حنين وتقرير المصير

زهير أندراوس

الرجل موقف، والموقف رجل، والحياة وقف عزّ، وعند الامتحان يُكّرم المرء أوْ يُهان، مقولات مأثورة ومُعبّرة وليست كليشهات في هذا الزمن الوضيع والخسيس، الفاسد، زمن المُنكر والمكروه، الذي باتت فيه المقاومة إرهابًا، والإرهاب المُنظّم الذي تُمارسه أمريكا وربيبتها إسرائيل أصبح شعار المرحلة، المقبول بخنوعٍ من قبل السواد الأعظم من الأنظمة الرسميّة العربيّة. مُضافًا إلى ذلك، ولكي لا نمتهن العقل البشريّ من الأهميّة بمكان التشديد في هذا السياق على أنّ الشعب العربيّ الفلسطينيّ ليس حقل تجارب لقيادته من طرفي ما يُسّمى بالخط الأخضر، أوْ للأعراب الرجعيين، وبطبيعة الحال للإمبرياليين وحلفائهم الصهاينة، هذا من ناحية، أمّا من الجهة الأخرى، فإنّ ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المُهندّ. علاوة على ذلك، فإنّ الديماغوغيّة ومُخاطبة الإسرائيليين بلغةٍ تروق لهم، ومخاطبة العرب بعنتريّةٍ، لا يُمكن بأيّ حالٍ من الأحوال، إلا نعتها بمرحلة ما بعد الانتهازيّة، واستغلال مشاعر الناس، للحصول على مكاسب سياسيّة ضيّقة. ولكن ما العمل؟ في زمن العولمة والإنترنت، الذي حوّل العالم إلى قرية صغيرةٍ، لا يقدر كائنًا مًن كان على إخفاء الحقيقة، وبالتالي عندما تنكشف تمامًا مثل انبلاج الفجر، تعود ككيدٍ مرتدٍ على من يُحاول التجارة بفلسطين وبقضية فلسطين، التي نعتبرها من أنبل وأعدل القضايا على مرّ العصور.

***

يوم الخميس قبل الفائت، وتحديدًا في التاسع عشر من شهر حزيران (يونيو) الجاري، نشرت على صفحتي الخاصّة في موقع التواصل الاجتماعيّ (فيس بوك) ما يلي: “بغضّ النظر عن مواقفها السياسيّة بالنسبة لسوريّة، وبصرف الطرف عن انتمائها الحزبيّ، نرى أنّ واجبنا الوطنيّ والأخلاقيّ يُحتّم علينا الارتقاء إلى مستوى الحدث، وتوجيه رسالة حادّة كالموس إلى الإسرائيليين، قيادةً وشعبًا: هجومكم السافر والبذيء والسفيه والمسعور على النائبة حنين زعبي، هو هجوم فاشيّ لكونها عربيّة فلسطينيّة فخورة، وأبناء جلدتها في جميع أماكن تواجدهم، يقفون إلى جانبها، وتهديداتكم لن تُرعبنا ولن تُخيفنا”. انتهى الاقتباس. وبعد هذا النشر تعرّضت لعدّة معاتبات من قبل صديقاتي وأصدقائي على هذا الموقف، وعلى الرغم من ذلك، لم أقُم بشطب ما كتبته وما آمنت به، أنّه في حالة المواجهة بين أبناء شعبنا مع المؤسسة الصهيونيّة، علينا أنْ نقف سدًّا منيعًا مع بنات وأبناء جلدتنا بدون هوادة أمام محاولاتها الاستفراد بهذه القياديّة أوْ بذلك القياديّ، لأنّ التجربة علّمتنا أنّ الإعلام العبريّ، الكتيبة السابعة في جيش الاحتلال الإسرائيليّ، يعكس المزاج العام لما يُطلق عليه اسم الإجماع القوميّ الصهيونيّ، القائم على نفي الآخر، وعندما يشّن غزواته التي لا تختلف كثيرًا عن “غزوات” تنظيم داعش الإرهابيّ بامتياز، يُحاول شيطنة هذا القياديّ أوْ تلك القياديّة، وهدر دمّها، وهو يرقص على الدماء. ولكي أكون صادقًا أولاً مع نفسي، ومن ثمّ مع الآخرين، أرى من واجبي الأخلاقيّ والوطنيّ، أنْ أُشير في هذه العُجالة، إلى أننّي كتبت عدّة مقالات باللغتين العبريّة والعربيّة، دفاعًا عن النائبة زعبي، بسبب تعرّضها لهجومٍ محمومٍ من قبل المؤسسة الإسرائيليّة وأبواقها الإعلاميّة. ولكن هذا لم يشفع ليّ عند مُثقّفي البترودولار، فمن لندن، مرابط خيلنا، أطلّ علينا الأكاديميّ، نمر سلطاني، واتهمّني بأننّي أُعاني من عقدة النقص، لأننّي نشرت في (هآرتس) العبريّة أننّي سأُعلن براءتي من أمّتي العربيّة، لأنّها تتآمر على سوريّة قيادةً وشعبًا، زاعمًا أنّ النظام السوريّ يضطهد شعبه، على حدّ قوله. وهذا الزمان، وهنا المكان للتوضيح بأننّي نعم كتبت ذلك بالغة العبريّة، ولكن، ما تناساه الأكاديميّ الفّذ، وعن سبق الإصرار والترصّد، أننّي كتبت ذلك، قبل ذلك بكثير بلسان الضاد.

