من تموز 2006 الى تموز 2014 : تألق المقاومة و تعرية العدوان

العميد د. امين محمد حطيط 

اربكت المواجهات الدائرة على الارض الفلسطينية منذ اسايع ثلاثة الكثير من اطراف المشروع الصهيواميركي و ادواته ، الذين لم يتوقعوا ان تستطيع المقاومة و محورها القيام مواجهة  العدوان بالشكل الحاصل الان ، ففاجأهم الرد حتى اذهلم و اخرسهم ، فلم يتخذوا من العدوان الاسرائيلي الوحشي على الغزة المستمر منذ اسبوع اي موقف يدعو الى وقفه ، او مجرد لوم اسرائيل على جرائمها ..او او..الخ مما عودونا عليه ضد بلد عربي او اخر . و قد لا يكون مفاجئا لنا صمت  هؤلاء و غيابهم  ، اذ  اعتاد المواطن العربي على تخاذلهم و استنكافهم عن القيام بالواجب القومي و الوطني حتى و الاخلاقي ، لكن كانت المفاجأة في حجم الوقاحة في ممارسة هذا السلوك المخزي  .

نقول لم تفاجئنا طبيعة سلوكهم لانهم ادمنوا عليه و اعتدنا ان نراه منهم  و بالمناسبة و في ذكرى حرب تموز 2006 نذكر لا بل لا يمكن ان ننسى  مواقفهم من العدوان و تخاذلهم امام اسرائيل لا بل سعيهم لمؤازرتها في عدوانها. و من ينسى موقف حكام الوهابية من بني سعود ، الموقف الذي بدل ان يدين  العدوان و يسعى  الى وقفه ، و يؤكد  على شرعية مواجهته ،ذهب الى  ادانة المقاومة التي تعمل على استنقاذ الحقوق القومية و الوطنية من انياب الذئب الاسرائيلي ، فوصفوا  العمل المقاوم بانه “سلوك مغامرين “مما   اثار  غيرة  كل عربي شريف ، ما حدا بالرئيس الاسد يومها و هو يتابع مجريات الميدان و يعتز بما تسجله المقاومة  فيه ، و تصدمه  مواقف المتخاذلين العرب الذين يشجعون اسرائيل على التمادي بالعدوان لسحق المقاومة ،ما حدا به الى  وصفهم بانهم ” اشباه رجال ” الوصف الدقيق الذي غدا هوية حقيقة لهؤلاء الذين ارتضوا الارتهان للعدو و الانصياع التآمري له  .

و كما سكتت ما يسمى الجامعة العربية في العام 2006  عن العدوان سكوت المشجع لاسرائيل على مواصلته حتى “اجتثاث المقاومة ” يتكرر الامر اياه اليوم في غزة فتخرس الجامعة و امينها العام ، فلا تتدعى  لادانة   اسرائيل و لا تلجأ الى اي هيئة دولية لوقفه بشكل جدي خلافا لحماسها يوم تحركت  ضد لبيبا و سورية طلبا لتدميرهما .

في العدوان الاسرائيلي على غزة اليوم  خرست الجامعة التي حولها عربان الخليج ، بعد ان امسكوا بقرارها ، الى جامعة نعاج باعترافهم ، خرست فلم  تطلب من مجلس الامن قرارا  تحت الفصل السابع للتصدي لاسرائيل و منعها من قتل اطفال غزة و هدم بيوت الامنين فيها ، لكنها لن توفر جهدا في ممارسة ذلك ضد ليبيا و ضد سورية ، حيث جعلت نفسها  جسرا يعبر عليه  الاطلسي لتدمير ليبيا و قتل 150 الف مواطن فيها و تشتيت قواها حتى دفعت الى وضع يصعب معه بناء دولة فيها . و كادت الجريمة  ان تتكرر في سورية ،  لو كانت سورية غير سورية بقوتها و بتحالفاتها الاقليمية و الدولية ، ، لكن سورية القوية سفهت احلام العملاء من عربان النفط فدافعت  عن نفسها و نجحت  بالثبات  على مبادئها  في موقعها الاستراتيجي دولة متماسكة  يؤرق وجودها اصحاب المشروع الصهيو اميركي المنكسر  استراتيجيا على اعتاب دمشق .

