أميركا الأخرى أميركا في عيون مغترب عربي

د. مسعد عربيد

 

مراجعة بقلم: كلاديس مطر

كل مغترب في أميركا – اذا تركته يتحدث سوف يحدثك عن نسخته الخاصة من رؤيته لهذه القارة التي تنزع للسيطرة عنوة على العالم. مع ذلك هناك أمر واحد مشترك لا يختلف عليه مغترب ؛ أن المغامرات السياسية الاميركية في العالم سوف تجلب الكارثة عليها وإن هذا السيستام الفريد برأسماليته سوف ينقلب على ذاته إم عاجلا أو آجلا.

في كتاب أميركا الاخرى، د. مسعد عربيد، الطبيب الفلسطيني والباحث المقيم في الولايات المتحدة منذ أكثر من ربع قرن، يفند الاسباب، بتفصيل كبير، التي سوف تؤدي بهذه القارة الى نهايتها وذلك مثل بقية الامبراطوريات الكبرى في التاريخ التي وصلت الى ذروتها في التوسع والهيمنة لتنتهي في الحضيض والأفول مثل الحضارة الرومانية والعثمانية واليونانية وحضارات العالم القديم. لكن ليس هذا هو هدف الكتاب الاساسي وإن كانت الطروحات فيه، المبنية على الوقائع التي لا لبس فيها، تؤدي الى مثل هذه النتيجة. الحق، إن الكتاب يعتبر مرجعا شاملاُ جامعا للعديد والكثير من نواحي الحياة الاميركية التي لا يمكن ان تحدها او تحتوي عليها مراجعة تقليدية لكتاب، لكني مع ذلك ساجهد هنا بتفنيد النقاط الاساسية التي عمل عليها د. عربيد في كتابه القيم الذي لم ينسى ان يدعمه بفصل ملحق بشرح بعض الكلمات التقنية التي سترد في الكتاب مثل أميركا، الاغلبية البيضاء المهيمنة، المسيحية الغربية، الشرق الاوسط وكثير من الكلمات والمصطلحات غيرها تحت عنوان ” ملاحظات منهجية وثبت المفردات” وذلك لكي يكون القارىء على بينة تماما من المعنى الذي يرمي اليه الباحث في كتابه.

يفتتح الكاتب عمله بمقدمة وجدانية مؤثرة يتحدث فيها عن تجربته الاغترابية الذاتية الشخصية التي دفعته الى التفكير بما هو أبعد من تبديات الحياة الأميركية بكل أبعادها، فالسيستام الأميركي بقدر ما يجهد لكي يحمي نفسه ببنود القوانين المتنامية والمعقدة بقدر ما يعطي انطباعا قويا بأن كل هذا عبثي لفرط إحكام قبضته على رقاب الناس وذلك على عكس ما يُظن.

ينقسم الكتاب الى خمسة أقسام رئيسية مؤلفة من ست وعشرون فصلا تقع ضمن 433 صفحة تشرح بإسهاب تفصيلي المشهد الاميركي ليس في حاضره ” الجميل” فقط وانما أيضا بماضيه الدموي الذي عمدت أميركا متوهمة إنها نجحت في خلق هذا الفصل بين الزمنين وإيهام الدنيا كلها بمصداقية ذلك كما يقول الكاتب.

مع ذلك فإن من مستهلات الكتاب هو هذا التحذير من قبل كاتبه على أن فهم أميركا يصادف الكثير من المعيقات من بينها هذه الازدواجية في تبديات الواقع الاميركي حيث أن المعلن والمدون إنما يختلف عن الضمني او غير المدون إن كان فيما يتعلق بسياسة اميركا الخارجية او فيما يتعلق بشؤونها الداخلية بالاضافة الى هذه الثغرات في الخطاب العربي التي بانت حديثا خصوصا إبان ما يسمى بالربيع العربي حيث ظل غائبا عن فهم الاغلبية أن الرأسمالية – الامبريالية الاميركية هي رأس الافعى والعدو الرئيسي. يعطي الكاتب مثالا عن هذا قصور الخطاب في الحالة الليبية (صيف 2011) والذي حاولوا تطبيقها في سوريا لاحقا، مع ذلك لم يتعظ أحد بعبر التاريخ حتى القريب ولم يقرأ الحدث ” بعيون التاريخ وتجارب الشعوب ولا في سياق التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لمجتمعاتنا “.

