فاضل الربيعي: العراق يتعرض لمحاولة تقسيم وفصل إيران عن بلاد الشام

الوحدة الاخبارية …


حوار مع الباحث العراقي د. فاضل الربيعي
حاوره: فهيم الصوراني -اذاعة صوت روسيا

 

نص الحوار:

سؤال: أنافش مع حضرتك آخر تطورات الأوضاع المتسارعة في العراق، مع استيلاء تنظيم داعش على بعض المناطق في العراق وما يشبه الحرب المفتوحة ضد رئيس الوزراء نوري المالكي، ما الذي يحصل الآن في العراق ولماذا هذه الحرب على رئيس الوزراء السيد المالكي؟

جواب: يجب الفصل بين أمرين رئيسيين، أولهما وجود أزمة سياسية مستعصية بدأت منذ عام 2003 وحتى اليوم، وهذه الأزمة ذات طابع بنيوي تتعلق بالعملية السياسية برمتها، وهذا الأمر مختلف عما جرى منذ عشرة أيام، عندما سيطر تنظيم داعش واتجه باتجاه تكريت والفلوجة، هذا الأمر منفصل كليا عن الأزمة، فالأزمة شيء وما حدث شيء آخر.
ما حدث بالضبط هو أن الجماعات الإرهابية بدأت بتنفيذ مشروع مخطط خطير لإنشاء دولة سنية تكون عازلة بين ايران وبلاد الشام ولبنان أي حزب الله، وهذه الدويلة السنية المتشددة تمتد من شرق سوريا تضم الحسكة ودير الزور والرقة ومن ثم شمال العراق الموصل وصولا إلى الأنبار والفلوجة، لذلك إذا ما تحقق هذا الهدف فإن ايران ستتقطع أوصالها في العلاقة مع بلاد الشام ومع حزب الله، هذا الحاجز الجغرافي هو جزء من مخطط شرق أوسطي جديد يراد له أن يحقق أكثر من هدف استراتيجي، وفضلا عن عزل ايران عن بلاد الشام ولبنان أي حزب الله سيكون إنشاء مثل هذه الدويلة بداية لإعادة تقسيم العراق على أساس عرقي وطائفي وليس كما يقال بثلاث فدراليات سنية وشيعية وكردية وإنما بتسع فدراليات من بينها ما يعرف بدويلة المسيحيين في سهل نينوى، ويجب أن نلفت الانتباه إلى أن تمركز عمليات الجماعات الإرهابية في منطقة تلعفر تحديدا يشير إلى أن هذا المخطط يهدف إلى استيلاء الجماعات الإرهابية على منطقة تلعفر ليصبح كل سهل نينوى تحت سيطرتها، وبالتالي عندما ترغم على ترك هذا المربع الجغرافي سوف تتدفق هجرة مسيحية من مسيحيي الموصل سيتم تمركزها في هذا السهل طبقا لمخطط جزيف بايدن، لذلك ما يجري في الحقيقة ليس مجرد أزمة سياسية بل هو جزء من مخطط شرق أوسطي قديم وجديد لإعادة تفكيك وترتيب العراق والمنطقة برمتها.

سؤال: إذا سلمنا بهذا التحليل لما يحصل بالمقابل كيف ستتصرف ايران بناءا على هذا النحو من تطور الأوضاع في العراق؟

جواب: حتى الآن نلاحظ أن هناك مبالغة وتهويل إعلامي وضجيج مخيف مغاير للحقيقة، عندما جرى تصوير داعش بأنها منظمة اخطبوطية قادرة على أن تستولي على العراق وسوريا ومصر والكويت، وهذا بالحقيقة جزء من الخداع الذي يمارسه الغرب، فتنظيم داعش الإرهابي حتى الآن لا يستطيع التمدد خارج الموصل، وكل ما يقوم به في تكريت وتلعفر والفلوجة والأنبار هو مناوشات ومحاولات تسلل، لذلك لا تبدو بغداد بحاجة لا لمساعدة طهران ولا لمساعدة القوات الأمريكية أو الفرنسية، بغداد بتقديري يمكنها عبر الحشد العسكري والشعبي الذي قامت به مؤخرا أن تواجه الجماعات الإرهابية، ولكن هذه معركة ستكون طويلة، ولا أتوقع أن تتدخل ايران أبدا، وايران تحسب الأمور بطريقة مختلفة، هي تريد لبغداد أن تمسك بزمام المبادرة وهي قد استعادت زمام المبادرة، والآن ايران تراقب المأزق التركي، فداعش الإرهابي يتلقى دعم تركي، بينما الجماعات التي تنتسب لحزب البعث والطريقة النقشبندية هي جماعات محسوبة على السعودية.
الايرانيون سيراقبون الوضع في العراق ويتركون كلا من السعودية وتركيا تغطس في المستنقع العراقي من دون أن تتدخل، ولا أظن أن هناك حاجة للتدخل الايراني، هناك تهويل ومبالغة بقوة داعش وبقوة هذه الجماعات، وهذه الأمور بتقديري يجب أن تحيلنا إلى المثال السوري ففي سوريا منذ ثلاث سنوات وحتى اليوم المعارك متواصلة مع الجماعات الإرهابية، وما يجري في العراق هو معركة طويلة منذ سنتين أو أكثر مع هذه الجماعات ولم تتمكن من الحصول على موقع حقيقي لإقامة هذه الدويلة، وأتوقع أن تتحول الموصل للأسف الشديد في غضون سنتين أخريتين إلى حلب أخرى من حيث حجم التدمير ونوع طبيعة الاشتباكات العسكرية التي ستجري فيها، أما خارج الموصل فلن يكون الأمر أكثر من محاولات تسلل أو اشتباك أو محاولات للسيطرة المؤقتة على بعض المواقع. لا تستطيع داعش أن تسيطر على المواقع، لنتذكر أن كل مقاتليها لا يتجاوزون 8000 آلاف مقاتل، وهؤلاء إذا تمددوا على مساحة جغرافية واسعة فلن يتمكنوا من فرض سيطرتهم، بوجود حوالي مليون جندي عراقي غير الحشد الشعبي والميليشياوي.

