليست صاحبة القرار بل هي منفذة للقرار، ومرجعية قرارها هوالمركز الرأسمالي، وتفاوت مواقفها ما هو إلاّ تعبير عن تفاوت مواقف وإجتهادات مراكز قوى  في المركز تم التطرق إليها في الحلقة السابقة.

قوى إقليمية تابعة ولكنها غير وازنة – قطر الأردن، ولبنان الرسمي –

2.    قوى إقليمية مستقلة ووازنة – إيران وسوريا ولبنان الوطني المقاوم –

3.    قوى أقليمية وازنة مرتبكة – مصر الجزائر – لم يحسب لها حساب في هذا الصراع.

دور القوى الأقليمية الوازنة التابعة، لكل منها أحلامها الخاصة في هذا الصراع، ولكن الوظيفة الرئيسة المناطة بها في هذا الصراع تحديداً، هو كسر خط التواصل بين أطراف محور المقاومة والممانعة، من خلال تشكيل منطقة عازلة بين أيران من طرف وسوريا ولبنان من طرف أخر، وفي الوقت ذاته يخدم عرقلة مشروع خطوط الطاقة الواصلة بين أيران والعراق وسوريا، وبين العراق والأردن، نفط البصرى عبر ميناء العقبة، من خلال” دولة داعش الديموقراطية المدنية” الممتدة من حدود تركيا لحدود السعودية، ألا يفرض إختيار هذا الموقع الجغرافي لهذه الدويلة التسائل عن أهداف أخرى؟.

ما هي أحلام هذه الدول الأقليمية الوازنة التابعة؟

تركيا: صعّدت كقوة أقليمية في العقد الأخير بناء على قرار المركز الراسمالي لضرورات جيو سياسية، حيث تم ضخ روؤس أموال في السوق التركية، بعدما تم خصخصة القطاع العام وتم بيع ثروات المجتمع التركي للشركات متعدية الجنسيات، وبعدما تم وضع السوق التركي تحت هيمنة السوق الرأسمالي العالمي، حيث كلّفت تركيا، من قبل المركز، مع كل من إيطاليا واليمن بتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد بداية هذا القرن، وتحت إدارة المدير التنفيذي بندر بن سلطان وحمد بن جاسم، اللذان تم إقصائهما بعد الفشل في إنفاذ المشروع على أبواب دمشق.

تركيا لديها مجموعة من الأحلام في مجالات مختلفة في العراق وسوريا:

جغرافية في منطقة الموصل وبالتفاهم مع مجموعة التبعية في سلطة إقليم كردستان العراق، حيث تكون كركوك من حصة الأقليم مقابل الموصل من حصة تركيا وكذلك حلب في سوريا.

مائية في السيطرة على مصادر المياه والأنهار التي تنبع من أراضيها وتتوجه إلى العراق وسوريا، حيث يتم تمكين ” مجموعات التبعية المسلحة ومنها داعش للسيطرة على مجاري الأنهار والسدود في العراق وسوريا، فما فعلته هذه المجاميع من نسف السدود، وإغراق مناطق من الأنبار، ومنع المياه عن أواسط وجنوب العراق، وفي سوريا السيطرة على مواقع المياه وسد الفرات ومحطات توزيع المياه، دليل واضح على شراكة التحكم التركي مع هذه المجاميع المسلحة التابعة في المياه، كأحد أدوات الضغط والتأثير على القرار السوري والعراقي.

نفطية التحكم في نفط شمال العراق وشرق سوريا بالتعاون مع مجموعة التبعية في أقليم كردستان ومجموعة التبعية المسلحة داعش في سوريا، من خلال التحكم بالتسويق، حيث تشتري تركيا برميل النفط المسروق من آبار النفط السورية بسبعة دولارات للبرميل الواحد،وتمرر نفط شمال العراق للتصدير عبر ميناء جيهان، ضد إرادة العراق وعدم إحترام سيادته على ثرواته، لا بل ربط إقليم كردستان مع السوق “الإسرائلي” عبر ميناء جيهان التركي.

إديولوجية تمكين الأخوان المسلمين من حكم الدول العربية

 

السعودية لديها الأحلام تتركز على التحكم بمجمل القرار العربي الرسمي والشعبي: 

إديولوجية تحويل الإسلام السني إلى إسلام وهابي، ووهبنة المجتمعات السنية، عبر الثقافة والمجاميع المسلحة، حيث تحاول فرض هذه الآيدولوجيا على المجتمعات بالشراء وبالإرهاب المنظم، فبعدما أنجزت مهمة محاربة حركات التحرر الوطني العربي والعالمي، خلال القرن الماضي، حين تمكنت من شراء أحزاب ونخب عربية، وفي المقدمة منها حركة التحرر الوطني الفلسطيني فتح، التي وصلت إلى الحالة القائمة المتمثلة في السلطة، وتمييع مواقف الفصائل الأخرى، ألم تكن السعودية هي من  موّل حروب الثورات المضادة سابقاً – حرب اليمن الأولى والثانية وحرب ظفار –  والثورات المضادة حالياً، والمسماه “الربيع العربي”.

