العروبة صدام الاستدعاء والمواجهة

عادل سمارة

لم يعد من معنى لقراءة الوضع العربي بالقطعة. بل أية قراءة بالقطعة هي قائمة على أرضية سايكس-بيكو اي هي قطرية وطائفية ومذهبية وعشائرية. لا تقوم بها سوى الأنظمة والقوى المرتعبة من المشهد فتقرر الانسحاب إلى الداخل ليس لاستجماع قوة الهجوم بل لاتقاء ما سيأتيها لو بعد حين. إنه طبعة من استدخال الهزيمة.

 وهذا يعني بلا مواربة بأن تجاهل المشروع النهضوي العربي لم يعد ممكنا. بكلام أوضح، فإن مشروع سايكس بيكو وصل إلى نهايته حسب قراءات  مختلف أطراف الصراع على الوطن العربي وليس في الوطن العربي وحسب. ووصل بلا شك نهايته من منظور عروبي.

صراع على الوطن العربي لأن الوطن العربي هو ساحة الانقسام والتقسيم بين مختلف القوى العالمية والإقليمية والمحلية غير العروبية.  بل الوطن العربي من الضعف بمكان بحيث لا يملك من أمره ما يصد به اضعف أعدائه مما يجعل المواجهة العروبية مع مختلف التيارات المعادية للعروبة أمر حتمي في تناقض تناحري مهما كان ميزان القوى مختلاً.  نعم ليس سوى الهجوم وبالهجوم وحده تتفجر القوة الكامنة.

إن العرب هم الأمة الوحيدة المستضعفة بين الأمم في الإقليم، مع أنها أكبر هذه الأمم، بل هي حتى اضعف من الأمة الكردية التي تتقدم على حساب العرب ولا حاجة للحديث عن تركيا الناتو ولا عن نجاح إيران في إنشاء دولة إقليمية قوية.  وهذا الضعف قائم على التفتيت الداخلي للعرب على اسس دينية وطائفية ومذهبية وقبائيلة وجهوية. لكل واحدة من هذه التحوصلات المعادية للعروبة نخبة تقود جمهورا من الجهلة والمضيعين والمتخلفين وتتحالف، من موقع الأداة الخائنة،  إما مع قوى إقليمية أو مع الاستعمار مباشرة بما فيه الصهيونية.

وأطراف وقوى الصراع هي:

  • انظمة وقوى الدين السياسي: وهذه تشن حربها ضدالأمة العربية حيث غدا مشروعها تفتيت كل قطر عربي من داخله بتحالف مع واشنطن من مدخل: “جربونا”. ورغم فشل الإخوان إثر احتضان واشنطن والاتحاد الأوروبي لهم ، إلا أن هذه القوى لم تقطع ولا يمكنها ان تقطع علاقتها بواشنطن. فعلى الأقل ما هو واضح تلك العلاقة لجناحيها مع واشنطن اي عبر الدوحة والرياض. هي نفسها تقوم بذلك من جهة وتزعم أن مشروعها توحيد مليار ونصف مسلم تحت ما يسمى “أمة الإسلام” من جهة نقيضة ثانية! فهل ينطلي هذا التناقض على ذي عقل؟
  • القطرية والطائفية والمذهبية: على أرضية قوى الدين السياسي والتي احتضنتها الدولة القُطرية فقد وصلت الدولة القطرية بنفسها وبهذه المذاهب والطوائف إلى درجة من الانحصار الانفجاري بحيث قررت نخبها الانفصال كل لوحده مفرِّطاً في كل ما لا يخصه من الوطن والأمة.وهو ما باشرت به كما نرى في العراق  وفي سوريا وليبيا واليمن. وما من شك بأن هشاشة الوضع الاقتصادي وتخلف التصنيع ووجود الاحتلال (حالة العراق) سمحت بتفكيك الطبقات إلى عناصرها الطائفية المذهبية الأولية بحيث صارت الطائفية مثابة مجتمع مغلق فيه مراتب طبقية خاصة به تتبادل الحماية من أسفل لأعلى والتمويل من أعلى لأسفل في حالة من الانحطاط الاجتماعي غير المسبوق. وهو ما وفر الجنود للقيادات الطائفية.
  • التغوُّل الإمبريالي: بعد انكفاءة المشروع الأمريكي عام 2006 وصمود سوريا تجددت هجمته عبر داعش والقاعدة ومختلف انظمة وقوى الدين السياسي وانكشاف ما يسمى بعد 2011 بالربيع العربي حيث توفرت فرصة إعادة تجربة التفكيك والتذرير عبر مشروع الشرق الأوسط الجديد. وبالتالي عادت الولايات المتحدة إلى موقع من يُرجى تدحله  لتجدها فرصة لتعميق اقتتال التوابع. وهذا يطرح السؤال الذي طالما تردد كثيرون  في إثارته: تُرى هل كانت في العراق مقاومة بمستوى طرد الاحتلال؟ أم أن الأمر كان إدارة صراع مزدوج بين القيادة الإمريكية وقيادات الطوائف؟ وبأن خروج امريكا كان هزيمة مالية أكثر منها ميدانية. واذا كانت هزيمة ميدانية، فإن الانتصار كان يحمل في أحشائه هزيمة وطنية اجتماعية تجلت بما حصل في الموصل.
  • الكيان الصهيوني: في هذا الفلتان العربي الهائل تمكن الكيان الصهيوني من التغلغل السري والعلني في الوطن العربي. فلم يعد خافياً التحالف الصهيوني العربي واليهودي سواء على مستوى علاقات الإخوان المسلمين بقيادة حكام قطر بالكيان الصهيوني والذي اثمر موقف مرسي المتصالح مع الكيان ولاحقا السلفية الوهابية عبر علاقات الحكم السعودي والإماراتي بالكيان الصهيوني والذي اثمر تمسك نظام السيسي بكامب ديفيد. هذا دون ان نشير إلى تشكيل دولة صهيونية في جنوب السودان كان نظام الدين السياسي شمال السودان هو مسببها الأساس ليبقى في السلطة. بيت القصيد ان هذه الفترة هي الذهبية في تاريخ الكيان. هناك جدل لم يتوقف بين الصهاينة  جوهره كيف يمكن للكيان الاستغناء عن الحماية الأمريكية. أي هل يمكنه وصول هذه الوضعية؟ وها هي حالة الوطن العربي توفر له ذلك. (طبعا بمساهمة الكيان نفسه) هو التذابح بين كافة انواع المتخلفين العرب والمسلمين. هذا التذابح الشامل هو الذي يُغني الكيان نسبيا ومؤقتا عن الاضطرار لاستخدام اسلحة الدمار الشامل. هل هذا معنى توجه الولايات المتحدة لركيز أكثر ضد الصين؟
  • وعلى مستوى القوميات غير العربية، فقد قدم غزو داعش وبقايا مرتدي البعث العراقي لمحافظات شمال العراق فرصة ليعلن الكرد دولتهم في العراق وليكشفوا على تحالفهم العميق والعتيق مع الكيان الصهيوني عبر تصدير النفط بتواطؤ تركيا، بمعنى أن قيادة الكرد قد أعلنت الحرب على العرب نيابة عن الكيان الصهيوني وبدعمه هو وتركيا. وهذا يزيد فرص استغناء الكيان النسبي عن الحماية الأمريكية ذلك الحلم الذي يقض مضاجع شمعون بيرس حيث حلم منذ عام 1985  بتجسيده اقتصاديا عبر مشروعه للشرق الأوسط .