اما التركي الحالم بخلافة يستعيد عبرها امجاد بني عثمان ، فقد سكت هو الاخر و لم تتحرك حميته للسعي لوقف العدوان على غزة ، و لم يتحرك مهددا متوعدا  و لم تعنه دماء الاطفال في غزة ، كما كان يدعي كذبا حرصه على الشعب السوري   حيث فتح  بلاده لشذاذ الافاق و الارهابيين الذين يدعون “السعي لاقامة شرع الله و ارساء الاسلام على الاض السورية ” . اما الان فانه   لم يأت باحد منهم لنصرة اخوانهم في الدين في غزة ، لا بل استمر بتزويد الطيران الحربي الاسرائيلي بالوقود من اجل تمكينه من التحليق لاستنفاد تدمير ” بنك الاهداف”  في غزة حسب التعبير الاسرائيلي ، اي  تمكينه من تدمير كل غزة لانها بعرف اسرائيل منطقة اهداف واجبة التدمير كليا طالما ان حلم رابين بان يبتلعها البحر لم  يتحقق .

 لن نتوقف عند مواقف الغرب بالقيادة الاميركية صاحب المشروع الاصلي  ، و هو المعني المستفيد من العدوان اذا حقق اهدافه في  شل المقاومة او تعطيلها حتى لا نقول اذا اجتث المقاومة لان الاجتثاث بات في ذهنهم امرا معقدا يستحيل تنفيذه بعد التجارب الماضية، لن نتوقف عند مواقف اميركا و اروبا المشجعة  للعدوان و الداعية لاستمراره ضد مدنيي غزة و مقاومتها ، لانهم في الاصل يريدون ذلك و هم من اعطى اسرائيل الغطاء للعدوان و هم من يبرر الجرائم الاسرائيلية ، لكننا نسأل كيف يستطيع العاقل ان يصدق غيرة هؤلاء على عربي و مسلم في ليبيا او سورية ،  فيسارعون  لاتخاذ المواقف ل”انقاذ شعب هذه الدولة او تلك”  ، و في الان ذاته يسارعون  الى تبرير العمليات العسكرية الاسرائيلية ضد سكان غزة و ارتكاب المجازر بيد اسرائيلية ؟

لكن  الفضيحة الجديدة الان تتمثل بموقف تلك الفئة من المنافقين صنيعة الاستخبارات الغربية  المدعين العمل لاقامة “الخلافة الاسلامية ”  اذ  لم يكفهم ما ارتكبوه بحق الشعب السوري و العراقي من جرائم قتل و هتك للاعراض و تدمير للمتلكات و تهجير للسكان، عبر ممارسات ارتكبوها مدعين بان ذلك امر ضروري  لاقامة الدولة الاسلامية  ، بل اعطوا اسرائيل الامان لتتابع جرائمها ، معتبرين ان “قتالها ليس واجبهم لان الله لم يامر به ” .

 طبعا نحن لم نفاجأ بموقفهم لاننا في الاصل نعرف بانهم الجيش السري الذي تقوده المخابرات الاميركية و تشغله ضد المقاومة و محورها من اجل فتح الطريق الامن امام المشروع الصهيواميركي في المنطقة ، و هذا الامر لم يختلط علينا لحظة واحدة و نحن لم نصدق يوما بان من تحرك ضد  سورية حاملا السلاح ضد الدولة المقاومة فيها ، كان يبغي حرية او ديمقراطية او اصلاح ، بل كنا و لا نزال  على يقين بان ما جرى في سورية هو عدوان قادته اميركا و استعملت هؤلاء العملاء الادوات الذين جندتهم باسم الدين الذي صنعتهم لهم على حد قول رئيس الاستخبارات الاميركية السابقة و دفعتهم لقتل العرب و المسلمين خدمة لهذا المشروع .

