محاورات في الاقتصاد السياسي: محاورة 6


الاقتصاد السياسي للإرهاب

وحتمية المشروع القومي

 

عادل سمارة

 

لا تزال رأسمالية المركز الإمبريالي هي المسيطرة عالمياً ولا تزال خطتها ومؤامرتها قيد التنفيذ والتجدد على صعيد كوني، هذا إضافة إلى أن تأزمها الاقتصادي يزيد من شراستها من جهة ويكشف نفاقها “الديمقراطي” من جهة ثانية. في هذه الأزمة  أخرج المركز الإمبريالي وهو في حقبة العولمة من جيبه جيوشا جديدة ليست من مواطنيه. وإخراج وتوظيف هذه الجيوش هو الوصول إلى الحرب الساخنة بدل الباردة وهي مرحلة وسطى باتجاه تخيير البشرية بين البربرية والاشتراكية.

هذا ما يتجلى في توظيف ملايين العرب والمسلمين لتدمير اوطان العرب تحديداً. وبالمناسبة من يتابع الحروب (التطبيقية) للمحافظية الجديدة سواء في فترة بوش أو اوباما والتي في قمة قيادتها تروتسكيين وصهاينة يهودا، يجد التطبيق غالبا في الوطن العربي (تقسيم العراق والسودان وليبيا وسوريا واليمن)  وليس بالطبع التدمير لأجل التدمير العبثي ، بل لأجل مشروع راس المال التاريخي وهو البحث عن الحد اللامحدود للربح وهذا في حالة العرب يشترط سحق المشروع القومي الوحدوي.

وكل هذا يؤكد مسألة هامة بأن الإمبريالية حتى وهي قلقة من الصين لن ترحل من هنا، رحيل من يترك قصرا جميلا لأهل البلد! ها هي تفجر لغماً كبيراً ولن ترحل كلياً.

 

المراتبية السياسية الاقتصادية

يقوم النظام العالمي الراسمالي حتى اليوم على مراتبية سياسية اقتصادية القرار الإداري  ومخزن أموال هذا النظام في واشنطن. بنيته السياسية ان الولايات المتحدة هي الدولة المستقلة الحقيقية وأوروبا اشبه بحكم ذاتي والمحيط مستعمرات تماماً (  Adel Samara, Development by Popular Protection vs Development by State, 2005)). وترجمة هذا اقتصادياً، أن راس المال الأمريكي عبر الشركات الكبرى ينتشر على صعيد عالمي وشريكه الأقل الأوروبي والياباني، وهناك عش صغير للصهيونية في بنية راس المال العالمي (كيانا ويهود العالم) وهذا ما يفسر العلاقة الحميمة بين المركز والكيان الصهيوني.

تقع البريكس وشنغهاي ضمن منظومة رأس المال العالمي لكنها تختط طريقا آخر هو بناء الدولة القومية ذا التوجه الإنتاجي اي قيادة طبقية برجوازية قومية ذات توجه إنتاجي يترتب عليه استقلال سياسي واقتصادي. وهي تتفاوت فيما يخص البناء الداخلي بمعنى أن الصين لا تزال تتمسك بجزء من البنية الاشتراكية كالقطاع العام  ولنقل اقتصاد السوق الاشتراكي، بينما روسيا باتجاه راسمالي أكثر.  بيت القصيد أن هذا التكتل يحاول الخروج من تحت عباءة الراسمالية الغربية الإمبريالية. وينافسها على طريقة السوفييت سابقاً.

والسؤال: هل تتحول هذه الكتلة وخاصة روسيا والصين إلى التوسع الإمبريالي الكلاسيكي؟ سواء بشكله العدواني والاستغلالي؟

هذا منوط اساساً ليس بتطور راس المال في علاقاته الخارجية من راسمالية استعمارية إلى إمبريالية إلى معولمة، وإنما كذلك مرتبط بدور دول المحيط ومقاومتها لهذا التوجه وقدرتها على بناء انظمة واقتصادات تستغل لحظة تراخي قبضة الإمبريالية الكلاسيكية نظرا لوجود قطبية أخرى، وأن تقيم علاقات اقتصادية على اسس من التكافؤ إلى الحد الأقصى من التكافؤ. وهذه العلاقات الاقتصادية هي التي تحدد العلاقات السياسية.

كيف ستؤول هذه العلاقة، هذا كما أشرت منوط بمقاومة بلدان المحيط ووجود انظمة غير كمبرادورية لأن هذا النمط من الأنظمة يستدعي الاستعمار لا يطرده. ولكن هذا الحذر والتخوف يجب ان لا يثني الدوله الوطنية في المحيط عن العلاقة مع البريكس ابداً لأن البديل هو السيطرة الراسمالية الغربية التي تؤبد التخلف بل تشعل حربا اهلية لحساب المركز الإمبريالي، ولأن إمكانية إقامة علاقات متوازنة اقتصاديا وعسكرياً أمراً ممكنا كما هو حال فنزويلا وإيران وسوريا. مقابل هذه الرؤية ينبح التروتسكيون واللبرااليون والمركز الراسمالي والكيان الصهيوني وحتى جهلة أنظمة الريع، بأن روسيا والصين اليوم أمبرياليتين تماما كواشنطن بينما هم انفسهم يقفون مع “ثوار الطوائف السنية والناتو ضد سوريا وليبيا والعراق.

