الاشتباك إكسير الحياة، والمال إكسير من يشيطنوننا

عادل سمارة

صحيح أن العدو يؤلمنا في شعبنا وأهلنا، وهو يقصد ذلك تماما ليس فقط سياسياً بل لأنه يحمل حقدا تاريخيا على البشرية عامة وعلى العرب والفلسطينيين خاصة. نعم ايضا على العرب.

دعك من عملائه في الإعلام والثقافة والسياسة. اليست سوريا وإيران اللتين تسلحان المقاومة؟

ألم يستشهد في فلسطين ومن أجلها الالاف من المتطوعين والجنود المصريين والأردنيين والسوريين ومن كل الأقطار العربية؟ من البؤس الحقيقي ان نرى العرب فقط في ثوب العملاء.

وصحيح كذلك أن هناك بعض النخب العربية التي تتمتع بما يقوم به العدو، وتشيطن شعبنا جميعه ارتكازا على خطايا بعض قادة حماس وتورطهم في أحضان انظمة وقوى الدين السياسي. ولكن حماس ليست النخب بل المقاتلين. هذه النخب العربية المرتبطة لا يوجد تفسيراً لما تقوم به سوى أنها تتلقى أجرا على ذلك. لا تستغربوا، فالإفراج عن ملفات الولايات المتحدة تبين أن ملوكا ورؤساء عربا كانوا على كادر تلقي راتب شهري من المخابرات الأمريكية. هل تتخيلوا ملكا او رئيسا في بلد هو فيه “ظل الله في الأرض” اي بوسعه اغتصاب أملاك اي شخص، ومع ذلك يتلقى راتبا من المخابرات!!! فما الذي يقنع اي عقل أن مذيعة، او قائد حزب، أو صحافي أو كاتب متوسط القامة أو شاعر لا يقبض مقابل دوره في تقويض العمق العربي للقضية الفلسطينية؟

قصف هؤلاء لا يقل خطورة عن قصف الكيان بالطائرات لأهلنا في غزة. بل قصف هؤلاء اشد خطورة لأنه قصف ثقافي وسلعة الثقافة معمرة أكثر من اثر القنابل. أثر القنبلة يزول بحياة ابن الشهيد من بعده وببناء منزله كما تبرع كثيرون في الخليل لبناء بيوت من قام بقتل الضابط الصهيوني وليست الحالة الوحيدة.  واعذروني لا يزول في غزة ببناء قطر بيوت الضحايا لأن أموال قطر تبني بيتا وتهدم وطناً. أما تعميق ثقافة الاستسلام فتنتقل من جيل إلى جيل. اليس هؤلاء الذين يشيطنون شعبنا من تمفصلات ثقافة عبد العزيز آل سعود الذي كتب بخط يده إعطاء فلسطين لليهود، وثقافة الاعتراف بالكيان منذ عام 1947 من قبل كثير من قيادات شيوعية ليست من الشيوعية في شيء، وثقافة كامب ديفيد واوسلو-ستان، وقبل ايام ثقافة تركي ونايف اولاد عبد العزيز آل سعود الذين يحلمون حلماً ب “سلام” مطلق مع الكيان على حساب دم شعبنا.

مرة خرى، مؤلم  حتى الاستشهاد، ولكنه ليس عبثاً ولا عبثيا.

قد يتخيل البعض أن العدو يقود الاشتباك الحالي بقوته النارية (الأمريكية-تذكروا الأمريكية)، ولكن هذا ليس صحيحاً. فمجرد الاشتباك مع العدو نكون في لحظة جديدة مختلفة تماماً هي أن القضية حية وأن لجوء العدو لنار اكثر دليل نزق أعلى. صحيح أن قتلاهم قلة، ولكن متى كان العدو يرتعب من صفارات الإنذار وينتظر صفارات بعد أخرى بدل أن كان في جميع اجزاء المحتل 1948 يسمح بتهوفن بينما طائراته تقصف أكثر من قطر عربي؟

لعل مثال جنوب إفريقيا اشد وضوحاً. لنتذكر أن النظام العنصري الأبيض هناك طالما قصف الدول الإفريقية الجنوبية المحيطة به لأن المقاومة كانت تتخذ منها قواعد لها، انجولا وموزمبيق وغيرها. وفي النهاية تعبت الطائرات وسقط النظام العنصري.

■ ■ ■

غزة ملامح الاستثمار والحجود

تخوفت منذ بداية الانتفاضات الموقعية والموضعية في الضفة الغربية، ومنذ بدء العدوان الموسع والمتجدد والنازي بامتياز ضد غزة وباسلحة أمريكية وغربية ورضى من الغرب الرسمي جميعه تخوفت من استثمار الدم سواء لسوء إدارة ام لسبق إصرارا.