يتضح من هذا أن أدوات الثورة المضادة مبنية وفاعلة ومتعددة وتمارس دورها بوضوح حتى لو ظهر شكلياً انعدام التنسيق بينها او حتى التناقض الشكلي بينها.

ولكي ندخل في تحديد أدق، لنشير إلى استدعاء الاستعمار الذي اصبح إيديولوجيا علنية كنقيض للمقاومة وتحمل المسؤولية الوطنية.

طبعاً كي لا نتعصب فلسطينياً، فإن اتفاق أوسلو هو أخطر اشكال استدعاء الاستعمار لأن الكيان هو استعمار استيطاني. كما أن إجراء انتخابات تحت ظل هذا الاستعمار هو تأكيد على التصالح معه وشرعنته. وهي “الديمقراطية” التي قلدتها الحكومة الطائفية في العراق ولننظر عراق اليوم!

أخطر استدعاء للاستعمار كان من المعارضة العراقية لنظام الرئيس صدام حسين سواء جناحها الذي كان في بريطانيا أو داخل العراق. وهي معارضة طائفية بامتياز من جهة وأممية من جهة ثانية. يا للطرافة. فما الفارق بين الحكيم والصدر والمالكي من جهة وبين حميد موسى (شيوعي) ومحمد جعفر (تروتسكي)؟

ودون تفاصيل تشكلت حكومة طائفية في العراق تحمل في أحشائها قدرا هائلا من الحقد الذي لا يتوفر إلا لدى متخلفي الطوائف. وهو حقد وضعها من الغباء بمكان الاعتقاد بأبدية سلطتها. فقد وصلت بها العنجهية والثأر إلى استلام الأسير صدام حسين من المحتل الأمريكي لكي تنال “فخر”إعدامه عشية عيد الأضحى! فهل هناك توفير وقود للطائفية أكثر من هذا؟ ألم يكن بوسعهم رفض إعدامه لتعدمه دولة الدم امريكا؟ او على الأقل الزعم بأنه مات بالذبحة الصدرية؟

ربما بشكل يومي كانت قنوات الطائفة الحاكمة في العراق تلعن صدام حسين وكأنها تقول للطائفة الأخرى: إكرهونا واحقدوا علينا علماً بأن تلك الطائفة بل وكل طائفة كارهة لغيرها. بل هي تقدم للأنظمة الحاكمة باسم السنة (وخاصة السعودية وقطر وكامل خليج الريع النفطي)  فرصة التحريك الطائفي، تقدمه قصداً. من أجل ماذا؟ حبذا لو يجب على هذا أحدً اليوم؟

