العقدة السوريّة

ثريا عاصي

ليس مغالاة القول أن الأزمة التي تعصف بالشرق العربي بلغت في المدة الأخيرة درجة أعلى من الغليان. كأننا في المرحلة النهائية من السباق، أو أن معالم التسوية صارت غير بعيدة. نحن حيال أوضاع يمكننا أم ننعتها بالهجوم الجديد وربما الأخير، في إطار الحرب غير المباشرة، ضد القوى العربية التي تمتلك في الراهن بالقوة، وليس بالفعل، قدرة على التصدي لمقاومة المستعمرين الإسرائيليين وأصدقائهم في الغرب، بشكل من الأشكال!
لا ننسى أن هذه الفرضية، أي توفر قوة رادعة للعدوان، تحققت سابقا، أو كادت أن تتحقق في تشرين 1973. مثلما كان مأمولا أن تتحقق قبل هذا التاريخ في فترة ظهور المقاومة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. هذه المقاومة التي ظل يخافها المستعمرون الإسرائيليون، حتى عندما «أكرشت» في بيروت. ما حمل الأخيرين على شن حرب طويلة ودامية ضدها، انتهت بإحتلال لبنان ونفي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، ومجزرتي صبرا وشاتيلا. ثم تجددت حظوظ هذه الفرضية مرة أخرى في جنوب لبنان، بسبب إحتلال المستعمرين الإسرائيليين. ظن هؤلاء في سنة 1982، أنهم أسقطوا المقاومة من حساباتهم نهائيا. ولكن مقاومة بديلة خرجت من تربة كانوا يعتقدون أنها قحلت. إقتنت هذه المقاومة أنواعا من السلاح لا يستطيع العدو الإسرائيلي، القبول بوجودها، لان مدى فعاليتها يغطي كل فلسطين، لذا هم يحاولون مشاغلة المقاومة حتى يتسنى لهم نزع هذا السلاح أو تعطيله ! فأسموا ذلك «ثورة» تلقفها «الحاكمون وواشنطن حكومتهم واللامعون.. وما شعّوا وما غربوا».
هل ينتهي الهجوم حيثما بدأ، أي في العراق ! أما أن قيام «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، ودولة الكرد، في الشمال الشرقي، هما إشارة الإنطلاق، لمرحلة التقسيم وإعادة رسم الخرائط، بعد مرحلة القتل والتشريد والتهديم المستمرة منذ سنة 2011.
عندما أعلنت الحكومة العراقية في سنة 1980 الحرب على إيران كانت الغاية هي دق أسفين بين البلدين، وإثارة العداوة القومية بين الإيرانيين من جهة والعراقيين والعرب عموما من جهة ثانية. وقفت البلاد العربية جميعها، باسم التضامن القومي العربي إلى جانب العراق، باستثناء سوريا. ووقفت معهم الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية التي تسبح في فلك هذه الأخيرة. عادت لازمة، «الفرس والصفويين»!
ما أن انتهت الحرب العراقية الإيرانية سنة1988، حتى صار البحث عن كيفية التخلص من العراق الشغل الشاغل، للأشقاء وللداعمين الغربيين. ساعدهم على ذلك قلة فطنة الرئيس صدام حسين والطغمة التي كانت تحيط به. فأكلت الحكومة العراقية الطـُعمَ الكويتي. ووقع العراق في قبضة الولايات المتحدة الأميركية، فصفق لها الأشقاء العرب شاكرين. تلاشى التضامن العربي!
لماذا «انتفض الشيعة» العراقيون في آذار 1991 ضد السلطة المركزية، في الوقت الذي كان فيه العراق، حكومة وشعبا، ينزف ويجر أذيال الهزيمة، بعد المغامرة الكويتية! لماذا اختار الشيعة هذا التاريخ ؟ من هم الذين دفعوا بهم فاندفعوا، إلى ارتكاب خطيئة لا تقل خطورة عن مغامرة الكويت ؟ هكذا استحكمت البغضاء والخلاف بين «السنة» وبين «الشيعة»، أستثني هنا الوطنيين العراقيين ! أغلب الظن أن الكراهية تعمقت أيضا بين الكرد والعرب أثناء الحرب الإيرانية العراقية، وأثناء حرب الكويت، لأن الأكراد اعتادوا على الدوام كما يبدو، على اعتبار الظروف الصعبة والحرجة التي يمر بها العراق، مناسبات ملائمة للإنفصال.
مساكين «الشيعة» في العراق. إنقلب سحرهم عليهم، كما جرى للرئيس صدام حسين بعد الحرب ضد إيران. حارب «الشيعة» السلطة العراقية إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية. لم يكونوا وحدهم ! بل كان معهم الحزب الإسلامي العراقي، أي الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى الحكومات العربية التابعة للولايات المتحدة. ها هم الآن وحيدون، يقف ضدهم الولايات المتحدة الأميركية وأتباعها، والبعثيون، وشراذم الجيش العراقي الذي أمر بحله الحاكم الأميركي فانحل ! الجميع ومن ضمنهم الولايات المتحدة الأميركية، يلقون عليهم المسؤولية عن مذهبة العراق وخرابه وتقسيمه وإفتراق الناس .
كانت البداية إذن من العراق، إرتجال السياسات كان من هناك. هذه السياسات التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه إذ تمكن الإسلاميون الوهابيون، من أن يقتطعوا جزءا كبيرا من البلاد، وإعلان دولتهم فوقه.
لماذا تراوح الأوضاع في مكانها في العراق، ويضطر رئيس الحكومة إلى الإستنجاد بالولايات المتحدة الأميركية؟! ألا يعني ذلك أن الإنقسام الحاصل، ليس جغرافيا فقط وإنما يطال أيضا أجهزة الدولة ومؤسساتها. بالتالي لا توجد على الأرجح، مؤسسات وطنية مدنية وعسكرية، فوق المذاهب والأديان، قادرة في الراهن على إعادة توحيد الناس في وطن عراقي واحد.
هذا لا يعني، طبعا أن الأمور سوف تتجمد كما هي والى الأبد. ولكن هذا موضوع آخر. ما أود الإشارة إليه هنا، هو أن الوضع في سوريا يبدو مختلفا، عن مثيله في العراق. فما تزال النواة الوطنية السورية تقاتل ببسالة دفاعا عن سوريا. من المحتمل أن يكون انشقاق العناصر الإنتهازية والمفسدة عنها قد زادها قوة وصلابة. لم تهزم هذه النواة عسكريا، بل على العكس، ان المتمذهبين والمرتزقة هم الذين يتراجعون في ميدان الصراع. لا شك في ان سوريا تشهد بموازاة العمليات العسكرية حراكا سياسيا، كانت الإنتخابات الرئاسية إحدى مظاهره. التي حملت دلالات على أن الكثيرين من السوريين الذين ضلوا الطريق، ينضمون إلى صفوف الوطنيين. بناء عليه، ليس مستبعدا أن يتمكن السوريون من المحافظة على وحدة بلادهم، بعد أن يطردوا الجماعات الإرهابية الإسلامية منها. فمن البديهي، أن الوضع العسكري دقيق ومعقد في جنوب سوريا، كون المستعمرين الإسرائيليين نجحوا كما يبدو في إقامة علاقة بينهم من جهة وبين بعض الجماعات المسلحة من جهة ثانية. يفهم ذلك من الغارات الجوية المتكررة بين الفينة والفينة على مواقع الجيش العربي السوري في جنوب البلاد. لعل هذا الوضع يشكل عائقا من العوائق التي تمنع هذا الجيش العربي السوري من التقدم في الشمال بالسرعة المطلوبة.

:::::

“الديار”