كما لست مع العودة للماضي الطازج لحماس في اصطفافها ضد سوريا واستهبال الناس بأن مشعل لبس علم الاستعمار الفرنسي بالخطأ! إذا كان الرجل ساذجا هكذا، فلا يليق ان يقود خلية حزبية صغيرة إلى المسجد.

ولكن حديث اسامة حمدان الذي لم يشكر سوى قطر وتركيا هو حديث من يصر على البقاء في معسكر الثورة المضادة. عجيب المقاتلون يقولوا الوطن أولا والسياسيون يقولون الإيديولوجيا والمال اولا وأخيراً. وهذا يؤكد أن الاستثمار قد بدا يعلن ملامحه، وأخشى أن يكون ضمنه اغتيال كثير من قادة المقاتلين. كيف، لا ادري ولا اريد أن أدري.

حتى زياد النخالة أمس على فلسطين اليوم تجاهل التسليح السوري الإيراني لولا ان السيد فؤاد أبو حسنة جره (بالكرتة) ليقول جزءاً ضئيلا مما يجب ان يقال. أنظروا كيف يقدِّس الصهاينة الغرب على ما فعله لهم ويفعله؟ أليست هذه عملية تطفيش لمن دعم المقاومة حتى وهي تطعنه في الظهر!. أخشى اننا أمام مذبحة الاستثمار بعد مذبحة الدم.

■ ■ ■

 

يليق ذُلُّ الوساطة ب قطر لا بمصر

 

بداية، لن توقف الوساطة المصرية عدوان الكيان الصهيوني الإشكنازي على غزة. ليست لمصر تلك القيمة عند الكيان أو القوة الذاتية لتوقف إحداهما العدوان. هذا التقوُّل من جانبي لا علاقة له بمن يستغلون دماء الشهداء والجرحى للدفع باتجاه التهدئة المصحوبة بذل كامل.

هل النظام المصري الحالي ضد حماس، نعم وبالتأكيد. وهل وقفت حماس مع مرسي ضد النظام الحالي نعم ايضاً. حماس لم تحسب الأمور عقلانياً، وربما نسيت أنها على حدود المحتل 1948 وأن العدو يفكر يومياً في توسيع نطاق عدوانه. حماس القيادة أخذتها الإيديولوجيا بعنف ضد مصر. وورطتها قطر الأب والإبن في إطاعة المرشد.
عبد الفتاح السيسي ليس عبد الناصر وليس قائد ثورة. كان حاذقا حينما استثمر حراك عشرات الملايين ضد حكم الإخوان. لقد أدار المعركة بنجاح ضد الإخوان، حيث أنهى نظاما رفضته الناس. نظام كان يعد الوطن العربي بنظام الدين السياسي، لا مساواة للمرأة، نظام أعلن الحرب على سوريا لكي تتقاسمها تركيا والكيان والطوائف والمذاهب.

لكنه نظام استنفذ نفسه كما يبدو هناك. والأيام وحدها التي ستبين إن كان تخيل ان المصريين يكتفون فقط بإزالة آثار الإخوان وإبقاء آثار البطالة والنهب والجوع والتجويف والتجريف وكامب ديفيد…الخ. أي إن كان يعتقد أن نهج مبارك يمكن تكراره. فحين يسعى رجل لحكم بلد مهترىء بكل المعاني، يكون هذا الرجل كمن أتى ليطلق رصاصة الرحمة على بلده. فاي مكسب حقق؟

صحيح أن تعمير مصر ليس مجرد تصليح سيارة بعد حادث اصطدام. هذا أمر يتطلب وقتاً وإمكانات. وهذا يورط السيسي طالما ليس ناصريا في الاستدانة وممالئة الطبقات الطفيلية والكمبرادور. لذا، فهو كما يبدو يستنسخ المباركية داخليا، بدل أن يستثمر الدعم الشعبي الذي حاز عليه في 30 يونيو لتخليص ثروات هائلة من انياب رجال الأعمال وباقي شرائح البرجوازية. كانت اللحظة الشعبية قادرة على السماح له باستعادة مليارات هائلة من ايدي هؤلاء. لحظتها كان هؤلاء في أضعف حالاتهم. لم يفعل، فهل السبب أن الملايين الثلاثين ليست معه؟ أم لأنه امتطاها ليُعيد الاعتبار للبرجوازية التي بالتأكيد لم تتظاهر في الميادين؟

