سلطة القمع والخضوع والتمرد ما بين سلطة أوسلو وقهر الاستعمار؛ والاثنان معاً:

على هامش معركة الوعي بالبنيان المرصوص

 

د. بلال عوض سلامة

“ومع ارتفاع وتيرة الضغط والقهر على كافة الصعد الاجتصاسية، يتأزم في خلجات الانسان المستعمر عوامل تأزمية نفسية وتراكمية لتكامل عوامل الانفجار، في ضوء تردي الاوضاع الرأسمالية التي فرضت عليه بقوة قانون الغاب الاقتصادي، وتردي الانتاج والوطني والاستهلاك المحلي، والقهر السياسي والاجتماعي الذي يمارس عليه، يعلن المضطهد الثورة على كل شيء “

خلاصة بعجالة

يعد البطل الإشكالي في مقالتنا هذه  الفلسطيني ممثلاً؛ بردود فعله وتعاطيه وعلاقته مع سلطات القهر المتنوعة السياسية والوطنية على مدار القرنين الماضيين، والتي اخذت منعطفات متوترة متصاعدة حيناً في فعله الوطني والبطولي كما اختبرها في الانتفاضة الشعبية عام 1987 ضد الاحتلال؛ رسم ملامح فلسطيني متمرد قادر على الفعل وقادر على استشعار وجوده، وخضوعاً مرة أخرى ومهاودة ما بعد اتفاقية اوسلو عام 1993-2000، قبل تفجر طاقاته المقموعة على شاكلة النضالي العسكري في ظل انفلات قيمي وغياب وعي وطني يرشد بندقيته التي سرعات ما تم استلابها، إلى مرحلة التركيع والاستلاب الوجودي منذ عام 2005  وأبرزها 2010 خصوصاً في مناطق الضفة الغربية، ولكنه استطاع ان يستعيد جزء من كرامته في 2008 و 2012 وحالياً 2014 بمؤشرات الفعل المقاوم.

إن اخطر وأشكل شعار تم رفعه على مدار الثورة الفلسطينية هو “الفكر الذي ينبع من فوهة البندقية” والذي هيمن على المشهد السياسي الفلسطيني في مراحل عدة، باعتباره ما زال قادر على اختزال مرحلة تحرر كاملة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وكان ذلك على حساب تهميش وركلجة الوعي والعقل والفكر الوطني التقدمي الذي كان يفترض أن يوجه تلك البندقية، لأن البندقية غير المثقفة قاطعة الطريق بالضرورة، لن اهميتها يكمن في صياغة شكل ووجود الفلسطيني ما بعد التحرر، وإلا اصبحت الثورة غابة حسمت للأقوى في القوة والمال، وهذا ما حصل بالفعل. فبغياب الرؤية المستقبلية من وراء الفعل الوطني بكافة أشكاله من المقاومة الشعبية حتى المسلحة سرعان ما يحول الثورة إلى فورة.

ما الذي كان لدينا وما الذي حدث؟ انتفاضة شعبية عارمة إلى سلطة قامعة؟

–      الانتفاضة الشعبية 1987

على مدار صراعنا العربي الصهيوني؛ عانى شعبنا الفلسطيني بتاريخ حافل بالتضحيات ومليء بالمعاناة والتشريد والهزائم والانتصارات المعنوية في مراحل عدة بشكل متوالي، ورزح شعبنا تحت وطأة ألآت وأدوات الاحتلال القمعية الهادفة لسلب الجانب الإنساني من الفرد والشعب الفلسطيني، وتحويله إلى أداة مادية في عالم الأشياء الذي يستحوذ عليه، والتعامل معه “الفلسطيني” كانه أداة صماء لا تملك المشاعر والحقوق، فعمل الاستعمار الصهيوني بذلك على مص دماء وكرامة و وجود شعبنا،  بالمعنى الوجودي والسيكولوجي، وغرسوا عوضاً عن كرامته المسلوبة منه “الشعور بالنقص” او بالدونية -وبالضرورة بمساهمة التكوينة الاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها ثقافة وازلام اوسلو ما بعد 1993 -، ان هذا الشعور يولد شحنات سلبية بالضرورة على قدرة الفلسطيني الوقوف والتحدي لمن يقوم في وجه انتهاكات الاحتلال وممارساته الفاشية من جهة أخرى، في محاولة من لاستعادة كرامته ووجوده الجديد المقاوم، بل يتعمق الجرح الوجودي في ذاتية الفلسطيني ليتكئ على شعور بالعار لهدر كرامته وامتهان وجوده فيتحول الشعور النفسي إلى واقع بالضرورة.