لكن العلاقات الدولية وخاصة بين المركز وبقية العالم وخاصة المحيط لا تتوقف عند هذا الوصف التجريدي، بل هي تتمظهر في دور الشركات التي تمثل الطبقات الراسمالية في المركز بل هي، اي الرشكات،  جزء من السلطة السياسية  مما يضع الدولة في خدمتها وفي هذه الحالة هي بحاجة للدولة القومية التي هي قومية في البلد وإميريالية على الصعيد العالمي وهذا ما يعني الحكم المختلط الدولاني/الشركاتي.

فالحرب التي تُدار ضد الأمة العربية واشدها في المشرق ليست وليدة بضع سنوات سابقة. لقد كتبت منذ عشر سنوات بأن الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي تدير حربا أهلية ضد الطبقات الشعبية عبر القمع والتخلف واحتجاز التطور تسهيلا للتجويف السياسي والوعيوي وصولا إلى تسهيل تجريف الثروة بما هو المبتغى الأعلى.

بعد الحراك العربي انتقلت الحرب الأهلية هذه لتقودها مباشرة بقية قوى الثورة المضادة، هي حرب نيابة عن الشركات ولصالحها. ولذا، قد يكون أحد أهم الأسلحة ضد هذه الحرب هي: ضرب هذه الشركات كوجود وبُنى، ومقاطعتها ورفض التطبيع من بلدانها. هذا الرد هو أحد أهم اشكال حرب الشعب من أجل الحماية الشعبية.

والشركات هي التي تقبض على المحرك السياسي في المركز الراسمالي. فلو نظرنا في تحالف النخب الحاكمة في الولايات المتحدة لفهمنا الأمر أكثر. فهي: النخبة السياسية الإدارية في البيت الأبيض وهي نسيج من مختلف نخب هذا التحالف التي هي: نخبة مجمع الصناعات العسكرية، ونخبة مجمع الصناعات المدنية (وهاتين الأكثر تداخلاً بين مختلف النخب الحاكمة) ونخبة الإعلام والثقافة ونخبة المؤسسة الدينية وخاصة المحافظية الجديدة اليهو-سيحية. هذه معاً تشكل الطبقة الحاكمة المالكة في الولايات المتحدة. أما الحضور الاقتصادي العملي لهذه الطبقة فهو الشركات الكبرى.

 

ماكينة خطة المركز ضدنا؟

للإمبريالية ثلاثة جيوش في خدمة اقتصادها اي شركاتها اي الطبقة الراسمالية فيها وهي خدمة يرشح منها ما يخدر الطبقات الشعبية ويسوقها للقتال لصالح الطبقة الراسمالية.

إلى جانب الشكل الكلاسيكي للاستعمار اي الاحتلال العسكري المباشر للمستعمرات ومنه الاستيطان الاقتلاعي كحالة فلسطين، اشتغلت قيادات المركز على إطلاق جيش الثقافة والإعلام بنشر ثقافة الغرب الراسمالية وخاصة ثقافة السوق بمفهومها الاقتصادي وثقافة اللبرالية بمفهومها السياسي. وفي هذه الهجمة أنجزت اختراقات واسعة لا سيما في صفوف المثقفين في المحيط، فتشكل الطابور السادس الثقافي وهو خليط من لبراليين، ويساريين تروتسكيين وقوميين (مرتدين) ومتدينين ومنظمات الأنجزة  يجمعهم ولاء متنوع للغرب الإمبريالي: يلتقي في تقديس السوق ورفض الطبقات وتجاوز الوطن.

أما الأنظمة الحاكمة بما هي كمبرادور فهي الحليف الوضيع للمركز في تخليد التبعية واحتجاز التطور وفي حالة الوطن العربي الوقوف ضد البعد القومي وتخليد القُطرية وإحياء الطائفية والمذهبية والعشائرية وخاصة عبر تطوير اللاتكافؤ بين قطريات الوطن العربي.

هذا التقاطع بين أنظمة الكمبرادور، وخاصة الريعية ، والطابور السادس الثقافي عمل ولا يزال على تسهيل وتبرير التبعية للمركز والتي تجلياتها في الاستغلال ونهب الثروات من الوطن العربي، حتى وإن سمعنا بعض الخطاب الناقد للغرب فمن تحته تعمل السوق بكل فعالية وإتساق وتتحول الأرباح إلى المركز.

في حالة عجز الكمبرادور والطابور السادس الثقافي يتم الغزو العسكري ضد الأنظمة المستعصية أو المشاكسة أو المتمنعة عن إطلاق يد راس المال كما يجب، كما حصل ضد العراق وضد ليبيا.  وفي النهاية كل هذا إما لدخول الجيش الثالث او لتكريس وجوده وهو راس المال اي الشركات.

