القوميّون السوريّون

ثريا عاصي

ليس إدعاء بمعرفة عن الحزب القومي السوري، ولكن لأن القوميين السوريين يثيرون عندي في هذا الزمان الملتبس، حب الإطلاع والفهم. أعترف بداية وهذا تقصير بالقطع، أني لم أقرأ كتابا واحدا من كتب مؤسس الحزب أنطون سعادة. كل ما أعلمه جاءني عن طريق أصدقاء يزعمون أنهم انتسبوا إلى الحزب المذكور. لا يـُقيـّم الفكرُ اي فكر بما هو فقط ولكن بما يولّدُ هذا الفكر من أفكار جديدة أيضا، تلائم العصر بمتغيراته ومتبدلاته! فالذين يحنطون الأفكار والعقائد ويمنعون عنها النور، إنما هم كمثل حراس المتاحف يعرضون ما تحتويه أمام الزائرين مقابل ثمن بطاقة الدخول.
مجمل القول، سأكتب عن أشخاص لا أعرفهم بل عن أسمائهم التي تلمع بين الفينة والفينة في ظلمة ليلٍ طويل، في لحظات مفصلية، فتضيء الطريق امام التائهين والمعذبين في بلاد الشام، كلما كانوا على وشك السقوط في الهاوية.
اما عن الفكر فلم أحفظ عنهم سوى أنهم علمانيون يريدون تنظيم الأمة السورية وتمكينها من بلوغ الأفضل والأجمل في المجالات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والفكرية والمناقبية. نعم المناقبية. يقول هؤلاء العلمانيون في موضوع الدين «كلنا مسلمون لرب العالمين منا من أسلم لله بالقرآن ومنا من أسلم لله بالإنجيل ومنا من أسلم لله بالحكمة». بالمناسبة، لا تزال عالقة في الذاكرة، جملة من رسالة كتبها عبدالله سعادة من سجنه، وكان رئيسا للحزب، إلى زوجته: «إذا حلـّق نسر قبل أن تقوى جناحاه أو كمن له صياد فهوى بشروا الدجاج بفضائل القن».
هذا بإقتضاب كل ما لدي. علما أني لا أتفق بالضرورة، مع الذين يقدسون التعابير والمصطلحات والنصوص دون أن يأخذوا بعين الإعتبار تاريخيتها أي الظروف والمعطيات التي أملتها. أقول الشيء نفسه عن الطرق والأساليب التي انتهجها الحزب القومي السوري في الماضي، بصرف النظر عن الصحيح والمغلوط منها.
أما ما حملني على تناول هذا الموضوع، فهو تواجد هؤلاء القوميين السوريين بشكل أو بآخر على جميع جبهات التصدي للعدوان الذي تتعرض له البلاد السورية. فبالامس قرأت بيانا باسم المقاومين القوميين السوريين، في قطاع غزة. وكما لا يخفى، يقاتل القوميون السوريون ذودا عن سوريا. بمعنى أنهم يظهرون في كل المشهد من سوريا إلى قطاع غزة. بل هم يكادون أن يتفردوا بحضورهم في كل مكان عن الأحزاب والحركات السياسية العربية الأخرى، أو ما تبقى منها، تلك التي تقاتل ضد المستعمرين، وليس تلك التي تخوض الحرب نيابة عنهم. فأنا أزعم ان الإسلاميين، الإخوان المسلمين والوهابيين هم حلفاء الولايات المتحدة الأميركية عبر وكالائهم في إمارات الخليج وفي الحكومة التركية برئاسة أردوغان المريض بداء العظمة !