ومع تأزم الواقع الوجودي للفلسطيني، بدأ يدرك أهمية دوره في صياغة وإعادة صياغة مشهد سياسي وطني قادر على استعادة الذات المسلوبة والمهدورة، ومن هنا نرى ان مرحلة الانتفاضة الشعبية عام 1987-1992 كانت مفصل مهم لاكتشاف الفلسطيني لذاته من جديد، باعتباره قادر على الفعل والتحدي لمن يقوم باستلابه وجودياً ووطنياً وقومياً، وقادر على استشعار آثار وجوده في التحدي ومقاومة كافة اشكال واستراتيجيات وقوانين التدجين الصهيوني في محاولة منه لتكبيل الشعب الفلسطيني وإرضاخه، فنظم الفلسطينيون سلوكهم اليومي بمناقضة وتحدي كل تلك السياسيات الهادفة للنيل منه “فكان العصيان المدني، ومقاطعة المنتجات الصهيونية، والمظاهرات والمسيرات الشعبية والتعبئة الوطنية التحررية، والمولوتوف والحجارة والعمليات العسكرية الجزئية والنوعية” هذه المنظومة لم تكن منعزلة عن المنظومة المجتمعية والثقافية والاخلاقية المجتمعية وإنما كانت مستمدة من حراك كافة شرائح ومكونات المجتمع الفلسطيني اجتماعياً وطبقياً وعمرياً، ولهذا لا بد من الحاضنة المتنوعة والمتعددة لتوجهات مغايرة ورؤى سياسية وأيدلوجية مختلفة أن تجد لنفسها صيغة تستوعب التنوع ومتطلبات مرحلة التحرر الوطني من جهة والمجتمعي من جهة أخرى.

ولهذا شكلت المنظومة والعقل الجمعي الفلسطيني ايقونة تحررية  وتم تكسير المكبلات الاجتماعية التي تعيق من عمل وانخراط كافة الشرائح وعلى رأسها المرأة الفلسطيني، ودورها الفاعل في فترة الانتفاضة الشعبية 1987،  والتي سهلت لها البنية الاجتماعية الجديدة باعتبارها قطيعة فكرية مع المنظومة الفكرية للمجتمع التقليدي مناخ مناسب ومريح تسهل من تواجد المرأة في الساحات والعمل الوطني والمجتمعي، ساهمت فيه التعددية الحزبية والايدلوجية في خلق منظومة قادرة على الانفتاح على الرؤية الأخرى، تلك شكلت منظومة تحريرية تم تتوجيها بتشكيل القيادة الوطنية الموحدة _ق. و.م_ والتي أدركت فيه تلك القيادات الشابة  اهمية مساهمة الجميع في اتخاذ القرار وصنع الفعل الوطني، وكانت حريصة كل الحرص على تمثيل كافة الشرائح والفصائل الوطنية.

إن هذه المنظومة القيمية المجتمعية  توجت بالتضامن الاجتماعي ونصرة المظلوم وتسهيل وتسيير احتياجات المجتمع وادارة شؤون المجتمع الفلسطيني صحيا وتعليمياً وسياسياً، تلك القيم كانت تعبر عن وعي وطني حريص على وحدة واستيعاب الاختلاف في المجتمع، بتزامن مع شعارات وطنية تحريرية تهدف إلى التخلص من الاحتلال وبناء دولة مستقلة متعددة ومنفتحة على الآخر، إن التحرر للفلسطيني وصل حد التمرد في أوآخر الانتفاضة الشعبية على كافة البني التسلطية ابتداءً من رب الأسرة حتى راس الهرم السياسي، وبتحصيل حاصل على الاحتلال الهدف الرئيس في عملية اكتشافه لذاته، تلك الجهود للأسف لم تستثمر بعد اتفاقية ما تسمى “بأوسلو”، بل كان السؤال الرئيسي والجوهري في بداية تشكيل السلطة: كيف يمكن تطويع شعب متمرد حتى يتم رسم شكل النظام السياسي المنبثق عن سقف سياسي هابط لم يلبي الحد الأدنى من القضايا المطلبية التي تم رفعها في الانتفاضة الشعبية.