 

الريع وتوليد الاقتصاد السياسي للإرهاب

تقوم العلاقة بين راس المال بشقيه: راس المال الصناعي الإنتاجي والمالي والمضارباتي في الغرب (المركز) وبين المال الريعي في بلدان النفط العربية الخليجية المحكومة من سلطات الدين السياسي خاصة على اساسين:

  • اقتصاد التساقط
  • وتحديد المركز لآليات استخدام حصة انظمة الريع.

قامت هذه العلاقة بشكل خاص بعد الطفرات النفطية 1973 ومنتصف الثمانينات. في السبعينات على ثلاثة أسس او سياسات:

  • تمكنت الولايات المتحدة من استعادة فوائض النفط من حصة هذه البلدان عبر بناء شبكات البنى التحتية على يد الشركات الأمريكية (انظر كتاب: اعترافات قاتل اقتصادي).
  • واصلت هذه السلطات تحويل فوائضها إلى المصارف الغربية التجارية والحكومية
  • وفي حرب الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي دفعت هذه الدول أموال تجنيد القاعدة ووفرت الفرق الأولى من “المجاهدين” إلى أفغانستان. وهذه نقطة التحول الخطرة في دور وتوظيف راس المال هذا.

قد يقول البعض بأن اسامة بن لادن وآخرون هم من مول القاعدة ومجاهدي أفغانستان. ورغم أن هذا فيه مبالغة هائلة، ولكنه يستدعي اسئلة من طراز: كيف وصل المجاهدون العرب إلى أفغانستان؟ هل اخترقوا كافة هذه الحدود دون علم أحد؟ ألم تكن لندن إحدى محطات استراحة لهم في طريقهم علنا إلى أفغانستان؟ ألم يسمعوا حينها وحتى الآن بفلسطين؟  وإذا قلنا أن هذا حصل بنتسيق مخابراتي ومواصلاتي غربي مع بلدان منشأ هؤلاء المجاهدين، ألا يعني هذا تحالفا ليس بين هذه البلدان والغرب بل كذلك بين المجاهدين والغرب.

لنقل باختصار،  بأن القاعدة نشأت كتجمع لفرق من العاطلين عن العمل والبسطاء في إسلامهم ممن تم تثقيفها بالدين السياسي في السعودية ومختلف البلدان العربية ومن ثم تجنيدهم وتسليحهم وتدريبهم امريكيا والإنفاق عليهم من بلدان الريع النفطي. ولا شك أن تثقيف هؤلاء قام على رافعتين:

الأولى: انسحاب القوى القومية والاشتراكية في الوطن العربي سواء بهزيمة و/أو انحراف الأنظمة قومية الاتجاه، هزائم في مستوى الصراع مع الكيان والإمبريالية وفي مستوى التنمية والديمقراطية، او بهزيمة القوى والأحزاب القومية والاشتراكية التي تخلت عن أطروحاتها وانزوت أو حتى لحق بعضها بالأنظمة أو قوى الدين السياسي.

والثانية: قيام انظمة وقوى الدين السياسي بتعبئة هذا الفراغ بثقافات مذهبية وطائفية مضادة للقومية والديمقراطية والاشتراكية. وبالطبع غذت هذا بضخ مالي هائل على فرق الدعوة والنشر والإعلام…الخ

في هذا المناخ امتصت بلدان النفط وخاصة السعودية كثيرا من العاطلين عن العمل بتجنيدهم “للجهاد” فدخل في روعهم أنهم كسبوا الدين والدنيا، الدين بالجهاد ضد كل من يعتبرونه كافراً، والدنيا بالمال وخاصة كعاطلين عن العمل وفقراء وغير ممهَّنين.

وفي مستوى الوطن العربي وكثير من البلدان الإسلامية وحتى في بلدان غير إسلامية، دعمت بلدان النفط قوى الدين السياسي بالمال فأنشأ الإخوان، وخاصة المصريين الذين هربوا إلى الخليج في الفترة الناصرية  وخاصة السعودية وحولوا قطر عاصمة لهم ، أنشأوا شركات تجارية وشركات مالية كبيرة على مستوى محلي وإقليمي وعالمي، كما قاموا بإقامة مشروعات صغيرة خدماتية وتجارية وتصنيعية للكثير من عناصرهم وخاصة من الطبقات الشعبية وقياداتهم مما شكَّل بنية سياسية اقتصادية على شكل شبكة واسعة تخترق الحدود ماليا وتمحض ولائها لمشروع “أمة ألإسلام” وليس للوطن.

يترتب على هذا سؤال إشكالي:  إذا كان مما لا شك فيه أن انظمة الدين السياسي هي معادية للقومية العربية ومرتبطة وتابعة للمركز الإمبريالي ولا سيما الأمريكي، فهل كل من هو في أي من قوى الدين السياسي هو إرهابي؟

يصعب الفصل في هذا السؤال، وربما هو برسم ما يحدث اليوم في الوطن العربي وخاصة في سوريا والعراق ومصر. وما يمكن للمرء الجزم به بأن احتمال تحول المرء من ثقافة التكفير المغذاة من قوى الدين السياسي إلى إرهابي أمراً ممكناً طالما تم تمونه ثقافيا ونمويله حياتياً وبالتالي يصبح سهلا وصوله إلى الاعتقاد بكفر الآخرين وبالتالي يضع نفسه في موضع القاضي والجلاد معاً. وهنا الفارق بين الإيمان وبين الدين السياسي. فالدين السياسي طائفي ومذهبي متقاتل في داخله وهو ضد العلمانية والوطنية بينما الإيمان معهما.

