بعد سورية.. العراق يدافع عن وحدته… فهل يسقط العدوان ؟؟

العميد د. امين محمد حطيط

فشل مشروع الهيمنة الغربية على المنطقة انطلاقا من الميدان السوري، فانتقل المخطط الى الميدان العراقي ليتخذه مسرحا بديلا يعوض فيه اخفاقه، خاصة و انه يرى في هذه الدولة كيانا واهنا قابلا لتمرير المشروع بعد ان دمرت مؤسساته و نشرت فيه بذور االطائفية و المذهبية و اعتمد له دستور يرسي نظام التنازع عبر الشكل الاتحادي.

نقل الغرب مسرح عملياته مع تطوير لاهداف العدوان ففي حين كان العدوان على سورية يهدف الى وضع اليد عليها و تغيير موقعها الاستراتيجي و استطرادا تقسيمها ضمن مشروع الاقواس الثلاثة، فانه في العراق جعل التقسيم هدفا يوزاي هدف وضع اليد بحيث يوضع العراق بين خيارين اما القبول بالتنكر لجغرافيته السياسية و معاداة محور المقاومة لفصل شرقه عن غربه خدمة للاستراتيجية الاميركية في المنطقة او التقسيم بدءا من اقليم كردستان العراق الذي رعت اميركا حكمه الذاتي القديم و جعلته ابان احتلالها يمتلك معظم مقومات الدولة المستقلة.

 لاجل ذلك كانت “مسرحية الموصل الداعشية ” برعاية اميركية و حضانة اقليمية من قبل الدول المسيرة بالقرار الاميركي، و بتنفيذ من قبل مليشيات محلية من عرب و كرد. لقد كانت تلك المسرحية مؤشرا واضحا للانتقال الاميركي من خطة الى خطة و من مسرح الى مسرح، و قد حاولت اميركا و قبل التلويح بخطة التقسيم ممارسة خديعة “الحكومة الجامعة ” التي طرحت مثيلها في سورية من اجل استبعاد الحكومة الوطنية التي تأتي بها صناديق الاقتراع، لكنها اصطدمت برفض عراقي كرر الرفض السوري لخدعة جنيف و مسرحية “الحكومة الانتقاالية ذات الصلاحيات الشاملة” المعينة من الخارج.

بعد الرفض الوطني العراقي لم تتمسك اميركا بالطرح – الخديعة ( نفت علانية سعيها اليه ) و انتقلت مباشرة الى الخطة “ب” في المشروع و هي خطة التقسيم الذي جاهر به من يعرف بعميق ارتباطه باميركا و اسرائيل مسعود البرازاني رئيس اقليم كردستان. و مع هذه التطورات باتت الاهداف الحقيقية ل”مسرحية الموصل الداعشية ” واضحة بما يفرض المواجهة الدفاعية التي يجب ان ينخرط فيها كل معني بوحدة العراق، بدءا بالعراقيين انفسهم و معهم مكونات محور المقاومة المستهدف الاساس بالعدوان.

فضلا عن ذلك نرى ان المحافظة على وحدة العراق و منه وحدة دول المنطقة هي الان مسؤولية دول المنطقة جميعا لان التقسيم ان نجح في العراق لن يتوقف عند حدودها بل سيكون بداية لتطبيق خريطة بايدن التقسيمية التي كانت اساسا هدف صاحب نظرية “لفوضى الاميركية المدمرة ” النظرية التي اعلتنها كونداليزا رايس للمنطقة و حددت “داعش ” حدودها في المرحلة الاولى من العراق و الكويت شرقا الى لبنان و سورية غربا و الاردن في الوسط و اقحمت فلسطين المحتلة حيث يبرر للكيان الاسرائيلي التدخل خدمة للمشروع (اعلنت اسرائيل انها ستتدخل عسكريا للدفاع عن الاردن ).