***

يوم السبت الفائت، استضاف برنامج (واجِه الصحافة) في القناة الثانية بالتلفزيون الإسرائيليّ النائبة زعبي، حول رفضها وصف عملية اختطاف المستوطنين الثلاثة بأنّها عملية إرهابيّة. زعبي، من التجمع الوطنيّ الديمقراطيّ، حاولت الدفاع عن موقفها، ولكنّها صعقتني وأذهلتني عندما بدأت تُداهن وتُنافق للإسرائيليين، ربّما للتخلّص من الـ”ورطة” التي أوقعت نفسها فيها. النائبة القوميّة، قالت بالحرف الواحد، مخاطبةً الصهاينة: لا يوجد فرق بين الدم الفلسطينيّ والدم الإسرائيليّ، نعم لا يوجد اختلاف، ولكن المُقارنة والمُقاربة ليس في مكانها، ذلك أنّ الشعب الفلسطينيّ يقع تحت نير الاحتلال البغيض والأطول في التاريخ من قبل الإسرائيليين، ومن وحقّه، لا بلْ من واجبه اللجوء إلى كافة أشكال النضال، بما في ذلك الكفاح المُسلّح لكنس هذا الاحتلال، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الاحتلال هو أعلى مراحل الإرهاب. المساواة بين الضحيّة والجلاد، كما قالت زعبي، هي امتهان، واحتقار وابتذال للعقل البشريّ، ومحاولة بائسة ويائسة ومفضوحة لتمرير رسائل تلقى آذانًا صاغية من قبل الإسرائيليين، ولكنّ الأخطر من ذلك، أنّ زعبي بحديثها المذكور، ما زالت تعتقد أنّ هذا الكلام، الذي أقّل ما يُمكن أن يُقال عنه إنّه التعبير الأوضح عن ازدواجية المعايير، ما زالت تنطلي على أبناء الأمّة العربيّة بشكلٍ عامٍ، والشعب الفلسطينيّ، بشكلٍ خاصٍ، وهي في ذلك على خطأ.

***

ولكن نَكْي الجُرح، أيْ قَشره ولَم يَبْرأ بعد، تجلّى في أبشع صوره، عندما واصلت زعبي التملّق للإسرائيليين، في البرنامج عينه، عندما قالت وهذه ترجمة حرفيّة، في معرض ردّها على سؤال مًقدّمة البرنامج: يوجد حقّ لليهود في هذه البلاد، وأكثر من ذلك، زادت النائبة عن التجمع الوطنيّ الديمقراطيّ: يوجد لديهم الحقّ في تقرير المصير في هذا الوطن! الحقيقة ذُهلت وصُعقت عندما سمعت هذه الأقوال في التلفزيون العبريّ، تصدر عن نائبة تنتمي لحزب يقول إنّه وطنيّ! إلى أين وصلنا؟ وحتى متى سنبقى نُداهن ولا نقول للأعور أعور بعينه، ذلك أنّ الاعتراف بحقّ اليهود في تقرير المصير في هذا الوطن، يقطع الطريق على حقّ تقرير المصير للشعب العربيّ الفلسطينيّ، ولكي لا نُتهّم بالشوشرة والمزايدة والمهاترة نقول للنائبة زعبي إنّ حقّ تقرير المصير لليهود في هذه البلاد، يعني، وبشكلٍ غيرُ قابلٍ للتأويل بأنّك تتنازلين عن الحقّ المُقدّس، هو حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم التي شًردوا منها في النكبة المشؤومة عام 1948، ذلك أنّ الصهاينة يُعلنون جهارًا ونهارًا أنّهم لن يسمحون حتى للاجئ واحد بالعودة إلى داخل ما يُطلق عليه الخط الأخضر، والمحصلّة العامّة من هذا التصريح: اعتراف كامل وعلنيّ وعلى رؤوس الأشهاد بالدولة العبريّة، كدولة تقرير المصير لليهود، والأمر الثاني هو التنازل عن حقّ العودة، الذي نصّت عليه الشرعيّة الدوليّة في قرارها حامل الرقم 191، ذلك لأنّ العودة برأيي المتواضع جدًا، أهّم من الدولة، ولا يحّق لأيّ فلسطينيّ أنْ يُعيّن نفسه ممثلاً عن اللاجئين في الداخل أوْ في الشتات.

***

ولكي نضع النقاط على الحروف نُشدّد على أنّ ما ورد في المقالة لا يعني بأيّ حالٍ من الأحوال محاولة للتشهير بالنائبة زعبي، أوْ لا سمح الله تخوينها، فهي تبقى واحدة من أبناء شعبنا العربيّ الفلسطينيّ، وتوجيه الانتقادات لها بسبب هذا الموقف أوْ ذاك، لا يُفسّر على أنّه جاء من باب الجلد الذاتيّ، أوْ الانتقاص من دور النائبة زعبي في أكثر البرلمانات عنصريّة وحقد وكراهية للناطقين بالضاد. بناءً على ما تقدّم، فإنّ حنين زعبي، مُلزمة، أنْ تتُقدّم للمصوتين، وأنا واحد منهم، شرحًا كافيًا ووافيًا عن هذه المواقف المائعة والخطيرة، والدخيلة على كلّ عربيّ في هذه الديار يتخّذ من الوطنيّة نبراسًا.