لم تكن، ولا تزال، السعودية ومختلف بلدان الريع النفطي لم تكن قلقة من اتساع شبكات القاعدة. فهي تبني و تكسب وتشتري ولاء كثير من قياداتهم. كما أن الولايات المتحدة هي التي تدير مجمل عمل هذه الشبكات امنيا ومخابراتيا ولوجستيا بشكل عام. هذا إلى جانب أن تمويلهم هو من بلدان الريع النفطي هذه. على هذه الأرضية بدأ  الاقتصاد السياسي للإرهاب ويستمر كذلك.

حتى الآن، ليست مجموعات الإرهاب قوى مستقلة عن انظمة الحكم في الولايات المتحدة وبلدان النفط، فهي تلعب دور المقاتل الذي يحرق إلى أن يحترق بينما تلعب الأنظمة دور التجنيد والتدريب والتسليح والتمويل بالطبع. أما الولايات المتحدة فإضافة لكل ما تكسب، فهي تكسب تسويق الأسلحة والمعدات، ذلك الاستهلاك الكثيف وقت الحرب وهذا الدور الإضافي للشركات إلى جانب دورها في نهب الثروات وخاصة النفطية.

 

الاقتصاد السياسي لداعش:

من رحم القاعدة كانت داعش كأحد تمفصلات التحالف الأمريكي السعودي (النفطي عامة). امريكا تهندس المسار وتحدد الأهداف العامة وتوفر الخبرات اللوجستية والتدريبية بينما أنظمة النفط تقدم الضخ الثقافي التكفيري باسم الدين والضخ المالي والبشري. وفي النهاية يكون الحصاد بقاء كل شيء تحت العين الأمريكية وبما في ذلك بالطبع اقتصاد الشركات وأما الكيان الصهيوني فيشعر بتمديد وجوده من جهة ويقدم للثورة المضادة خبراته. لنتذكر تقديم خبرات الكيان في حرب المدن لجيش الاحتلال الأمريكي في العراق.

على أن الجديد هو الاقتصاد السياسي لداعش والذي اتضح في إقامة الدولة الإسلامية على آبار النفط، اي الاستقلال التمويلي اعتمادا على احتلال النفط وريعه بدل الاعتماد على الريع  المتأتي من انظمة الخليج الراعية. بهذا المعنى، تكون داعش قد احتلت ارضا ونفطا وشعباً معاً، وهذا يقلل من تبعيتها للدول النفطية التي رعتها. هي نظرية الاكتفاء واعتماد على الذات للتخلص من التبعية للسيد.  وهو اعتماد على الذات بنمط ريعي، فالقوى الإرهابية التي دمرت المصانع في حلب وباعتها بأسعار ضئيلة لتركيا ليست قوى بعقلية إنتاجية بل نهبوية بدوية تدميرية وهذا يفتح على سؤال كبير: هل هذه القوى ذات سياسات حكم واستقرار ام تدمير لأنها تعرف أنها ليست باقية وأن هذا دورها. يذكرنا هذا ببيع المصانع السوفييتية للشركات الغربية والنومنكلاتورا بأسعار ضئيلة!

حلم داعش بالاعتماد على الذات عبر الريع، يتقاطع مع ما يحلم به الكيان الصهيوني كما جادل  شمعون بيرس منذ عام 1985 بأن على الكيان الصهيوني أن يصل مرحلة عدم الاعتماد على الولايات المتحدة وهي نظرية حزب العمل الصهيوني.

ما مدى تمكُّن كل منهما في ما يريد هذا أمر آخر للبحث. بيت القصيد هنا أن الطرفين يتقاطعان في احتلال ما ليس لهما لا سيما إذا ما عرفنا أن معظم قيادات داعش هي من شرق أوروبا حيث مصدر اليهود الإشكناز.

وقد تكون داعش في هذا المستوى قد أخذت تجربة المنظمات الإرهابية في سوريا التي استغلت احتلالها لآبار نفط في المناطق التي سيطرت عليها وسمتها الساس غرف النفط وبيعه وشراء كل شيىء كما هي أنظمة الخليج.

وفي السياق نفسه لا تختلف كردستان العراق حيث تعمل على الاعتماد على نفسها مستولية على النفط في المناطق الكردية والمناطق العراقية التي احتلتها مؤخراً.

نحن إذن أمام حالة جديدة، تفتيت بلدان والاستيلاء على ريع النفط فيها. حالات تقليد للقطريات النفطية تشتركان معاً في رفض المشروع القومي العربي ومعاداته.