–      أوسلو نكوص وطني واجتماعي

إن عملية افراز وعقد اتفاقية أوسلو في 1993 كانت نتيجة لتفرد قيادة منظمة التحرير “حركة فتح” وتهميش واضح لدور وحضور الأحزاب السياسية اليسارية المعارضة للاتفاق، وفيما بعد حركة حماس والجهاد الاسلامي، إن معضلة أوسلو لم تكن في عملية التفكير بإجراء مفاوضات مع الاحتلال بقدر ما كان اشكالية الوعي والذهنية التي تحكمها، وبالتالي شكلت منعطفاً رجعياً بالمعنى السياسي والوطني والاخلاقي والقيمي في المجتمع الفلسطيني.

لقد تخلت السلطة الناشئة والمتحكمة بمناشط الحياة اليومية الفلسطينية عن بعد التنوع والاختلاف في الوجهات السياسية الأخرى؛ التي لم تنسجم لم تنسجم مع رؤية أزلام اوسلو وقيادات حركة فتح، وأصبحت تتجه نحو التفرد والتسلط ومحاربة ومطارد العناصر والفصائل السياسية المناوئة له، ومع تطور الأوضاع وبداية تمأسس السلطة ورؤيتها السياسية ما بين 93-98، اصبحت المعارضة اليسارية مخدرة وغير قادرة على التأثير على المشهد السياسي، وفي مراحل متقدمة في التسعينيات برز نجم الاسلام السياسي متمثل في حركة حماس باعتبارها تيارا دينيا وسياسياً مناوئا ومعارضاً للسلطة، الهم الأساسي للسلطة كان الاحتفاظ بالسلطة وبرموزها وحتى لو كان على حساب البنى المجتمعية والمؤسساتية، وبالتالي اتسق الخطاب والوعي والادارة للتجمعات السكانية التي تسيطر عليها السلطة بعقلية فئوية وعشائرية وقبلية في احسن الظروف.

إن تخدر وتحييد المجتمع بقواه وتمفصلاته السياسية ممثلاً بمؤسسات المجتمع المدني، والحركات النسوية والطلابية والنقابية تم تهميشها واقصائها وتخديرها وابتلاعها من قبل السلطة، في ظل عودة إلى القبلية والعشائرية والموقعية في غياب وعي ورؤية وطنية لتلك التجمعات.

على الصعيد الوطني، استمرت سياسيات الاحتلال الصهيوني على الأرض، بل وتسارعت وتيرته القانونية العنصرية، و في الاستيطان واقتطاع الأراضي والحواجز العسكرية، وسق الطرق وتفتيت الترابط الجغرافي بين تلك التجمعات، وسرقة مقدرات الشعب البيئية والمائية، وبدأت مظاهر الهزيمة المعنوية التي اطاح بالشعب من قبل سياسيات السلطة ولجم الاختلافات ومطاردة الرؤى النقدية لها، وفساد سياسي وإداري ووطني لقيادات وازلام السلطة الفلسطينية، في المقابل؛ الاستعمار الصهيوني وسياساته كانت دائما تذكر الفلسطينيين بانهم أفراد لا شعب له حقوق وتجمعات، وباعتبار أن الواقع السياسي والاجتماعي للفلسطيني متهافت وطنياً، اصبحت بعض النزعات الفردانية والانانية هي التي تتحكم بالمشهد الفردي الفلسطيني، الواقع كان انهزامياً لمشروع السلطة كما أثبتته الوقائع على الأرض، والاحباط والانسحاب كان سيد الموقف في تلك الفترة، الذي رسم السلطة بصورة ضعيفة والاحتلال بتفوقه.