قوبل الحقد الأعمى بحقد أعمى اشد منه من قبل قيادات السنة ووجهائهم مدعومين بقطيع مضاد يقتل ويموت كالهوام. فرَّط الأول بالعراق من أجل السلطة ففرط الثاني بالعراق من أجل السلطة ايضا. قطعان السنة مقابل قطعان الشيعة.وقطعان الكرد مقابل قطعان العرب. والقطعان غالباً من فيالق البطالة التي في أغلب الأحيان لم تحصل عن فقر بالموارد بل عن نهب للموارد وتفريط بها للاستعمار. هذه معادلة الفساد وتعميق التخلف وتوليد البطالة ورشوة العاطلين بالريع وتعميتهم بأن كل من ليس من طائفته او عشيرته او مذهبه او حتى حارته يستحق الذبح. وليس أخطر من مقموع جاهل إذا ما أمسك بيده قطعة سلاح  او حتى سكيناً. فكيف إذا اقترنت هذه الوحشية مع مخطط الخبث الصهيو أمريكي؟

وبالنتيجة، تمزيق العراق بين هذه القطعان :شيعة، سنة، كرد. بينما تهندس واشنطن تذابح هذه القطعان المتخلفة ويكون الربح الصافي للكيان الصهيوني وإسرائيل الجديدة في كردستان وتقوية للدور التركي ضد سوريا لتجديد الهجمة عليها قبل ان تتماسك تماماً.

وبقدر ما يستدعي المالكي العدو الأمريكي مجدداً، بقدر ما يستدعي عزت الدوري عبر السعودية نفس العدو الأمريكي ناهيك عن توليد داعش من تحت إبط المخابرات الأمريكية.  وبالقدر نفسه يستدعي البرزاني الاستعمار الصهيوني نيابة عن الاستعمار الأمريكي . هل نغامر بالقول بأن المالكي والدوري جاهزان، من أجل السلطة، للتسابق مع البرزاني على استدعاء الصهيوني؟ لِمَ لا؟

اين ستقف إيران من هذا؟ هل تراجع أخطائها في السماح للمالكي بكل ذلك التغول والفساد؟ وهل كان سبب ممالئة المالكي وربعه هو فقط لأنه لم ينضم إلى أعداء الدولة السورية؟ اي ألم تكن هناك طرقا أخرى لحفظ العراق؟ أم أن العراق كان يجب ان يبقى حديقة خلفية لإيران. بمعنى انه في اسوأ الأحوال فإن حصتها الطائفية من تقسيمه هي الكبرى؟ ولكن بالطبع، فالجريمة الكبرى  هي من عرب العراق وكل العرب الرسميين والمذهبيين والطائفيين والقطريين. من كل هؤلاء الذين يعملون بوعي ومصلحة وجهل معاً في خدمة مختلف انواع أعداء الوطن العربي.

على الصعيد السوري، وفي هجمة تمزيق سوريا يستدعي اللبواني كافة انواع الاستعمار وخاصة الكيان الصهيوني  باسم “المعارضة” السورية لتقديم الجولان للكيان الصهيوني كي يوصل الكيان هذه المعارضة إلى السلطة. أية سلطة؟ لا يهم.  المهم سلطة ما على طائفة ما على مذهب ما. وما الذي يمنع اللبواني وبطانته من هذا طالما أن هناك جيوشا من الجهلة والمرتزقة تديرها شبكة مخابرات مختلف دول الثورة المضادة.

قراءة هذا المشهد بأمسه ويومه لا تدع مجالا للشك بأن القطرية والطائفية والمذهبية ليست وطنية قط. وهي لا يمكن إلا أن تكون أداة للاستعمار. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه بأن امريكا لا تزال قوية في المنطقة، وبأنها عبر القطريات والطوائف تمسك بكافة الخيوط فتقوي كلبا على آخر، أو تعيد تقوية كلب آخر على سابقه.

كم هنا وجوب التركيز على سوريا بحمايتها من جهة، وبالحرص النقدي على أن تبقى سوريا المقاومة والممانعة والعروبية. سوريا التي تطلق اللبرالية الجديدة تماماً وتقوي تماسكها الاجتماعي المافوق طائفي ومذهبي بمشروع اقتصاد تنموي متجه شرقا ولصالح الطبقات الشعبية. او على الأقل ليكون لكل طبقة اجتماعية حصنة من الاقتصاد بحجم دورها في الإنتاج وحجمها العددي.

وخارج حدودها لتكون سوريا قوة الهجوم المضاد ضد الصهيونية العربية وخاصة أنظمة الريع النفطي التي أعلنت ومارست هجمة محو القومية العربية. وعليه، لم تعد هناك من سواتر وتخفيات. وأن تكون سوريا قوة الهجوم لا يعني وحدها بل كافة القوى العربية في كل قطر عربي. القوى القومية والاشتراكية القادرة على العمل عبر ومع ومن أجل الطبقات الشعبية. (طبعا هذا يحتاج إلى تحليل و برنامج).

نقول سوريا، لأن مصر عملاق بلا سيقان، ولأن الجزائر في حالة انكفاء دفاعي.  للأسف ولكن ليس لليأس.