التطور المكمل لاستيلاء داعش على النفط والأرض معاً، هو قرار المركز الإمبريالي، هذه المرة أوروبا وبالطبع الكيان الصهيوني، شراء النفط من هذا الثلاثي (داعش والمنظمات الإرهابية الأخرى وكردستان العراق). وقرار هذه الدول هو جوهريا قرار الشركات الغربية التي طالما لعبت لعبة التلاعب بالأسعار. فهي تحصل على النفط المسروق والمغتصب باسعار تقارب نصف السعر الدارج في السوق الدولي.

على هذا تترتب أسئلة عديدة: إذا استمرت الظاهرة، هل سيجد العالم نفسه أمام منتج مرجِّح جديد منافس للسعودية؟ هل يمكن استغلال هذا للضغط على سعر النفط عالميا إلى الأدنى كحرب اقتصادية ضد روسيا اليوم كما فعلت السعودية في أعقاب الطفرتين النفطيتين ضد الاتحاد السوفييتي، لا سيما ان عائدات تصدير النفط تشكل جزءاً كبيرا من عائدات صادراتها؟ هل ستدخل الشركات الغربية مشترية هذا النفط في سوق المضاربات الدولية إذا طال الوقت؟

لعل الإجابة على بعض هذه الأسئلة في مستويين:

الأول: لا يمكن للشركات الغربية أن تشتري هذا النفط بمعزل عن موافقة الولايات المتحدة ومختلف الدول الغربية مما يعني ان الأمور تحت السيطرة بل إن هذا التهريب مخطط له .

والثاني: لا تزال السعودية خاصة وبقية أنظمة الخليج قادرة على تحمُّل الخروج الداعشي على قواعد العلاقة طالما ان داعش لا تزال تخدم الدور الأساس وهو تدمير الدولة في العراق وسوريا، اي الدولة العربية.

هذا يفتح على المسألة الأساس وهي أن هذه المنظمات الإرهابية حتى لو استولت على النفط والأرض، وإذا ما أفلتت من الارتباط بأنظمة الخليج، فهي لن تتمكن من تجاوز المخطط  الأمريكي والأوروبي على الأقل لأن هذه الدول كمركز دائما بيدها ضبط حراك الشركات.

حتى الآن، لا يزال الإرهاب مفيدا وضرورياً طالما يدمر سوريا والعراق حتى لو صغُر الهدف من إسقاط النظام السوري إلى تدمير البلد. فهذا التدمير يحتجز قدرة هاتين الدولتين في التنمية والمقاومة والممانعة لفترة طويلة قادمة.

هل يهدد هذا دولا كالسعودية بالتفكك؟ ربما، وهذا لن يكون مزعجا للولايات المتحدة طالما ان مزيدا من الدويلات هو تعميق للتبعية لها وبشروط (إذا كانت هناك شروطا لهذه الدويلات) أفضل.

تكمن المغامرة السعودية في الحلم بإسقاط النظامين في سوريا والعراق. وترى أن هذا الحلم يستحق تضحيات هائلة تقارب تفكيكها هي نفسها إذا ما فشل إسقاط سويا والعراق ذلك لأن المشروع القومي هونقيض هذا النظام المتوحش.

هل بوسع السعودية وبقية قطريات الريع النفطي وقف تقدم دولة داعش إذا ما قاربت المساس بها؟ هذا أمر يعود إلى القرار والسيناريو الذي تعده أمريكا للمنطقة. ومن ضمنه حماية  الكيان والمركز للأردن الذي يشكل السور الشرقي للكيان. نتذكر قبل 1967 أن الكيان كان يؤكد أن تحول الأردن إلى جمهورية او انضمامه للوحدة العربية يعني احتلال الكيان للضفة الغربية. وما حصل هو احتلال الضفة الغربية. لن تضحي امريكا بالأردن ما لم يكن البديل هو الوطن البديل، وهذا ممكن غذا ما تمكنت داعش من البقاء، وبقائها مستحيل لأنها نقيض المشروع القومي.

ولكن الأمر أكثر تعقيداً، فدولة داعش  هي نموذج حربي ريعي قريب جدا من الإقطاع العسكري التركي الذي كان يعيش على سلخ الفائض من المناطق التي تحتلها الدولة العثمانية وخاصة الوطن العربي، بينما يتخصص الترك في العسكر . فائض الآخرين يُنفق على دولة الإقطاع العسكري.

داعش تعيش على الفائض، على ريع دون شغل لقوة العمل التي تتغذى ثقافيا بالتكفير وماليا بالنفط، وتتخصص في حروب مع  محيطها، حروب دائمة. وليس ما يُسعد امريكا والغرب والكيان أكثر من هذا.

لذا، فإذا ما تأخر مسح دولة داعش هذه، فإنها يمكن ان تتجه ضد السعودية. ولا تحتاج داعش سوى القول بان السعودية ارض كفر. هل ستستطيع أم لا، وهل ستسمح امريكا بذلك أم لا، وهل تصل داعش لحظة الخروج على الإملاء الأمريكي طالما صار بيدها الريع؟ لا نعتقد ان الحبل سوف يُكال لها لترعى كل هذا. ومع ذلك كل هذه الأسئلة مفتوحة.