لقد سيطر هذا المشهد على صيغة التذوت من النسق الانهزامي، مما دفع الفلسطيني للتماهي بالمعتدي ورموزها “السلطة والقوة والتسلط” واحترامه للقوة كرمز مرتبط بالكرامة والقوة التي يفتقد لها نتيجة سياسات السلطة التهميشية للمجتمع، فيمارس بطريقة لا واعية، ويسلك شعوراً لا إراديا بنفس السلوك والمسلكيات التي ينتهجها العدو ويمارسها عليه بطريقة مباشرة، فيتحول الشعور بالنقص المدفوع  برغبات تسد الحاجة وتشبعها إلى القضايا الاجتماعية والمجتمعية، والتي يعوض عن شعوره بالنقص من خلال تفوقه على الآخر الضعيف والفئات المهمشة “الطفل والفقراء والمراهقين والمرأة” والأخيرة  يتجلى القمع  معها بصورة دراماتيكية ويلصق بها الرجل المسحوق كل السمات التي تحافظ على تفوقه كتعويض عن عجزه لمواجهة عدوه الرئيس الذي ينتهك وجوده وحقوقه وكرامته “السلطة من جهة والاحتلال من جهة أخرى” ولهذا ارتبط مفهوم الكرامة للفلسطيني المضطهد لا بتجريد إنسانيته من قبل المستعمر أو السلطة واستلابهما لذاته، وإنما الكرامة بالمفهوم التقليدي العاجز والمتمثل بالمرأة وشرفها وسمعتها، والذي في النهاية تشكل كرامة الرجل، فإذا مست هذه الكرامة بالمفهوم التقليدي أجيز بالقيام بالثورة ضدها لاستعادة كرامته الوهمية التي رسمها والصقها بالمرأة، وبذلك يتحول مفهوم الثورة في عملية ازاحة ضد المحتل والذي هو ممنوع وسيكون مقعوع ونتائج خطيرة على وجوده المادي ، ويزيحها على ثورة وهمية ضد المراة وكرامتها وشرفها وسمعتها.

ومع ارتفاع وتيرة الضغط والقهر على كافة الصعد الاجتصاسية، يتأزم في خلجات الانسان المستعمر عوامل تأزمية نفسية وتراكمية لتكامل عوامل الانفجار، في ضوء تردي الاوضاع الرأسمالية التي فرضت عليه بقوة قانون الغاب الاقتصادي، وتردي الانتاج والوطني والاستهلاك المحلي، والقهر السياسي والاجتماعي الذي يمارس عليه( في حين تعاني المرأة ضعفي ما يعانيه الرجل من استلاب وجودي واجتماعي) وبما ان السلاح ارتبط بذهنية الفرد الفلسطيني برمز القوة والتعظيم والقدرة والمكانة الاجتماعية على التصدي “وهي صفات التماهي بالمعتدي” يذهب الفلسطيني حسب فيصل دراج لامتشاق بندقيته ليدافع عن وطنه المسلوب والفاع عن شعبه ووطنه وحقوقه المسلوبة في حق تقرير المصير والعودة، وإقامة الدولة التي طال أمد انتظارها وشوهت ملامحها بفعل الفساد السياسي والاداري لسلطة اوسلو ما بين 1993-2000.

–      انتفاضة الأقصى 2000 خيار عسكري نخبوي لفشل المفاوضات

الكارثة التي حلت بالشعب وبمقوماته الوطنية والقيمية والاخلاقية في فترة 93-2000 شكلت فاجعة وطنية واخلاقية وتراجع الوعي المقاوم والفكر النقدي التقدمي، وتراجع المجتمع الفلسطيني الذي كان يطمح إلى بناء دولة حضرية، إلى ردات فعل رجعية في البعد الاجتماعي والثقافي، وتكسر مقومات العقل الجمعي ووحدة الرؤية والهدف وغياب الآخر الفلسطيني المختلف بالرؤية وفي حال حضوره تم محاربته، إن الشعب فقد بوصلة دوره وثقته بذاته وامتهان كرامته من سياسات السلطة المعبرة عن اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، اغتيلت انسانية الانسان من قبل السلطة وسياساتها وطرق ادارتها لشؤون المجتمع الفلسطيني، وبتزامن ذلك مع استمرار الاحتلال في مخططاته الاستعمارية الهادفة لتفريغ المجتمع الفلسطيني من وطنيته أو رؤيته المستقبلية.

