لم نُرد للكرد التصهين ولا حرباً مديدة…ولكن

عادل سمارة

في الأيام الأولى للعدوان الأمريكي على العراق 1991 في استعادة امريكية لمستعمرة الكويت، تحدثت عن ذلك إلى عمال المناجم في مانشستر ببريطانيا. ناقشني نقابي من بينهم يقول بأن العراق احتل الكويت ويحتل كرددستان.

قلت له الكويت جزء من العراق اجتزئتها منه بريطانيا وهي التي قسمت كردستان، وبقدر ما يحق للكرد الانفصال يحق للعراق استعادة الكويت والوحدة العربية. المهم في الأمر انني عرفت بأن هذا القيادي النقابي البريطاني هو يهودي بريطاني. فهل هو بريطاني أم صهيوني؟ هل دافعه للانحياز ضد العرب أمر إنساني أم انتماء صهيوني!

ليس هنا سياق قراءة العلاقة الكردية الصهيونية التي تكشف عن نفسها. ولا مراجعة موقف تركيا من الأكراد المتخلف بفراسخ عن موقف العرب وخاصة موقف العراق سواء في فترتي صدام أو المالكي. ناهيك عن دعم الإمبريالية لأكراد العراق وليس لأكراد تركيا وهم أكثر من أكراد العراق. فهل لقيادات الأكراد تنسيق خاص مع تركيا والكيان بحيث يكون التركيز ضد العراق؟ وهل هذا ما يفسر تباين مواقف الكرد انفسهم في تيارين على الأقل:

  • وجود أكراد ضد الانفصال أو على الأقل ضد تصهين قيادة وحزب برازاني
  • ودعم اوجلان لبرازاني عبر خفض مطالبه من تركيا بل تقربه من أردوغان؟

الأمر الهام هو تحول البرجوازية الكردية العراقية إلى قوة محتلة بنهج صهيوني ودعم أمريكي بعد احتلالهم كركوك. وبهذا، قفزت القيادة الكردية أو انتهزت الفرصة لأقتطاع جزء من جسد الرجل المريض لهذا القرن وهو الوطن العربي. وفي هذا السياق زعم يرازاني بأن كركوك اصبحت في قبضة قواته وأنه نفسه مستعد لحمل السلاح لتكريس احتلاله لكركوك. (ولا يقلل من هذا الموقف الخطير ما يتردد بأنه بدا يخفف من لهجته أمس) وهو تخفيف، إن حصل لا ينفي قط هدفه الأساس في الانفصال والاحتلال.

بلغة عالم اليوم، مبارك لهم ذلك وهنيئاً. لأن لديهم الدعم العربي من برجوازية السنة عربا (حكام الخليج والأردن) ومسلمين وخاصة الترك. ومن الصهيونية بالطبع. إضافة إلى هندسة هذا الاحتلال من الإدارة الأمريكية والبريطانية وغيرها طبعاً، رغم شكلية الاحتجاج الأمريكي على احتلال كركوك، وجوهرية تاييد امريكا لاحتلال داعش وداعميها لولايات الوسط العراقية.

حين تكون أمة في مازق خطر كالذي نمر به تغدو الأولوية القصوى ضبط الأعصاب ومراجعة الذات وتنقية الصف قبل الرد.

مكونات الصورة اليوم هي ان الذي سلَّم كركوك للكرد هي نفسها النخبة أو جزء كبير من النخبة السنَّة العراقية. وهي نفسها التي سلمت الموصل ونينوى للدواعش وبقايا الجيش العراقي القديم بقيادة عزت الدوري الذي انتهي في السعودية. وحكام الخليج هم بالطبع من موَّل وسلح الدواعش والقاعدة والدوري…الخ. وكما يتضح مع كل يوم بأن السنة الترك هم من استضافوا غرفة عمليات ما جرى والذي يشرف على كل ما يجري هي الولايات المتحدة والذي يجني كشريك مضارب هو الكيان الصهيوني. دعنا نسميه الخونة والشادة. ولعل المغامر الأكبر في هذه التطورات هو الجانب التركي الذي يدعم انفصال أكراد العراق كثمن لخفض الكرد في بلاده مطالبهم!

مهم في حالة كهذه أن نلاحظ بأن بوسع النخب، في المجتمعات المتخلفة أن تقود الجماهير إلى حتفها بالجملة أو التقسيط، لا فرق كبيراً. فالنخبة السنية العراقية المشاركة في التخلي عن أجزاء من الوطن كي تحكم أجزاء أخرى تمكنت من دفع عشرات آلاف الجنود العراقيين للاستسلام للتحالف المضاد للعرب “تحالف الخونة والسادة”، وتسليم كركوك المختلف عليها. وهذا على عكس تاريخ العسكرية في العالم بمعنى أن الخيانة لم تكن ابداً عقيدة لجيش بأكمله.