من المشروع التساؤل: ولكن كيف تحصل منظمات الإرهاب على بيئة حاضنة؟

بداية، فإن تفكيك الدولة الوطنية يعيد المجتمع إلى عناصره الأولية بحيث يحاول المرء البحث عن أمانه الخاص. وهنا تكون الطائفة  متراكبة مع العشيرة هي المآل. وهذا ما تحتضنه منظمات الإرهاب باحتواء شباب ثقافتهم تكفيرية، ليسوا طبقة عاملة وليسوا بوعي عمالي ولا طبقي، كما أن ثقافة التكفير  عبئتهم ضد الدولة وقدمت لهم ريعا بدون شغل بل بتشغيل في القتل. ومع ذلك لا يزال تروتسكيو سوريا والعرب والعالم يعتبرون ما يجري في سوريا ثورة طبقية؟ بروليتاريا داعش والقاعدة والناتو!

هنا يدخل بقوة العامل السيكولوجي والاقتصادي بمعنى توفر الريع وتوفر السلاح وثقافة التكفير  وعقد النفص  السابقة في ظل الدولة التي كانت تضبط الأمن. وعليه، بين البندقية وكيس النقود وفتوى جهاد النكاح (انظر عادل سمارة: جهاد النكاح سياسي لا ديني) يتحول هؤلاء إلى بيئة حاضنة بل قوة قتل.

ومن هنا يكون الخطر على أنظمة النفط نفسها على ضوء كفاية داعش ريعياً، والحصول على ضوء اخضر او تغاضي أمريكي.

مؤشرات المستقبل:

لم يكن أحدا ليتصور أن القطبية السوفييتية سوف تذوب  بلا مقاومة تاركة المشهد لأحادية قطبية راسمالية متوحشة، وبأن فرصة المركز الراسمالي في الاستعمار العسكري سوف تتجدد. وإذا كان هذا مستبعداً، فالأقرب إلى المستحيل كان أن تصل أنظمة الدين السياسي التابعة والريعية إلى مرحلة الهجوم على الأنظمة الجمهورية التقدمية وهو هجوم جوهره ضد القومية العربية ولم يكن ليحصل لولا  انهيار القطبية الاشتراكية.  ولا شك بأن فردانية القطبية الراسمالية قد انتقلت من حماية أنظمة التبعية النفطية إلى توظيفها ضد  القومية العربية بما هي العدو الحقيقي والدائم للإمبريالية والصهيونية.

وعن عدوان انظمة الريع النفطي وخاصة السعودية وقطر والإمارات، تولد تنظيم داعش وغيره من قوى الدين السياسي التي احتلت أجزاء من سوريا والعراق. إذن نحن أمام تحالف تقوده الثورة المضادة ووقوده الطبقات الشعبية العربية وفقراء القوى الإرهابية.  وإذا كان متوقعا دوماً أن يسعى الأكراد للانفصال والاستقلال، فلم يكن متوقعا من كثيرين بان تتحول كردستان العراق إلى أداة للكيان الصهيوني وإلى قوة احتلال لأراض عراقية.

في الموقف من المشروع القومي العربي، فإن داعش قد دفعت هذا الموقف درجة جديدة إلى الأمام. فقد انتقلت خطوة تطبيقية في هذا المستوى لم يقتصر على إسقاط النظام كما حصل في ليبيا، بل اسقطت الحدود معلنة دولة الخلافة الممتدة بلا حدود. هل يتناقض هذا مع المشروع الأميركي بتفتيت المنطقة إلى كيانات إثنية وطائفية ومذهبية ؟ لا يتناقض بل يمهد لذلك، لأن داعش وشبيهاتها لن تصمد لمدى طويل في الصراع مع العراق. وحين تقترن لحظة التسويات الكبرى مع قوة تحرير عربية للعراق يغدو أن الإرهاب  استنفذ مهمته. وما نقصده بأن داعش وهي تبدو منفلتة تماماً هي مرتبطة جيداً.

يمكننا تلخيص صورة الوضع العربي الحالي على النحو التالي:

 

معسكر الثورة المضادة من العرب بقيادة الإمبريالية والصهيوينة: والمكون من

  • أنظمة الدين السياسي التابعة والمتخارجة مصلحيا  والمتمسكة بدولتها القطرية وثقافة المذهبية والطائفية، والمضادة للقومية العربية إلى درجة العدوان على الدول العربية ذات التوجه العروبي. والتي انتقلت من الحياد الشكلي في الصراع العربي الصهيوني إلى الانحياز للكيان الصهيوني. هذا نتيجة ضعف المشروع القومي لأنها ما كانت لتجرؤ على ذلك.
  • قوى الدين السياسي ذات التوجهات الكوزمزبوليتانية أي اللاوطنية وهي تلتقي مع انظمة الدين السياسي ضد القومية العربية وتختلف معها في الموقف من الدولة القطرية لصالح الخلافة ألإسلامية. ولصالح انظمة وقوى الدين السياسي يقف لفيف من الطابور السادس الثقافي.