اذا هذا كتاب عن أميركا من منظور المغترب العربي ولكن ليس أي مغترب، فالدكتور عربيد – أجد من الضروري جدا أن أعرف به أكثر في هذا السياق – ليس مغتربا عاديا وانما هو من كنعان السورية ( فلسطين) حيث شردت عائلته من مدينة يافا في فلسطين المحتلة عام 1948 ولكنه أكمل دراساته العليا ليصبح طبيبا منذ ثلاثين عاما تقريبا في مدينة لوس أنجلس وباحثا متخصصا وهو احد مؤسسي ورئيس تحرير كنعان الالكترونية وله العديد من الابحاث والدراسات والمقالات التي تعنى بالقضية الفلسطينية والعربية والاشتراكية واشكاليات المغترب العربي المهاجر. لهذا، فإن فهم الكاتب للواقع الاميركي حوله وللواقع العربي إنما مبني على ارض صلبه من الفهم العميق والحس البحثي والأهم الانتماء العروبي القومي الذي لم يفتر لحظة خلال الازمات المهولة التي ألمت بالامة العربية والتي دفعت الكثيرين لكي يديروا ظهورهم، ألماً ويأساً لكل ما يسمى عرب وعروبة.

يبدأ الكاتب دراسته بتفنيد الجذور التاريخية لنشأة أميركا وكيفية تحولها الى مشرع للتحكم و إدارة الدول وترويجها لمقولات وشعارات مدمرة للأوطان مثل أن الشعوب لا تستطيع ان تتعايش من دون تدخل خارجي أو إنها غير قادرة على تدبر شؤونها بذاتها من دون تدخل الغرب ومؤسساته ومنظماته مع الايحاء ” بأن الغرب يقف خارج دائرة الصراع أي انه ليس ” طرفا” فيه، بل هو مجرد عامل خارجي يتعامل مع الصراع القائم من نفطة خارجية ” وكل هذا بدعم من الاعلام الغربي الذي فهم دوره جيدا من دون المزيد من التفكير. يدافع الكاتب عن وجهة نظره بعرضه حالة انهيار يوغوسلافيا كنموذج.

مواضيع كثيرة هامة جدا تناولها الباحث بشيءء من التفصيل أذكرها هنا بحسب تراتبيتها في الفصول الخمسة للكتاب:

أولا) في الجذور التاريخية لنشأة أميركا حيث يفند الكاتب الكذبات الكبرى التي بنت عليها الولايات المتحدة الاميركية وجودها الحالي وصورتها المتداولة عالميا. وهنا يشرح الكاتب كيف تم تزوير التاريخ وكيف تمت عملية إبادة المواطن الاصلاني وإحلاله بالغازي الابيض، استحضار العبيد من افريقيا، الانتفاضة على العرش البريطاني، احتلال 52 % من أراضي المكسيك في حرب 1848 ثم استغلال الذين قدموا اليها من مزارعين وعمال البلاد خلال القرون الاخيرة بالاضافة الى شرح مسهب عن مفهوم الارض في الذهنية الراسمالية الاوروبية البيضاء.

يتضمن هذا القسم أيضا مدخلا الى فهم جدلية بياض البشرة والعرق والطبقة. في هذا القسم يشرح الكاتب كيف كان بياض البشرة ركيزة للعنصرية ” ضمن السياق التاريخي والاجتماعي الممتد على مساحة اربعة قرون، حيث احتل لون البشرة دورا في التمييز الاجتماعي جعل من أميركا دولة ” تتسم بتراتبية عرقية واضحة للعيان…..هي السبب الجذري في تهميش ” الآخر” واضطهاده ومحاولة محوه واجتراح الذرائع لتبرير مثل هذه الجرائم: الإبادة العرقية لأغلبية الهنود الأميركيين الأصلانيين والمتاجرة بالعبيد السود ثم استعبادهم بعد استحضارهم من افريقيا.

لقد شرح الكاتب باسهاب “معنى العرق” واللون بدقة امتدت على عدة فصول مسح خلالها هذا الموضوع من كل جوانبه واضاء عليه تاريخيا وطبقيا واجتماعيا..الخ، ثم شرح ارتباطه بالدين والطبقة في جدلية ثلاثية ساهمت في تكوين الذهنية الفوقية الأميركية، بحيث يمكن لهذا العنوان ( أي العرق وتبدياته في أميركا ) ان يكون قائما بذاته في مجلد خاص به.