 ألم تكن السعودية هي من دعم كل الحكومات والقوى في أوروبا المناهضة للأحزاب الشيوعية في بلدانها، وخاصة في إيطاليا وفرنسا واسبانيا، ألم يكن أحد اسباب سقوط الإتحاد السوفياتي، هو إعتماد سياسة الإغراق النفطية للأسواق العالمية من قبل السعودية، والتي أدت إلى إنخفاض حاد في ثمن برميل النفط، ليصل إلى أقل من عشر دولارات، مما أدى إلى أنهيار الدولة الروسية، بعدما عجزت عن الوفاء بإلتزامتها تجاه مؤسسات الدولة والمجتمع.

حرب خلف الأسوار تخوض السعودية منذ نشؤها حرب تناقض تناحري مع حركات التحرر الوطني العربي، وهي تعتبر صراعها مع هذه القوى صراع وجود – بالنسبة لآل سعود – في الحكم، فلم تهادن ولن تهادن، ومن من القوى الوطنية التي وقعت في هذا الشرك، حصدت نتائجه سريعاً وأسرع مما تصورت، في فلسطين والعراق وسوريا تحديداً، ومن يعتقد اليوم بأنه فهلوي بما فيه الكفاية ليستخدم قوى التبعية الوهابية المسلحة وتحت العناوين المختلفة، داعش والسلفية الجهادية …الخ، فهو واهم ولم يتعض من تجاربه السابقة،  قبل وقت قليل، ألم تشجع مجموعة الحكم في السعودية الكيان الصهيوني على شن حرب دموية على المقاومة اللبنانية عام 2006، ألم تدعم مجموعات التبعية في لبنان لشن حرب إعلامية مقيته ضد المقاومة، إعلامية فقط، بسبب عجز هذه المجموعات عن المجابهه العسكرية مع قوى المقاومة اللبنانية.

اليوم ألأ تدعم مجموعة التبعية الحاكمة في السعودية مجموعات التبعية المسلحة في حربها على العراق وسوريا، لماذا ؟ أليس إستمرا ر لصراع التناقض التناحري ذاته، وفي سياق تناقضها التناحري مع محور المقاومة والممانعة القائم والمفترض تطوره إلى حركة تحرر وطني، بفعل الصراع على الأرض، حيث تدل تجارب كثيره على وصول هذه التجارب، في المحصلة النهائية، إلى شرطية ربط مهمة التحرر الوطني بمهمة التحرر الإجتماعي، وتعبيره على الأرض الحالة العراقية، التي لا طريق أمامها إلاّ الانتقال إلى هذا الربط، حيث لمسنا تجربة فاشلة لمجموعات العملية السياسية، من عدم المقدرة على الحفاظ على وحدة المجتمع وسيادة العراق الوطني، وعدم مقدرة على الحفاظ على ثروات ومقدرات العراق.

الكيان الصهيوني صاحب المصلحة الرئيس في كل ما يحدث، حيث تفكيك الدول وتفتيت المجتمعات وإضعاف الجيوش العربية، يخدم مشروع بقاءه، بعدما تيقن هذا الكيان من أن بقاءه ووجوده على هذه الأرض أصبح في دائرة الاستهداف، خاصة بعدما قدمت المقاومة اللبنانية نموذجاً حياً لهذا الاستهداف، فلم يعد يتأمل في التمدد، فإنتقل إلى الخطة ب ، خطة الحفاظ على الوجود، ومن هنا يفهم التحالف المعلن مع السعودية ودول الخليج الأخرى،شراكة حرب الوجود.

قوى التبعية غير الوازنة  قطر الأردن ولبنان الرسمي،

قطر فرض عليها تمويل كافة مخططات المركز سواء الخبيثة منها، التقرب من سوريا قبل الأحداث – قطر وتركيا الصداقة مع القيادة السورية – أو الدموية تسليح وتدريب قوى التبعية المسلحة الظلامية، ودعم منظومة الأخوان المسلمين لإستلام السلطة في كثير من الدول العربية،

الأردن فرض عليه المساهمة الفعلية استخباراتياً وتدريباً لقوى بشرية شكلت المجاميع المسلحة المقاتلة والمدمرة للدولة والمجتمع السوري، وقبل ذلك في الساحة العراقية، وفتح الحدود لإنتقال هذه المجاميع إلى سوريا.

لبنان الرسمي وجماعة الرابع عشر أذار، ساهما إعلامياً بشكل ٍ رئيس في الهجوم على سوريا، كما ساهما في تهريب السلاح إلى هذه المجاميع الهمجية، وحاولت جماعة الرابع عشر من أذار بناء حواضن لهذه المجاميع الظلامية، وخاصة في منطقة شمال لبنان.