إن تلك السياسات وترجماتها على الأرض، وبتحصيل حاصل على المجتمع الفلسطيني، قتلت خيارات العيش بكرامة وعدم الجدوى في تحقيق الحد الدنى من القضايا المطلبية للشعب الفلسطيني، وفي خضم انحسار وموت الرؤية الجادة في التفاوض مع الاحتلال الصهيوني، كان من المهم العودة لاستنهاض الشارع والمجتمع الفلسطيني للضغط على الاحتلال، ولكن كما قلنا سابقاً الجماهير مخدرة ونزعات الانانية الفردية مفرطة، فلم تكن الجماهير جاهزة للثورة  والانتفاض من جديد وذلك لعدم وثوقها بالسلطة ولا بسياساتها الفاشلة والمتواطئة على حساب الجماهير، لقد تأخرت الجماهير ثلاثة أشهر بالانخراط في انتفاضتها، باعتبار ان مشروع السلطة كان وما زال مشروع فئوي وليس وطني، ومع اشتداد وتيرة الصراع وتصعيدات الاحتلال متمثل في حجم الدمار والاجتياحات والاغتيالات والقتل والبطش، وتزامن ذلك مع قرار سياسي على صعيد السلطة بالتصعيد –ممثل بالشهيد ياسر عرفات-  بدأت الجماهير تبحث لها على ادوار غير تشييع الشهداء، وبتصاعد العمل العسكري والعمليات التفجيرية الاستشهادية انحسر دور الشرائح التي لا تستطيع حمل السلاح في معركة جديدة من حلقات الصراع، الجماهير كانت مغيبة والشيء الوحيد الحاضر هو غياب الوعي والرؤية الوطنية والاستراتيجية لانتفاضة عام 2000.

الفلسطيني ما زال مجروح نفسياً ووطنياً  ولكنه ما زال ينتمي دون حاضنة وطنية، فانخرطت قيادة وفصائل العمل الوطني والاسلامي في العمل المقاوم والمسلح لاستعادة ذهنية الحق والمجموع، فحمل الفلسطيني البندقية وقاتل ببسالة وقوة تعظم من شأنه أمام المجموع، ولكن البندقية يشوبها الفكر التقليدي لإرث ما بعد اوسلو هذا الفكر يتسم بالفكر؛ “الأيدلوجي العفوي، فيذهب ليحرر وطنه المغتصب، غير أن هذه الايدلوجية هي خواء ايدلوجي، فسرعان ما تتحول إلى آلية المدارين والمديرين والتي تتحول الى ايدلوجية قامعة”(فيصل دراج، 1996)، بما معناه تبقى الايدلوجية التقليدية في ذهنيته وهي ارتباط الكرامة بالذات وبالقضايا المجتمعية التقليدية، “فتدمر هذه الايدلوجيا دلالات البندقية المتعددة وترجعها الى حسها المباشر”  والغير مباشر فيما يتعلق بالنظرة العاجزة في التملك للأشياء.

فعندما تكون الثورة خاوية من الايدلوجيا والرؤية والفكر والتنظيم تكون فورة لأنها تعبير ميكانيكي عن الخواء الايدلوجي، أو بالأحرى حركة عفوية سرعان ما تتلاشى ويهبط أداؤها وأدواتها وسيرورتها ودينامياتها لأنها تعبير عن فكر عفوي تقليدي، فيعزز بدوره العصبيات بتفرعاتها المدمرة، فيطفو التعصب الموقعي والجهوي والجزبي غير المسيس، مما أدى إلى خلق إشكاليات مجتمعية عملت على تفكيك البينة المتراصة البنيان لان؛ لا رؤية واضحة تحكمها ولا استراتيجية وطنية شاملة تضبط حركاتها، مما يجل من الصعوبة العودة الى الشعار التقدمي للثورة.