 نقول حدود المرحلة الاولى لان التقسيم ان نجح في العراق فانه سيمتدد الى السعودية و مصر بشكل مؤكد وفقا لما كانت اشاعت دوائر الاستخبارات الغربية بهذا الصدد و عممت يومها خرائط تقسيم 6 دول عربية الى 14 دولة عرقية او مذهبية او طائفية و تغيير وظيفة الاردن ليكون الوطن البديل.

التقسيم اذن هو هدف العدوان الغربي على المنطقة اليوم، و كل كلام آخر اعتقد انه تبسيط للمسألة او تضليل في البحث، و هنا نتوقف عند التصرفات الكردية في الايام التي تلت “مسرحية الموصل الداعشية “، خاصة الاعلان الكردي الصريح على لسان مسعود البرزاني، اعلانه بانه ” حان الوقت ليقرر الشعب الكردي مصيره و و ان يقيم دولته المستقلة “، كما لا يمكن الا ان نضع احتلال الاكراد لكركوك و مجاهرتهم باسقاط المادة 140 من الدستور العراقي الاتحادي المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، الا في سياق التقسيم وتوسيع حدود الاقليم الساعي للاستقلال، في مسيرة يرعاها كما ظهر جليا وزير الخارجية الاميركية و وزير الخارجية البريطانية الذين زارا اربيل و تعاملا معها كانها عاصمة لدولة مستقلة على قدم المساواة مع بغداد، كما و رعايتهما لتصدير النفط العراقي بقرار كردي متخذ خارج سلطة الحكومة المركزية و خلافا للدستور. ثم ليس صدفة ان يعلن وزير خارجية العدو الاسرائيلي بان “اسرائيل ستكون اول من يعترف باقليم كردستان اذا اعلن قيامه دولة مستقلة “.

كل ذلك يقود الى القول بان تقسيم العراق بدأ انطلاقا من اقليم كردستان لانه الوحيد المهيأ الان لمثل هذا الامر وفقا لما وفره له الاحتلال الاميركي للعراق، و سيليه – ان نجح استقلال الاقليم – اقامة الدولة الثانية على مساحة المحافظات العراقية الاربع ذات الاكثرية العربية السنية و التي تعمل “داعش” لانتاج ظروفها. و لم يعد السؤال الان بعد هذه المظاهر و الظواهر القاطعة، هل يقسم العراق ام لا، بل بات السؤال هل ينجح التقسيم و يستمر ؟

لقد كان دقيقا موقف المرجعية الدينية في العراق في التحذير من التقسيم، و المرجعية – كما يعرف ذوو الخبرة – لا تطلق المواقف الا عندما تتيقن من الحقائق و الواقائع و تلمس ضرورة التدخل لتنوير الناس و تحذيرهم من خطر و ارشادهم لما فيه خيرهم.

و نعود الى السؤال حول مدى نجاح المشروع التقسيمي في العراق و منه الى المنطقة و نرى ان المشرروع حتى الان و رغم امتلاكه عناصر تمكنه من النجاح منها الداخلية ( لجهة قدرات الاقليم و امكاناته، و التطور الذي حصل بعد مسرحية الموصل الداعشية)، و منها الخارجية و الدعم الذي يتلقاه الاقليم ( رغم بعض المواقف المعلنة التي تعاكس ذلك ). لكن تلك العناصر ليست كافية لنجاح المشروع، و اذا نظم الدفاع عن وحدة العراق بشكل جدي فان المشروع يمكن افشاله كما افشل في سورية مشروع اسقاط الدولة و تفكيك محور المقاومة و الهيمنة على المنطقة. و في هذا المجال نرى ان معركة الدفاع عن وحدة العراق تفرض المواجهة على خطوط متعددة كالتالي:

1. سياسيا. الاسراع في العملية السياسية لجهة اعادة تشكيل السلطة و اجراء انتخاب رؤوساء المؤسسات الدستورية الثلاث في الدولة ( الجمهورية – مجلس النواب – الحكومة ) انطلاقا من نتائج الانتخابات العامة مع مراعاة منطق الوفاق الوطني في حدود مقبولة دون الوقوع في مثلبة المؤسسات المعطلة ذاتيا بالفيتو و الفيتو المضاد. فالعراق بحاجة من اجل النجاح في المواجهة المصيرية تلك بحاجة الى سلطة قوية تملك قرارها و تملك القدرة على تنفيذه في الوقت المناسب و تثبت العراق في الموقع الذي تفرضه جغرافيتها السياسية، سلطة تنشيء دولة وفقا لمعايير الدولة بعيدا عن المحسوبية و الفساد، و اننا نرى في بوادر الاتفاقات الداخلية حول ذلك مؤشرا ايجابيا.

2. عسكريا. التعجيل في تطوير القوة العسكرية القادرة على التصدي للخطرين الميدانيين الداهمين حاليا، خطر المجموعات الارهابية العاملة تحت تسميات متعددة منها داعش و سواها لمنع امساكها بالمحافظات الوسطى الاربع (نواة الدولة الثانية )، و خطر المجموعات الكردية الانفصالية التي سيستند اليها في اعلان استقلال الاقليم. و هنا تكون الحاجة ملحة لقوة عسكرية ذات جناحين ينشآن في حضن الدولة: الجيش النظامي الذي ينبغي تنظيمه و تسليحه و تدريبه وفقا لعقيدة وطنية واضحة، و قوات شعبية تشبه مليشيا الدفاع في سويسرا او جيش الدفاع الوطني في سورية او قوات التعبئة الشعبية “باسيج ” في ايران، و ان ما بدأ في الميدان العراقي الان يثير الرضى في هذا الامر.

3. دوليا: هنا يقتضي حسم الموقف العراقي من دول الاقليم و خارجيا و الدخول في تفاهمات و تحالفات مع الدول التي تعتبر نفسها متضررة جديا من التقسيم،و تتمسك بفكرة الاستقلال الحقيقي و رفض الارتهان للخارج و في طليعتها اليوم دول محور المقاومة ( المحور من مصلحته لا بل من واجبه التدخل لنصرة العراق حفاظا على وحدته ) و روسيا التي اعلنت صراحة رفضها لهذا العدوان على العراق. ورغم ذلك فاننا نرى ان ما بدأ يتشكل من مواقف دولية على اهميتها، قد لا تكون شكلت حتى الان مانعا يثني المخطط عن خطته.

و على المقلب الاخر ينبغي الحذر من الاتكال على الغرب او الطمأنينة الى مواقف اميركا المعلنة، حيث ان المعلن مناقض لما ينفذ على الارض، و تسليم الامر لها يعني تسهيل لنجاح المشروع و بشكل اكيد.

لقد دخلت المنطقة اليوم الحلقة الرابعة من حلقات المواجهة مع المشروع الغربي العدواني و هي حلقة العراق 2 بعد حلقات لبنان وايران و سورية، حلقة شاءها الغرب بعد فشله في الحلقات الثلاث رغم التدمير الذي انزله في المنطقة، فشل في تحقيق هدفه الاستراتيجي في امتلاك قرار المنطقة و التحكم بها، و لهذا لجأ في الحلقة الرابعة لخطة التقسيم الذي يعول عليها لاشغال اهل المنطقة عن اسرائيل و عن النفط حتى يستمر في المحافظة على مصالحه المتصلة بهما. لكن هذا المشروع قابل للسقوط ايضا اذا تمت ادارة المعركة الدفاعية هنا كما اديرت سابقا فالمنطقة تملك من القدرات ما يمكنها من الصمود و النجاح الدفاعي و المهم ان يستفيد العراق من القدرات المتاحة داخليا و خارجيا. فقدرات المواجهة اذا احسن تنظيمها تفوق بكثير قدرات مصادر الخطر ف “داعش ” ليست بالحجم الذي يخيف او يمكن من تنفيذ المشروع، و الاكراد سيجدون في مواجهتهم اكثر من طرف يرى مصلحته في منعهم من تنفيذ الانفصال.