ثانيا) من العناوين الكبرى ايضا التي يزخر بها الكتاب هو “ الدين “. شرح الكاتب في هذا السياق كيف تحول الدين الى مؤسسة ذات مصالح تتلاقى كلية مع مصالح السلطة او الطبقة الحاكمة الاميركية. إن الرأسمالية الغربية والاميركية تحديدا تستخدم الخطاب الديني “ كإحدى أليات الهيمنة على الوعي الشعبي“…الدين أيضا في اميركا صنف الاخرين باعتبارهم ” غير مسيحيين ” و” غير بيض ” تماما مثل نظامه السياسي. ثم هناك “الادعاءات التوراتية التي تشربها الاميركي منذ صغره” كما لاحظ صديق يساري اميركي للدكتور عربيد.

يشرح الكاتب أيضا مركزانية الدين في تكوين الهوية الأميركية مع إن الدين المسيحي ” لم يكن في سياق الكيان الاستطياني الاميركي ثمرة لتطور اجتماعي وتاريخي طبيعي، بل إن المستوطنين الأوروبيين الأوائل فرضوا دينهم- الذي حملوه معهم من سياق اجتماعي مختلف- عنوة على الكيان ومسيرة تكوينه. ” لقد وظفت الروايات التوراتية من قبل الطبقة الحاكمة ” لتبيان أفضلية المسيحي الأبيض على غيره واختياره من قبل الله والعناية الربانية ليكون “الشعب المختار“. كل هذا ساهم في إنتاج العرق وتصنيفاته وترسيخه كمفهوم في العقول الاميركية.

إن موضوع الدين وتشعباته احتل في كتاب ” أميركا الاخرى ” بضعة فصول حيث قاربه الكاتب بكل تشعباته وتبدياته ابتداءا من علاقة المسيحية الاوروبية بالرأسمالية واميركا مرورا بمواكبة الدين للمشروع الاستيطاني في أميركا وانتهاءا ببحث علمانية الدولة – وهذا فصل مهم جدا- حيث يبين الكاتب إن هذه الدولة الاستيطانية لم تقم الا على أرضية دينية لا لبس فيها وما زالت في كثير من تبدياتها الضمنية والعلنية تقوم على نفس الأسس مذكرا بالصلوات التي تقام في قلب الكونغرس الاميركي والتي غالبا ما تستهل بنصوص من التوراة ثم هذه الصورة النمطية للرئيس الاميركي الذي يتعبد كل صباح أحد في الكنسة مصطحبا زوجته وأولاده. إن فصول الدين في كتاب ” أميركا الاخرى ” إنما ترمي الى أبعد من هذا حقا …إنها تشرح ماذا يعني الدين والتدين في الثقافة الشعبية الأميركية وكيف ان العلمانية هي مظهر غير مكتمل فيها.

ثالثا) القسم الخامس والأخير من الكتاب وهو مخصص للسياسة والمجتمع في أميركا.

 

يفتتح الكاتب هذا الفصل بأكثر العبارات رواجا حين الحديث عن هذا البلد ألا وهي الاستهلاكية الاميركية ” التي تكمن خطورتها في إنها قد تعولمت في هذه الحقبة وأضحت طاغية ومهيمنة في العديد من المجتمعات “.

يفند الكاتب نشأة الاستهلاكية في اميركا والعوامل التي ساهمت في تشكل العقل الاستهلاكي الذي ساهم النظام في ترسيخه من اجل زيادة الربح. لقد خلق هذا النظام ” الذات الاميركية الجديدة ” التي تنزع الى الاستهلاك “والمنفلتة في الوقت نفسه من أي ضوابط أو قيود مادية مالية أو معنوية أخلاقية “. إن استراتيجية التسوق في اميركا مبنية على النظرية التاليه ” إن السلعة بعد اقتنائها سرعان ما تصبح طرازاً قديما لا تتماشى مع روح العصر والموضة ولا تعود قادرة على توفير السعادة، فيجد المرء نفسه مرة ثانية أمام تلك الرغبة الجامحة و المتجددة أبدا في اقتناء سلعة جديدة وتقليعة جديدة 

إن ثقافة ” البزنس ” في أميركا التي تعمد الى تجميل الاستغلال وتقديس الذات واستقلالها الى درجة الإدمان عليها هو هدف واضح ومشروع امام الشركات الكبرى التي تعرف كيف تحرض العناصر التي تتكون منها هويته.اذا هناك حالة تناغم بين مكونات الذات الاميركية الاستهلاكية التي عمل الى بناءها السيستام الراسمالي الاميركي وبين وسائل الاعلام التي تعرف كيف تعزف على هذا الوتر بشكل جيد إن كان من خلال تسويق الخبر السياسي او من خلال الدعايات الترويجية للبضائق حيث كلها تصب كما يقول الكتاب في عملية الربح المستدام.