تلك الارهاصات تنعكس سلباً على النفسية الفلسطينية وولائها وانتمائها، والذي يضعف القانون كنتيجة حتمية عن سوء ادارة السلطة القانوني والاجتماعي والاقتصادي والوطني، وتشجيعها للولاءات التقليدية والحلول العشائرية والتي هي “السلطة الفلسطينية تعبيرا متخلف عنها” فمن خلالها تستطيع ان تمارس السلطة الضبط والتحكم بالشكل الحركي والتنظيمي لحركية المجتمع وفعله الوطني، فيفقد المجتمع الثقة بالقانون غير القادر على انصافه واسترجاع حقه له، وبالتالي بالسلطة التي تمثله ما أسوأ ما فيه من فساد، فينعكس رجعاً سيكولوجيا متخلفاً على نفسيته لمعاني الوطن والكرامة والحقوق والواجبات، وكل ما هو جميل لصورته عن الوطن المتخيل، فيفقد الانتماء والاحساس معاً، ويستعيض عنه بوطنه العائلة الآخذة بالتفكك بقيمها ومعاييرها كاستجابة للتحولات الاخلاقية والاقتصادية التي اكتسحت الوجود الفلسطيني، فيقمع من يحاول ترجيح الكفة لصالح القانون، ويقمع المفكر والمثقف الملتزم للوطن، وتمارس عملية ركلجة العقول في مجتمعنا، وتكبل حركتهم ويزداد ناقدين النقديينالعبثيين المرتبطين بالسلطة وبقوتها غير الشرعية. سيؤدي به المسار إلى الانعزال القسري والكلي عن المجتمع، فيحكم على الفكر بالاغتيال، بل يغتال المستقبل.

وبما أن ثورتنا هذه ساد عليها الوعي العفوي لطبيعة الصراع يجعل منها فريسة سهلة للانقضاض عليها من قبل الساسة والسياسيين المتنفذين في السلطة، ومرحلة العمل الكفاحي الغير ناضج فكرياً وثقافيا منذ البداية، فتكون النفسيات المبرمجة شعوريا ولا شعوريا جاهزة للاغلاق، متى شاء الساسة السياسيين، ومن هنا تنبع خطورة الموقف الذي نعيش، لأن الفلسطيني المسلوب الارادة والفكر والكرامة  ستأتي عليه لحظة يتفجر على المتحكم، فتكون ردة فعله مغايرة تماماً ومعاكسة للهدف الذي كان ينشد من قبل الجماهير. كسبب لعملية القمع والامتهان الذي يواجهه، لأن المسحوق سيمر بمرحلة ولادة لم نعرفها من قبل وسيكون للفعل نتائج عكسية، لأن رغبات الليبدو اللاشعورية؛ ستشجع وتزود بعوامل تناقضية مجتمعية داخلية ستقود حتما إلى صراع اجتماعي عنيف لم نشهد له مثيل كما حدث اعقاب 2000 ، وذلك كنتائج وحصيلة تراكمية لعوامل التأزم الاجتصاسي واهمها النفسي لدى الفرد الفلسطيني، وستعبر هذه الرغبات اللاشعورية عن نفسها متى تم نضوج العوامل التكاملية الممهدة للتربة الخصبة.