من البديهي في هذا السياق أن نذكر مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي، أنطون سعادة، الذي أمر حسني الزعيم الذي قاد إنقلابا عسكريا سنة 1949 وصار رئيسا على سوريا، بإعتقاله وتسليمه إلى السلطة اللبنانية، ممثلة ببشارة الخوري ورياض الصلح، التي أخضعت انطون سعادة لمحاكمة صورية ثم نفذت حكم الإعدام فيه في 8 تموز1949. أغلب الظن أن خطة التخلص من أنطون سعادة كانت معدة مسبقا، بدليل أنه أعدم بعد يوم واحد من تسلم السلطة اللبنانية له. تجدر الإشارة هنا إلى أن حسني الزعيم كان يحظى بتشجيع ودعم من الولايات المتحدة الأميركية. في حين أن القوميين السوريين بدأوا منذ سنة 1932 النضال من أجل وحدة البلاد السورية وتحريرها من المستعمرين، ومن أجل هدم الحواجز الطائفية والمذهبية بين الناس ودمجهم في أمة واحدة قادرة على السير في طريق نهضتها.
لا جدال في أن الأطراف التي أضطهدت القوميين السوريين تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية عن إيصال بلاد الأرز إلى ما هي عليه من فوضى وفساد وهمجية وإنقسام. ولا شك في أن تمسك هذه الأطراف بالنظام الطائفي والمذهبي، كان بمثابة السم الإجتماعي الخبيث الذي أصاب المجتمع اللبناني بمرض مزمن. اكتفي بهذا الإستطراد لأقول أن الحزن يحز في نفسي لما يجري في العراق. إذ من المحتمل أن تكون عدوى الطائفية والمذهبية قد انتقلت إليه. فهو لن يبرأ منها ما لم ينهض العراقيون من الغيبوبة التي تسببت بها صدمة الغزو الأميركي، بتواطؤ بعض الجهات العراقية ومساعدة أمراء الخليج، وما لم يجدوا السبيل في إطار جبهة وطنية، إلى إزاحة الطائفيين والمذهبيين والعنصريين.
على عكس العراق، قُيّض للبنان، شباب وشابات أنقذوا المجتمع اللبناني من التلاشي نتيجة استفحال الطائفية والمذهبية من جهة وتحت ضغط المستعمرين الإسرائيليين من جهة ثانية، عندما غزا الأخيرون لبنان سنة 1982، وتواطأت معهم بعض الأطراف اللبنانية. وهنا أذكر إسمي مناضلين من أعضاء الحزب القومي السوري، هما نبيل العلم وحبيب الشرتوني اللذين نفذا عملية عسكرية، أكاد أن أقول عملية جراحية، حالت دون استشراء خطة الإستلاب السياسي المكمل عادة للغزو والإحتلال. تمثل ذلك بإلغاء نتائج إنتخاب رئيس للجمهورية في لبنان، في ظل قوات الإحتلال الإسرائيلي هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية فإن هذين المناضلين أشعلا بواسطة عمليتهما ضد مقر حزب الكتائب في 14 أيلول 1982، شرارة المقاومة الوطنية من أجل تحرير الأرض. لولا رد فعل النظام الطائفي، الغرائزي، من أجل ضمان استمراريته، لرأينا ولادة جبهة لبنانية وطنية ولتحرر الفرد اللبناني أيضا.
خلاصة القول، أن الحزب القومي السوري، قدم تضحيات كبيرة دفاعا عن الوطن السوري، ربما يكون أخطأ في إختيار السبل والوسائل، ولكنه بالقطع دلّ على الهدف الذي ينبغي العمل على بلوغه. فأنا على يقين من أنه لولا مناضلي الحزب القومي، كمثل نبيل العلم، لما أتيح للبنانيين فرصة لإلتقاط أنفاسهم بعد صدمة الغزو والإحتلال وبعد اكتشاف مدى تغلغل المستعمرين الإسرائيليين في صفوفهم. ولكن أخشى ما يخشى، أن تكون هذه الفرصة قد ضاعت، أو أنها تضيع. مهما يكن فإن الحسم سيكون في سورية. إن انتصر السوريون ودحروا مرتزقة الولايات المتحدة الاميركية، لا تكون تضحيات المناضلين ضد الإستعمار الإسرائيلي، على اختلاف مبادئهم ومنطلقاتهم، قد ضاعت هباء.

:::::

“الديار”