في هذا المناخ، من الطبيعي أن يقف برازاني ويعلن ضم كركوك واستعداده لحشد كل جيشه هناك في موقف ثأري عشائري لا موقف سياسي دقيق الحسابات. ربما لديه تأكيدات من كثيرين بأن المدى البعيد سيكون كالمدى المباشر، بمعنى ان الترك والإيرانيين والسوريين سوف يسلموا له أكرادهم طوعا ومحبة أو أن جميع مكونات الكراد هم مع الانفصال. أو ربما يقول: لكل حادث حديث.

فهل يخدم برازاني الكرد في هذا الموقف أم يُعادي العرب؟ فالكرد في العراق هم عملياً دولة. وكركوك متنازع عليها حسب المادة 140 من الدستور، وبالإمكان بقاء وضعها معلقاً خاصة وأن سكان المدينة ليسوا الهدف لا من النخبة الحاكمة في بغداد ولا في أربيل، بل النفط هو الهدف وحصة الكرد من الهدف “مصونة” عراقيا وأمريكياً. وطالما أن حكماً ذاتياً، أو دويلة للكرد متحققة، فبالإمكان تأجيل كركوك أو جعلها مدينة مشتركة أو اية صيغة غير الاحتلال.

لا شك أن جيش الكرد يأتمر بأمر البرازاني وتحالف “السادة والعبيد” كما لا شك بأن كثيرا من الجماهير الكردية مؤيدة وربما متحمسة لقرار برازاني. ولا شك بأنها ليست قلقة بل ربما سعيدة بتغلغل الصهيونية في بلدها. ولكن، هل يتضح لها بأن برازاني يقودها إلى حرب مفتوحة مع العرب هي جوهريا في خدمة الكيان الصهيوني وتخفيف الضغط العربي عليه؟ أي أن الجماهير الكردية تُساق إلى موقف ضد حقوق الشعب الفلسطيني بلا مواربة! وهي في غنى عن ذلك.

 في معظم مراحل التاريخ تتمكن البرجوازية سواء كانت صناعية او كمبرادورية من امتطاء الطبقات الشعبية وسوقها إلى حتفها قوميا او طائفيا ما لم تكن هناك حركات طبقية ثورية تصد البرجوازية ثم تقتلع السلطة من فكيها. وهذا لم يتوفر بعد لا عربيا ولا كردياً، ومن هنا استطالة نزيف الدم وتمويه الخلل المطلق في توزيع الثروة المدَّعى انها قومية وهي جوهريا طبقية، وبالطبع تجديد دورات النزيفين دماً وثروة.

من الطبيعي أن لا يتمكن المالكي من الرد المباشر والواضح حالياً. فلو كان بوسعه ذلك لما تم تسليم الموصل وكركوك، بل لما أصاب الشلل المؤسسات المدنية والإدارية للدولة بأسرها بعدما كانت خيانة السلاح والوطن والقومية من أجل برجوازية قيادات الطائفة.

ربما لا يمكن للحشد الحكومي العراقي أن يُحدث اختراقا كبيراً في وقت قريب ضد صدمة عدوان تحالف “السادة والعبيد” الذي بلا مبالغة في خدمة الصهيونية. ولعل الواضح منه ذلك الضغط الصهيوني على امريكا بأن تطلق العنان للعدوان الكردي ناهيك عن أن الكيان اصبح الحليف الأول لكردستان العراق منذ عام 2003. فقد شن الصهاينة هجمة موسعة لإقناع الأمريكي بمباركة علنية لاحتلال كركوك، قادها بيرس ونتنياهو وليبرمان. ولا شك أن الأمريكي مع هذا لكنه يعلم كذلك بأن احتلال كركوك تحديداً يُعيد التماسك الوطني العراقي ويضع حلفاء داعش من قيادات السنة في موقف حرج وطنياً بحيث يصبح تحرير الولايات الوسطى العراقية مسألة إجماع وطني عراقي، ناهيك عن ان سوريا وإيران سيجلان هذا التحرير حربهما. وهذا في النهاية ينسف المؤامرة بأجمعها بمعنى أنها تقصد قطع تواصل طهران دمشق.