القوى الأقليمية الوازنة المستقلة:

إيران، تعتمد قيادة إيران سياسة طويلة النفس مدروسة بدقة، تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إلى ما تريد، فالقيادة الإيرانية تريد بناء دولة وطنية منتجة مستقلة ومقتدرة، فلم يعد يخفى على أحد إنجازاتها العسكرية، وصولاً إلى غزو الفضاء، والتمكن النووي، وقفزات هائلة في العلوم، وخاصة في مجال الطب وتكنولوجيا النانو، نقطة الضعف عند النظام الإيراني عدم عدالة توزيع الثروة المنتجة بيد الكادحين والمنتجين.

سياسة الدفاع خلف الأسوار تعتمد القيادة الإيرانية سياسة الدفاع خلف الأسوار، حيث ترجمت هذا التوجه بدعم مطلق للقوى المعادية للكيان الصهيوني والقوى المقاومة لهيمنة المركز الرأسمال على قرارها الوطني السياسي، وشكلت مع سوريا وحزب الله محور ما يعرف بمحور المقاومة والممانعة، ونجحت في هذا المشروع إلى حدٍ كبير، لا بل بفعل هذا المحور ولأسباب أخرى، إستردت روسيا الأتحادية دورها العالمي، فأصبحت بذلك قوة الدعم الرئيس في العالم لمحور المقاومة والممانعة.

 مصلحة إيران في الصراع الدائر في العراق يتمثل في موقف معادي للتدخل الخارجي في العراق، بشكلية التدخل الأمريكي المباشر وغير المباشر، من خلال المجاميع المسلحة التابعة. مصلحة إيران تكمن في دعمها المباشر للقوى المناهضة للصهيونية، لأن التناقض بين إيران والكيان الصهيوني، هو تناقض تناحري أيضاً، كون هذا الكيان الصهيوني الوظيفي، يشكل هراوة في يد المركز الرأسمالي، لمنع الإستقلال الناجز لأي دولة ولأي مجتمع في منطقتنا، وهو ما استوعبته القيادةالإيرانيه منذ ثورتها.

سوريا الدولة المستهدفة والجبهة الأمامية لمحور المقاومة والممانعة، وعلى صخرة صمود الشعب والجيش العربي السوري ومؤسسات الدولة الوطنية، تصدعت هجمة المركز الرأسمالي واتباعه من مجاميع مسلحة وقوى سياسية، وعلى أثر هذا الصمود والإنتصار الإستراتجي لسوريا الوطنية، توسعت الهجمة تجاه العراق، ونتيجة ذلك توحدّت الحالة السورية مع الحالة العراقية في مجابهة المشروع ذاته الذي يستهدف الدولتين والمجتمعين، مما يستوجب توحيد مشروع المقاومة لهذه الهجمة، ووجوب وتكامل أدوات الصراع بينهما ضد هذا المخطط، وعلى كافة الصعد، الاقتصادية والسياسية والإجتماعية.

المقاومة الوطنية اللبنانية وعلى رأسها حزب الله ملاحظة هامة في البدء، لا بد منها،  يبدو أن عملية  أنتقال حزب الله من مقاومة لبنانية إلى جزء رئيس من حركة التحرر الوطني العربي حصلت بالفعل وفي الواقع في سياق سيرورة الصراع مع العدو الصهيوني، وهي عملية لها تبعاتها على مجمل قوى التحرر الوطني العربي، وعلى الجميع أخذ هذا التحول في حساباته، تحول تمثل في  قرار المشاركة الفاعلة في الدفاع عن سوريا الوطنية، والإلتحام مع حركة تحرر وطني سوري آخذه بالتبلور على نارٍ هادئة؛ بعدما سقطت في معمعان المعارك قوى الكمبرادور والتبعية التي عشعشت في مفاصل الدولة السورية، وتم التخلص من وهم الصداقة مع قطر وتركيا.

في المحصلة صاحب القرار وصاحب مشروع الشرق الأوسط الجديد/ الكبير وصاحب قرار  إستراتجية الإحتواء، هو المركز الرأسمالي، وأحلام قوى التبعية الوازنة ليس لها وزن حقيقي وقت الحساب النهائي، أما قوى التبعية غير الوازنة فالمشكلة الحقيقية وتداعيات هذه السياسات تتحملها شعوبها، وشعوبها فقط، وخاصة الشرائح الكادحة والمنتجة منها.

قوى أقليمية وازنة مصر والجزائر ولكنها غير فاعلة ومهمشة في الحسابات الكبرى،

 مثال ساطع لإنحدار مواقع قوى كانت وازنة عندما كانت تتبني مهمات التحرر الوطني، وانحدارها  إلى مواقع هامشية في الصراعات الكبرى، بعدما تخلت عن مواقعها ومهماتها الوطنية، فهي بذلك خير مثال تاريخي لسيرورة قوى وطنية من الاستقلال إلى الهامشية، نتيجة نهجها المتذبذب – صفة تطلق على البرجوازية الصغيرة – في الحكم بعد الاستقلال.

ملاحظة: الحلقة الثالثة البعد المحلي

” كلكم للوطن والوطن لكم “