الطائفة أم الطبقة.. فوز الريعية

روبير بشعلاني

الطائفة متحد اجتماعي قرابي ديني (يستعير من الدين لحمته وقرابته المجازية) يتولى إدارة شؤون القرابة اقتصاديا وعلى نحو مركزي جدا يصل الى حد الاحتكار. فالاقتصاد و«المعاش» جزء من تركيبتها التاريخية ومن عصبيتها ومن أهدافها الرئيسية. «يتقاتلون على الماء والكلأ» وليس على الكرامة والعزة والشوفة، كما قد يتبادر الى بعض الأذهان المغربنة. صراعهم عقلاني لا غرائزي، وليسوا غرباء عن السياسة. يسعون الى المُلْك بهدف السيطرة على الموارد الطبيعية المحدودة لكي «يتنعموا» بها حسب إبن خلدون.

القرابة، رحمية كانت ام دينية، هي جزء من العمران البشري، اي أنها جسم مادي، لا تزال مسيطرة على اجتماعنا سيطرة كلية؛ والمطلوب ليس معرفة ما إذا كان هناك زناكيل وأغنياء داخل القرابات، فهم موجودون وبكثرة، بل في معرفة ما إذا صاروا جسما اجتماعياً مستقلا ومنفصلا عن القرابة. عندما تصير شروط الدخل ممكنة بدون مفتاح القرابة، عندها يصير الزنكيل مستقلاً وحرّاً. وقبل ولادة شروط المعاش المستقلة، لا ولادة لاجتماع حديث.

غير أن قدوم الاستعمار، وبعكس المتوقع تماماً، منع حدوث هذه الولادة، او إمكانها، لأنه قام عبر التجزئة الجغرافية بالعنف بالقضاء على وحدة عوامل الإنتاج المحلي (العرض) ووحدة السوق (الطلب) وجوّف المجتمع وحجّم الاقتصاد وأخضعهما للنمط الريعي تسهيلا للنهب نحو الخارج. وبذلك، فإن الصراع الرئيسي عندنا لم يصبح بعد بين الطبقة العاملة والبورجوازية على فائض القيمة المحقق من قبل العمل. فالمداخيل الاقتصادية للشرائح العليا من القرابات ليس مصدرها الربح بل الريع. يسطون على المصادر الأولية ويوزعونها حسب «عدلهم» و«قسطاسهم». زناكيل بلادنا لا يعتاشون من إعادة توزيع فائض القيمة المنتج بالغرب حتى يصيروا شركاء البورجوازية الغربية، بل إن الغرب هو الذي يعتاش من ريوع بلادنا عبر إخضاع الزناكيل المحليين لمنطق اقتصاده المحتاج الى النهب عبر الإبقاء على البنى الاجتماعية القديمة.

وما دام الصراع ليس على فائض القيمة بعد، بل على السيطرة على الموارد الطبيعية، فإن كل نضال مطلبي لن ينجح بجر العمال «المطيّفين» إلى «وعي» جديد موحّد بل إلى إثارة وتقوية الانقسامات الطائفية. ذلك أن المطالب التي تصوب على «البورجوازية الكومبرادورية»، او «الكولونيالية»، إنما تتوجه، عملياً وبالملموس، من دون وعي طبعاً، ضد القرابة الحاكمة التي تستولي على «نِعَم» الموارد: الريوع. فرصة تجدها القرابة «المحرومة» سانحة تاريخية لكي تعيد النظر بالحصص جزئياً أو حتى كلياً (أليس ما يجري حالياً في دول الربيع العربي أفضل مثال على ذلك حيث تفجر النخب الحديثة الوضع لتتلقفه البنى القرابية الأهلية؟). ومن هنا يمكن ربما فهم «دعم» بعض القرابات للتحركات المطلبية والديموقراطية وعزوف أخرى. ومن هنا يمكن أيضاً أن نفهم اتفاق جميع القرابات ودفاعها المستميت عن»مفهوم» الريع، النظام، وعدم المس به، وإبقاء الاختلاف فقط على حصة كل منها من المجموع.

فلا يصح إذن الاستنتاج الواهم بأن البورجوازية موجودة وموحدة ولديها «وعي» واحد لذاتها، وذلك لمجرد دفاعها عن نظامها الاقتصادي التاريخي. فالقرابات تختلف في ما بينها على الحصص من «الماء والكلأ» وعلى حقها الحصري بتوزيعها، وليس على المبدأ، مبدأ التوزيع الريعي. يختلفون على الرابح لا على اللعبة، وإلا لكانت القرابات قد قررت الانتحار الجماعي الطوعي من تلقاء ذاتها. ولا يهم هنا موقف أقلية من هنا او من هناك متأثرة بفكرة العدل والحق والمساواة. فهي لا تزن بلغة القرابات وموازينها شيئا على الإطلاق.

ليس في قول هذا اي دعوة لليأس والقنوط. فاليأس ليس ثمرة المعرفة بالشيء بل بقلة المعرفة به، بقلة المعرفة بالبنيان الاجتماعي الحقيقي لتشكيلتنا الاجتماعية. اليأس ثمرة تبني النموذج – الجوهر للاجتماع بما يمنع إمكانية التعرف على حقيقة الواقع الملموس، وبما يقود الى العزلة وتكرار الفشل تلو الفشل. البنى التي لم يدرسها كتابك لا تعني انها بنى غير ممكنة التجاوز بل تعني انها بحاجة الى كتاب آخر وبحث مختلف أو تناول مغاير.

وما دام الصراع الأساسي عندنا لم يصل بعدُ الى التنازع على فائض القيمة، التغيير، بسبب دخول الاستعمار واخضاعنا لمنظومة سيطرته وهيمنته ومنع نشوء الاقتصاد والدولة فلنعد الى الصراع الرئيسي، الهيمنة – التبعية، ولنركّب أولوياتنا انطلاقاً منه وانطلاقا من فهم حقيقي لاجتماعنا، غير إيديولوجي، حتى لا نرسل من جديد خيرة كوادرنا الى الطوائف التي لم نفهمها يوماً على حد اعتراف جورج طرابيشي.

:::::

“السفير”