طبعاً، لا تغضبوا، فحينما تتهالك مكونات أمة لصالح نخب طوائف ومذهبيات، فذلك يعني أن هذه البلد تمور بأنواع عديدة من الخيانات. فهي قد اعتادت استلام السلطة من الاستعمار فكانت السلطة الهدف لا الوطن. انظروا من طنجة وحتى الاسكندرون واليوم كركوك ناهيك عن فلسطين، اليست هذه الأراضي المحتلة هي برضى وصمت برجوازيات قُطرية عربية من أهل السنة والجماعة؟ ولم تتوقف عن ذلك. وها هي تضيف إليها شمال العراق.

ولكن السؤال: إلى متى سوف تدوم بهجة القيادة الكردية؟

غالباً لن تشارك هذه القيادة في اجتماع البرلمان العراقي يوم الثلاثاء القادم، ولن يشارك معظم النواب السنة إلا إذا تداركت واشنطن الأمر ودفعت باتجاه تحويل تحالف السادة العبيد واحتلال ولايات الوسط عامل ضغط على حكومة المالكي سواء لعزله أو تطويعه. لا وضوخ في هذا المستوى طبعا بعد.

ولا أعتقد أن المالكي يعوِّل كثيرا على هذا الاجتماع. كما لا أعتقد انه سوف يعلن الحرب الجبهية الواسعة على تلك الجبهة المعادية والتي بالمناسبة آخرها داعش. فهي جبهة تبدأ من واشنطن فتل أبيب فأنقرة فالرياض فالدوحة فبعث عزت الدوري وقيادات سنة العراق وسنة الأكراد.

قد تبدأ الحكومة العراقية مرحلة استعادة التماسك الذاتي والتقاط الأنفاس، وستمارس حقها في قيادة البلد وتشكل حكومة جديدة وستغطي ذلك بتصريحات عديدة.

لكن كل هذا ليس الجوهر. والجوهر سيكون ما بعد المدى القصير أو اللحظي. الجوهر هو أن الكرد أعلنوا حربا مفتوحة على العراق، واحتلوا ارضا عربية. وهذا يفتح الباب لحرب مديدة ستكون نتائجها ومتغيراتها أبعد من قريبة.

حينما تبيع برجوازية قيادات طائفة نفسها ووطنها للاستعمار من أجل السلطة وفي هذا المعرض لا ترجمة للسلطة سوى بأنها المال والفساد والاحتقار المضمر للطبقات الشعبية، فإن الشعب العراقي لن يسمح لها بالعودة للسلطة.

يبدو، رغم الابتهاج الطائفي اليوم، فإن عصر حكم العراق طائفياً على حافة نهايته. سيدخل العراق حربا داخلية مديدة، في داخله ومع الكرد. وسيتم دعم كرد العراق من جزء كبير من كرد سوريا وإيران وتركيا. وقد يأتي يوم يكون للكرد دولة واحدة بعد أن يهلك الحرث والنسل في حروب مع تركيا وإيران كذلك. ولكن ما لن يصمد هو الاحتلال الكردي لأرض عراقية. وستكون هذه التجربة أحد عوامل الوعي العربي الشعبي بعمق صدمة الوعي الناجم عن الاغتصاب الصهيوني لفلسطين.

صحيح أن النخب البرجوازية السنية لها جيوشها وشرطتها وأموالها للقمع والفساد المجتمعي الداخلي، وصحيح ان تساقطات الريع تصيب قطاعات من المجتمع، ولكن كل هذا، بل هذا نفسه وخاصة خيانة التفريط بشمال العراق لا سيما وهي ليست من قيادات برجوازية سنية في العراق وحسب بل من حكام معظم قيادات برجوازية المشرق العربي، هذه الخيانة قد وضعت خيانة هذه الطبقة البرجوازية في حالة انكشاف تام.

قد لا تبدو للبعض أو لكثيرين ملامح الخيانة في اللحظة، ولكن تحرك بغداد دفاعا عن الوطن، سيجد من يدعمه من الجماهير العراقية بتعددها. وسيجد العراق الحالي سواء الحكم في بغداد أو من ليس في الحكم سيجد نفسه أمام وجوب قراءة الدرس السوري وتطوراته التي مكَّنت من الصمود والتماسك في وجه حرب برجوازية عربية عالمية وبالطبع صهيونية.

فنتائج ميدان سوريا هي التي دفعت تحالف السادة والعبيد لتفجير شمال العراق. وحالتا سوريا والعراق وضعتا الطبقات الشعبية العربية أمام تحد وفرصة في الوقت نفسه. تحدي مواجهة تحالف السادة والعبيد، وفرصة استعادة العمل على المشروع النهضوي العربي، ولكن ليس بقيادة الطبقات القديمة نفسها. في صراع تاريخي، ليس أمامك سوى النفس الطويل أو فقدان الأنفاس.