بإيجاز، كان السيسي بين أحد خيارين:

الأول: إغلاق أبواب مصر وتحرير الكثير من الأموال المسروقة. حينما اشتعلت الثورة البلشفية لم تكن روسيا افضل حالا من مصر اليوم.حينها قال لينين للجنة المركزية ارفعوا شعار: “إسرقوا الأموال المسروقة”. حينها قال بوخارين: “وقف شعر رؤوسنا، هل نتحول إلى لصوص، ثم يكمل، لكننا اكتشفنا أننا جميعا كنا مسيحيين وأن لينين كان الشيوعي الوحيد بيننا”. وصمد الاتحاد السوفييتي ولم يكن مع البلاشفة أكثرية الناس بعد وصمد أمام غزو مليون ونصف جندي غربي ضده.

والثاني: فتح ابواب مصر بل تخليعها لتدخل أموال الريع النفطي السعودي ووصفات المصرف الدولي والمصارف التجارية الغربية وطبعا الشركات التي هي هناك اساساً وهذا يلقي عبء التمويل على الطبقات الشعبية، على الذين تظاهروا ضد مرسي!

ذات يوم قال في لندن د. عبد العزيز حجازي. يسمونه مهندس الانفتاح الاقتصادي في مصر السادات، قال: “فتحنا الباب قليلا لكن الريح كانت قوية فخلعته”. هذا مهندس خراب مصر. يبدو أن السيسي يستمع لأمثال حجازي.

لنترك هذا للمصريين.

في مستوى آخر، يقوم السيسي بجولات واتصالات إقليمية، من الجزائر إلى العراق إلى السودان. وهذه تؤشر إلى رغبة في تجديد دور مصر الإقليمي وليس واضحا أنه دورها العروبي. ومع ذلك هذا امر جيد، شريطة أن لا يكون محدودا بسقف استراتيجي تضعه الإمبريالية الأمريكية وسقف مالي تضعه السعودية. ولنترك هذا للزمن.

لكن الراهن هو التهدئة. بالأمس طالب السيد رمضان عبد الله أمين عام الجهاد الإسلامي، طالب مصر بأن تعود لدور الوساطة المباركي والمرسوي.

وأعتقد ان هذا الدور مُذلٌ أكثر لمصر. هو دور وضيع يفقدها وزنها، ويكرس ذل كامب ديفيد وجريمة الحكام المصريين في الاعتراف بالكيان من السادات وحتى السيسي. دور مصر وواجبها ان تكون قائدة للصراع مع الكيان وليس وسيطاً وضيعا لا يحترم الكيان حتى وساطته وما اتفق معه عليه.

هل يحاول الكيان تطويل العدوان إرضاء للسيسي ضد حماس؟ إن كان هذا هدف السيسي حقا؟ أم أن امريكا والكيان يبتزان مصر بتطويل العدوان كي تضطر للوساطة وخاصة مع ضغوط الدم وصراخ من يريدون تهدئة باي ثمن حتى لو بهدر الدم؟ لا ندري.

إن توسط مصر هو هدف صهيوني امريكي لتبقى مصر على سكة الاعتراف بأن وطننا فلسطين هو للكيان الصهيوني.

إن بداية خروج مصر من كامب ديفيد هي في عدم الوساطة وفي عدم معاقبة الشعب الفلسطيني بجريرة حماس. بل إن على مصر أن تتصرف كدولة بمعنى أن لا يكون موقفها تجاه حماس هو موقف الحاقد لأن هذا لا يجوز لا قوميا ولا سياسياً. مصر لو كان حاكمها قوميا لفتح المعابر والأنفاق وأرسل على الأقل الأدوية واستقبل الجرحى، وهذا عمل سقفه أقل من قومي هو عمل إنساني يليق بدولة تحترم نفسها.

إن وساطة وضيعة هي من مقاس كيان تابع ومخرِّب ولا قومي مثل قطر ودولة خطيرة مثل تركيا. ودور الوساطة تكون لقطر هدية كي تتقرب من الكيان في منافسة لتقرب السعودية إليه كما فعل من يسمون أمراء آل سعود “نايف وتركي” وهذا المعلن.

ما يجب ان يقوم به السيسي هو على الأقل تقييد عملاء الصهيونية في الإعلام المصري الذين باسم حب مصر يقومون بقوادة واضحة على الهواء والفضاء لصالح الكيان. يزعمون انهم ضد حماس وهم ضد مصر.

فلتتنافس البغايا (من الجنسين)على الفحل الصهيوني ولتبقى للمحروسة بعض الكرامة.