قلنا فضيحة و لم نقل مفاجأة لاننا نعلم منذ البدء من هم و من يقودهم ، لكن فضيحة هؤلاء المدعين السعي لاقامة دولة الاسلام – حسب زعمهم – تمثلت بقولهم “ان الله لم يأمرهم بقتال اسرائيل”  ، موقف اختصر كل شيء يتعلق بطبيعة هؤلاء و حقيقة اهدافهم و اتجاهات سلوكهم . و رب سائل يسأل هؤلاء اليس في مصحفهم اية تحدد لهم واجبهم حيال الاقصى ؟ و واجبهم في نصرة المظلوم ؟ و واجبهم في رد عدوان اسرائيل على المسلمين ؟ يبدو ان الاميركي شطب من “قرآنهم هذه الايات و قدم لهم الكتاب الذي يوافق الاسلام الذي صنعه لهم اسلام القتل و الذبح و هتك الاعراض و اخراج الناس من بيوتها تشريدا و تشتيتا .

لقد عرت غزة كل هؤلاء حتى  لم يعد هناك مكان لقائل بانه مشتبه او التبس عليه الامر في اختيار اي الفريقين المتصارعين على ارض الشرق الاوسط محق في موقفه ، و بات تصديق  اولئك التكفيرين او تلك الانظمة المتخاذلة العميلة او تلك الدول الراعية للمشروع الصهيواميركي ، بات غباءً و العمل معهم  عمالة لا نقاش فيها و خيانة للنفس و الوطن و الامة لا يمكن اخفاؤها .

اما  على المقلب الاخر فاننا نرى ان مجريات الميدان في غزة اثبتت  ان من عرتهم الوقائع و فضحتهم المواجهة ، لن يستطيعوا ان يبلغوا شيئا من تحقيق احلامهم و لن يشهدوا  انتصارا لاسرائيل على المقاومة انتصار يغطي ما ظهر من عوراتهم ، فالمقاومة – التي لم تلطخ  بدماء عربية  و لم  تلوث بمال خليجي –  تتجه الى  حسم الموقف استراتيجيا  لصالحها ، و هي بعد ان نفضت الغبار عن القضية الفلسطنية و قطعت الطريق على  تصفيتها و ضعت اسرائيل في موقف لا تستطيع معه ان تدعي بانها حققت شيئا من اهدافها اقله فيما يلي :

–         لم تستعد اسرائيل هيبتها الردعية ، التي كانت بدأت تتآكل في لبنان منذ العام 2000 ثم ازدادت تآكلا في العام 2006 ، و رغم كل ما فعلت لوقف هذا التآكل جاءت مواجهات غزة لتؤكد استمراره .

–         لم تبعد محور المقاومة عن القضية الفلسطنية ، بل تأكدت ان هذه القضية تستمر في راس اهتمامات المحور ، و كان كل صاروخ من صنع سوري او ايراني او كل تكتيك او مناورة من ابداع  لبنان على يد المقاومة التي ينظمها حزب الله ،كانت كل مفردة من هذه الامور تؤكد لاسرائيل بان محور المقاومة حاضر في المواجهة في غزة ، و بفعالية اكثر من تصورها .

–         لم تتجرأ رغم التهويل  على  الدخول الى غزة في حرب برية لاجتياحها و احتلالها مؤقنا او نهائيا لاجنثاث المقاومة كما تحلم او  تدمير  منصات الصواريخ ، لانها علمت ان المقاومة التي اتقنت الاستفادة من دروس لبنان 2006 و و عالجت الثغرات التي ظهرت  في العام 2008 و 2012 ، ان هذه المقاومة لن تمكن  اسرائيل من  التنزه في غزة  ، و لهذا  تكتفي اسرائيل بالحرب النفسية المتصاعدة للضغط على المقاومة الفلسطنية علها تقبل بشيء من شروط اسرائيل يحفظماء وجهها .

–         ان اسرائيل هي التي ستسعى الى وقف اطلاق النار ، لكن الامر هذه المرة لك يكون كما تشتهي لان ادارة الملف اليوم تختلف عما كان في الامس و لن يجهض انتصار المقاومة الحقيقة على يد مدعيها .

ان مواجهات  غزة  و كل  فلسطين  اليوم  هي ” حرب تعرية ”  المشروع الاستعماري و ادواته ، و حرب اظهار قوة المقاومة و محورها ، و هي تشكل بنتائجها  قيمة مضافة  لانتصار هذا المحور في سورية و ثباته في وجه الحرب الكونية التي شنت عليه منذ اربع سنوات تقريبا .

:::::

“الثورة”، دمشق