 

ومعسكر المقاومة والممانعة

وهو معسكر صاعد حقق كثيرا من الإنجازات، ويتعرض لهجمات متكررة من الثورة المضادة. ولكن بقدر ما أن الثورة المضادة متماسكة بقدر ما ، معسكر المقاومة والممانعة غير قادر بعد على استقطاب حقيقي وواسع لمصدر قوته الحقيقي وهي الطبقات الشعبية.

وهنا أود الإشارة إلى مسألة في غاية الأهمية: بعدما كانت الجماهير في كافة أرجاء الوطن العربي داعمة للتوجه القومي والاشتراكي وحينها كانت الحرب الإعلامية (رغم تواضع الأدوات) على اشدها بين المنحى القومي الاشتراكي وبين أنظمة التبعية والكمبرادور والدين السياسي التي كانت في حصار خانق أمام المد القومي والتي كانت فقط محمية (كما هي اليوم) من قبل جيوش الإمبريالية والصهيونية، بعد هذا كانت هزيمة 1967 التي كان هدفها هدم المشروع القومي العربي.

وكما اشرت سابقاً، فإن الأخطر من الهزيمة هو انسحاب القوى القومية والشيوعية من ساحة المنازلة الفكرية وانسحاب الأنظمة القومية (سوريا العراق ولبيبا والجزائر) من ساحة الصراع الإعلامي. كانت تلك فترة ما أُسمي التضامن العربي والتي من كوارثها صمت القوى التقدمية والقومية عن الرجعيات. ويمكن تلخيص هذا في بضع نقاط:

الأولى: توقف حملات الأنظمة القومية الإعلامية عن كشف وفضح الرجعيات كمستعمرات للإمبريالية مما سهل تغطية كونها أنظمة عميلة. وكان مما وراء ذلك رشى من أنظمة النفط لكثير من القيادات في الدول التقدمية.

الثانية: استمرار الإمبريالية والصهيونية في النشر العدواني المتواصل ضد الأنظمة القومية وشيطنتها ووصفها بالديكتاتوريات  بينما تمارس الصمت المطبق على سياسات انظمة النفط التي حتى الآن تعيش حالة قمع عقلي شامل وتحويل المواطنين إلى فريقين: 1- الأغنياء والمقربين مجرد افواه آكلة 2-وفقراء لا يُعرف حتى عددهم ببشكلون معينا كبيرا لقوى الإرهاب.

الثالثة: توجه الرجعيات النفطية خاصة بعد الطفرة النفطية إلى رشوة قطاعات من الشعب العربي بما يسمى أعمال خيرية باسم الدين وفرق الدعوة بعشرات الالاف والمنشورات المتخلفة مما عبىء الفراغ الفكري الذي تركته القوى القومية والاشتراكية. بينما كانت هذه الرجعيات تحول إلى المركز الإمبريالي مليون دولار مقابل كل دولار خيري وكانت تساهم في تمويل كافة حروب امريكا ضد العالم ، ضد ثوار سيلان (سيرلنكا) وضد نيكاراغوا وضد دول امريكا اللاتينية…الخ

الرابعة: عجز القوى والبلدان القومية حتى عن شرح حالها، مثلاً، حتى اليوم لا تعرف اكثرية العرب ان الطب والتعليم مجانية في سوريا الفقيرة ولا ان فيها قطاع عام وإصلاح زراعي، ولا تعرف ان العراق كان يعطي منحا تعليمية لكل بلد عربي ولا انه أمم النفط وكذلك فعلت الجزائر وليبيا  ولا أن ليبيا كانت قد بنت النهر الصناعي العظيم أو بادرت لإقامة صندوق نقد إفريقي.

والخامسة: أن هذه الأنظمة القومية كانت في حرب إعلامية ضد بعضها البعض مما سمح بتسلل أنظمة وقوى الدين السياسي إلى العقل الجمعي العربي.

وبعد، فإن مواجهة هذا العدوان تشترط روافع لا مندوحة عنها:

 

الحزب العروبي:

لعل العدو الأول لأنظمة الريع لنفطي هو الوعي السياسي والفكري والذي هو الحزب. ولذا، فإن مشروع تجديد النهضة العربية يشترط وجود الأحزاب السياسية التقدمية بالحد الأدنى والأحزاب الوحدوية والاشتراكية. فهي التعبير الوحيد عن مصلحة الطبقات الشعبية والأمة عامة وهي كاشف خطورة الرجعيات  ودور الكيان الصهيوني والناقد الحقيقي للأنظمة التقدمية.

إن انزواء الأحزاب التقدمية وانشغالها في معاركها الداخلية وتذيُّل كثير من قياداتها للأنظمة أو ارتداد كثير منها إلى الدين السياسي قد توازى مع خلل الأنظمة التقدمية لتكون نتيجة ذلك خدمة خبث الإعلام الإمبريالي والصهيوني من جهة وتسلل انظمة وقوى الدين السياسي إلى العقل الجمعي العربي. وإلا كيف كانت الطبقات الشعبية قومية ووحدوية واشتراكية في الستينات وكيف اصبحت طائفية ومذهبية اليوم؟ وقد يكون معيار فهم المعادلة  كالتالي: كيف تفهمت الجماهير الاشتراكية بالتطبيق العملي وإن كان تطبيقا أولياً، بينما لم تقم الأحزاب بحماية هذا التطبيق بالتعبئة الفكرية؟

 

الطبقة لا الطائفة

الطائفة والمذهب هي الوجه المشوه للدين كثقافة شعبية. ولا يمكن صد هذا التشويه دون اعتماد الثقافة العلمانية. والثقافة  العلمانية لا تقوم على سن القوانين وإنما على وجود أحزاب تمثل الشعب من ناحية وطنية عامة وتمثل الطبقات الاجتماعية ومصالحها الذاتية والقومية.