سؤال: فيما يتعلق بالإصرار على تنحي رئيس الوزراء نوري المالكي واتهامه بالمسؤولية عن تفجر الأوضاع في العراق، برأيكم كيف سيكون مستقبله بناءا على الضغوط التي يتعرض لها العراق عموما والمالكي بشكل خاص لتقديم استقالته؟

جواب: مسألة تنحي المالكي تشبه تماما الدعوات التي كانت تصدر من المعارضة السورية وما يسمى أصدقاء سوريا مع القوى الدولية عندما استمرت ثلاث سنوات وهي تطالب الأسد بالتنحي ولكن في النهاية خرج الأسد منتصرا من المعركة ضد الجماعات الإرهابية، ولكن استخدام قضية إسقاط المالكي في الحقيقة يجري اليوم لأغراض لا علاقة لها بمسألة الفساد أو بمسألة الإقصاء والتهميش أو بمسألة الديمقراطية والديكتاتورية.
إسقاط المالكي أصبح جزءا من مشروع تركي سعودي لإعادة تفكيك وتركيب العراق سياسيا بما يضمن صعود جماعات من الاخوان المسلمين تمثل تركيا وقطر يريدون فرض أسامة النجيفي رئيسا للجمهورية باعتباره من واجهات الاخوان المسلمين، ويريدون لداعش التي تتبع عمليا لتركيا وتمولها قطر أن تشعل المناطق التي هي مناطق ثروات طبيعية ” النفط والغاز” ويراد أيضا للجماعات الموالية للسعودية أو المدعومة منها مثل جماعة عزت الدوري وجماعة النقشبندية أن تحتل موقعا في العملية السياسية، بحيث يصبح للسعودية ذراعا طويلة في العراق، ولنتذكر المملكة السعودية بالحقيقة اقترحت على ايران مقابل وقف الدعم عن هذه الجماعات أن تتمكن جماعات مؤيدة لها من الحصول على ما يعرف بالثلث المعطل في أي حكومة قادمة، أي الثلث قادر على تغيير أي موقف أو سياسة ينتهجها رئيس الوزراء نوري المالكي، فالمسألة ليست مسألة إسقاط المالكي وهذه ذريعة ومساومات سياسية، وفي النهاية ستوفر المعركة في البلاد فرصة للمالكي لكي يبرهن على أنه رجل قوي، وأنا شخصيا لا أعتقد أن هناك بين السياسيين العراقيين من يصلح بديلا عنه، ولنقلب الأسماء ونتأكد، فلا يستطيع لا أحمد الشلبي ولا الجعفري ولا سواهما أن يحل محل نوري المالكي، وهناك ازمة أخرى بتقديري على القوى السياسية أن تعالجها، فعندما جعلوا كل الأزمة في العراق في شخص رئيس الوزراء، وهذه الشخصنة هي تضليل، فالمشكلة في النظام السياسي العراقي الراهن بنيويا، فهذا النظام بالأصل هو فاسد أنشأه الأمريكيون على أسس طائفية، والمشكلة هي مشكلة النظام السياسي وليست المشكلة في شخص رئيس الوزراء، لذلك إذا كانت القوى السياسية العراقية جادة للبحث عن مخرج للأزمة السياسية فعليها أن تبدا من المربع الأول الذي يقول علينا أن نعترف بفشل العملية السياسية ونتجه إلى عملية سياسية جديدة وضياغة دسنور جديد والتوافق على الوطن الشامل الذي لا يقصي أحدا، وإعادة تفكيك وتركيب العملية السياسية بما يتسع لكل المعارضين السلميين والوطنيين وبذلك يسمح لنشوء قوى جديدة غير القوى الفاسدة التي أمكست بالسلطة منذ بداية 2003 وحتى اليوم وهي قوى فاسدة وغارقة بالجريمة والمال السياسي.