إن عبارة انا استهلك اذا انا موجود التي يروج لها الاعلام التلفزيوني إنما هي ” لتطويع المشاهد كي يتوهم أنه مركز الكون و أن العالم يدور حوله وفي فلكه“. كل هذا، من ضمن عوامل اخرى تلعب في نفس السياق، إنما يهدف الى المزيد من التسوق والاستهلاك وطبعا المزيد من الربح؛ الهدف الذي بنيت عليه الراسمالية من دون اي تردد.

 ينتقل الكاتب الى العبارة الثانية الاكثر رواجا حين التحدث عن اميركا الا وهي “ الديمقراطية الاميركية“. وفي هذا الفصل يفند الكاتب بدقة عالية مدعومة بالشواهد والاحداث كذب هذا الادعاء وبطلانه حيث يبين هذا التفاوت الكبير بين بنود الدستور الاميركي والواقع الاميركي الذي يظهر أن بنود هذا الدستور ما هي الا بنود صورية فقط ذلك ان الواقع الاميركي لا يسير وفق مبادىء الدستور ومقتضاياته. و الاشكالية كما يرى الكاتب تتجلى بوضوح: ” إذ تصبح القيم العليا للإنسان والمجتمع هي نفسها الحاجز الذي يعيق تحقيقها وتطبيق ما تطالب به أو ما تدعي انها تطالب به. “

 

إن نقد الفكر الذي يركن عليه الدستور الاميركي الذي يشغل عشرات الصفحات من الكتاب لهو من الاهمية القصوى بمكان حيث يجب لكل مؤله (للظاهرة الاميركية) أن يعيد النظر بهذه العبادة التي كلفت شعوبنا وشبابنا على الاخص الكثير من الاحلام التي لا طائل منها.

اما السياسة الاميركية الخارجية ووواقع العرب الاميركيين واللوبي الاسرائيلي ….و كل هذا الهروب العربي والغربي الى الامام إنما يأتي في آخر الكتاب كنتيجة ومكمل للطروحات الاولى فيه. اما الفصل لاخير فيفرده الكاتب لامكانبة التغيير في اميركا وما هي معيقات التغيير الجذري في هذا البلد خصوصا أن المشهد الاميركي معقد تتداخل فيه القوى الرجعة بهيمنة الطبقة الحاكمة، بهذا الهوس الاستهلاكي، بتلك الثقافة التي تمجد الذات وتقدسها، بكل هذا الجنون الفالت من عقاله لاستعمار الدول ونهب ثرواتها، وطبعا بهذا الكذب المنهجي الذي سوف يرتد يوما ما في وجه مروجيه و متبنيه.

واخيرا هذا كتاب ليس ككل الكتب، فهو معجم اميركا لمن يريد ان يعرفها من الفها الى يائها ومن شرقها الى غربها ومن شمالها الى جنوبها ومن فوقها الى تحتها.

اختم بعبارة د. عادل سمارة في مقدمته لهذا الكتاب إذ يقول:

 

“يقدم لنا هذا الكتاب معرفة من داخل الغرب تقوم على تجربة الحضور الواعي والمواطنة، وتقوم على الرعب المخفي من نظام ذئبي يتقن الظهور كالحمل الوديع والمتخصص أبداً لفعل الخير، ويجد بين الضحايا من يحفون حول عرشه ويسبحون بحمده.”

■ ■ ■

الكتاب: “أميركا الأخرى”: أميركا في عيون مغترب عربي”

تأليف: د. مسعد عربيد
الناشر: دار فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة، عمّان، الأردن.
سنة النشر: ديسمبر 2013
عدد الصفحات: 431

يمكن طلب الكتاب من دار فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة

عمان – شارع الملك حسين- مقابل سينما زهران -عمارة رقم 19-ط1, 11118، الأردن