ولكي لا تكون  العلمانية سطحية وقشورية ومطروحة عبر نصوص قانونية فقط، فإن مستويين من الشروط لا بد من تحقيقهما:

الأول: وجود حالة تصنيعية تنقل الفرد من الانحصار في الثقافة الطائفية والمذهبية ومن التبعية

لبرجوازيتهما إلى كونه مواطن يشتغل وينتج وله حقوقه بناء على دوره الإنتاجي والاجتماعي وهذا ما يؤهله لتفهم العلمانية والمواطنة ومن ثم الحزبية.

والثاني:  في غياب الأول (أنظمة الريع النفطي)  أو تدهوره (حالةمصر) يكون دور العمل الحزبي التثقيفي اساسي. وقد لا يُغني لوحده لكنه الخيار الوحيد الذي يمكن أن ينقل قطاعات شعبية عبر الحزبية غلى ثقافة العلمانية ومن ثم الوطنية والقومية والاشتراكية، هذا إلى جانب الضغط المواصل باتجاه التصنيع والإنتاج.

لا ننسى أن أنظمة الكمبرادور، وهي انظمة طبقية بشكل فاقع هي انظمة في الوقت نفسه حاضنة للطائفية والمذهبية ومولدة لها. ولعل الوهابية السعودية اقبح الأمثلة. وهذه الأنظمة تلجأ لتدعيم مركزها لآليات منها:

أولاً: تلجأ أنظمة الريع النفطي إلى رشى قطاعات من المجتمع بإشباعها وشرائها ماليا، وإلى الضخ الديني السياسي للفقراء ومن ثم تجنيدهم في جيوش القاعدة وداعش، فتتخلص من بطالتهم من جهة وتمثل الحرص على الدين من جهة ثانية.

وثانياً: لجوء الأنظمة غير الريعية إلى بناء جهاز بيروقراطي هائل مرتبط معيشياً بالسلطة الحاكمة ليكون درع الدفاع عنها من جهة، كما تُبقي على الطائفية والمذهبية والعشائرية. وهو أبقاء من حيث الاعتراف بها وتقديمها على الدين نفسه من جهة، وتغطية على تمسُّكها  بالقطرية وعدم التصنيع بتوسيع قطاع الخدمات لا الصناعة والتصنيع الزراعي من جهة ثانية.

 

تفعيل الشارع: كما نلاحظ فإن الشارع العربي دائما أمام خيارين:

  • إما التفعيل القومي الثوري من قبل القوى التقدمية عامة وهو ما كان في خمسينات وستينات القرن الماضي حيث كانت الطبقات الشعبية العربية مع القومية والوحدة والاشتراكية.
  • أو التخدير بطوفان الإعلام الغربي وإعلام الدين السياسي والرشوات للأحزاب  والنخب السياسية والدينية والتخدير بالإعلام الفضائي من حيث إثارة العنف الجنسي على الشاشات والفيس بوك بعرض أجساد النساء على شباب وفتيات في مجتمعات مكبوتة جنسياً وذلك لنحقيق تعلق جنسي فردي بأجساد افتراضية من جهة ولإهلاك اي تفكير او علاقات جمعية ذات هموم عامة من جهة ثانية. وقد رأينا نتائج هذا منذ احتلال العراق على الأقل حيث كان الشارع العربي متفرجا ولا يزال.

وحين حصلت الحراكات العربية في السنوات الثلاث الأخيرة، تم اغتيالها بالثورة المضادة بسهولة بالغة وتحولت إلى مجرد صراخ الملايين في الميادين متصورة أن هذه هي الديمقراطية! (انظر عادل سمارة، كتاب: ثورة مضادة ، إرهاصات أم ثورة 2012)

 

تثبيت الجيوش الوطنية لا حكمها

بعد إجهاز الثورة المضادة على الأنظمة القومية بدءا من الناصرية وعلى الوعي القومي والاشتراكي، وصولا إلى احتلال البدان ذات الأنظمة التقدمية والقومية، وصلت إلى حل الجيوش الوطنية كما في العراق وليبيا ومحاولاتها في سوريا وحتى في لبنان.

ومن هنا، فإن بقاء الجيوش كحامية للوطن ومنع تحويلها إلى اجهزة شرطة لا علاقة لها بحماية الوطن وبلا عقيدة وطنية، هذا البقاء هو أمر حاسم في حماية المشروع القومي المتجدد وروافعه أي الحزب والطبقة وهدفه الوحدوي والاشتراكي.