بعد التوقف عن استخدام السلاح، وبعد الشعور النرجسي لدى المقاتلين والذين تغلبوا على الجرح النرجسي، تكون سمة العظمة والاستعلاء والفخر والقوة قد أبطل مفهومها ومفعولها ( لأنها ترتبط فلسطينياً بنضالنا ضد الاحتلال، فتكون بعدها مرحلة النكوص الثوري الوطني) لأن العمل الثوري كما سبق ان ذكرنا توجت بوعي عفوي تقليدي- مرحلة النكوص هذه والتي تعني بمفهومها الاجتماعي العودة لمرحلة سابقة قد اجتازها المجتمع، فتعود الكلمات والرموز والمعاني المرتبطة بالكرامة والحرية من الناحية الوطنية بتعلقها وعلاقتها بالوطن الى مرحلة متخلفة سيكولوجيا مرتبطة بالمجتمع والتي يتجلى رموزها التقليدية، فترمز الكرامة الى كرامة ما بين الفرد الفلسطيني واخوه، ما بين فتح وحماس، فقد ادى اطلاق بوق سيارة على مسلح في سيارته من قبل مواطن آخر يريد التجاوز الى مجزرة، ولم يسمح له المسلح بذلك، وسيرتبط المجتمع بعدها بعلاقة السيد الجديد “المسلح” المواطن، والذي انتفض المسلح بالأساس لكسر هذه العلاقة ما بين الفلسطيني والاحتلال الصهيوني، ولأنه الآن يملك السلاح “رمز القوة” إذن هو الذي يفعل ولا يسأل ويقود ويريد من المجتمع طاعنه دون النقاش او جدال، فيقوم بإزاحة القهر من المستعمر الى ساحة مجتمعه، ما بين مالك السلاح وما بين المواطن المقهور سياسيا واجتماعيا، فيقوم بجرح كرامة المواطن. تتجلى ايضا النكوص الاجتماعي على المرأة لأنها الأضعف، والتي تعاني في هذا المجتمع من استلاب ذاتي وسياسي واجتماعي، والقهر والظلم الاجتماعي، فترتبط العلاقة في مجتمعنا بعلاقة ذات ثلاثة أبعاد “التأاسد والثعلبة والتأرنب” حسب مفهوم حليم بركات، فعلاقة الفلسطيني بالسلطة يسودها الثعلبة والأرنبة من خلال الدجل والاستعطاف من اجل استبعاد قمعه وقهره بصورة مباشرة ويمارس التأاسد على أبنائه وأمه وزوجته وجيرانه، ليكونوا كبش الفداء له، واداة لتفريغ الكبت والقهر والقمع السياسي والاجتماعي الموجه اليه بصورة مباشرة او غير مباشرة من قبل المتسلطين.

اغتيلت انتفاضة 2000 ولم يتم استثمارها بعد موت الشهيد عرفات ولم يعرف المجتمع الفلسطيني لماذا انتفض، غير انه شعر بوجوده الجديد وبكرامته التي انتهكت، توقفت الانتفاضة ولم يكن هنالك استثمار سياسي لحجم الالام والآمال والتضحيات التي قدمها، خيارها كان التفاوض حتى الموت بصورة عبثية، احبطت الجماهير مرة أخرى.

وبعدها تم بدء تبلور شريحة اقتصادية  تزاوجت مع مصالح الطغمة السياسية التي لا تثق بالعمل المقاوم،  تحت شعار المهنية والتكنوقراط، وهذا الشعار الذي سيقوم وسيعمل على تفريغ المجتمع الفلسطيني، خصوصاً الضفة من الولاء الوطني والتعبير السياسي له، باعتباره كتلة تاريخية وطنية.

بروز حماس كتيار مقاتل ومعارض لمشروع التفاوض العبثي: انتخابات 2006

 

بعد توقف انتفاضة 2000 -2004، وعودة الأمور إلى نقطة الصفر التي ثار الفلسطيني عليها من عدم جدوى المفاوضات التي كانت مطروحة على عرفات، ورفضه لكامب ديفيد 2 عام 2000، لم يحقق الشعب الفلسطيني شيئاً وإنما عاد للوراء، ولكن بثمن بخس لحجم التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني، لأن الوعي السياسية لنخبة ما بعد ياسر عرفات اتجهت انتحارياً نحو المفاوضات والمقاومة السلبية كشعار لا كواقع له مشاهد تدعم وجوده واستمراره.

لقد خرجت حركة حماس قوية من انتفاضة 2000، واصبح لها حضور وتأييد غير مسبوق في المشهد السياسي الفلسطيني، في حين أن حركة فتح بدأ دورها بالضمور نتيجة لخذلان المجتمع سياسياً واخلاقيا ووطنياً إلى جانب انخراطها وارتباطها عضوياً مع السلطة، فنالها من انتقادات واتهامات وهجومات ما نالته السلطة،  فقررت حركة حماس المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي لاستثمار حضورها ودورها الوطني في الانتفاضة، وبالفعل استطاعت حسم مقاعد في المجلس التشريعي ضمنت لها بتشكيل الحكومة الفلسطينية.

ذهنية الاقصاء لحركة حماس لم تكن بعيدة عن الوعي والممارسة لحركة فتح التي رفضت التنازل عن برنامجها التفاوضي وعدم قبول التشارك مع الآخر في صنع القرار، ممثلاً بذلك بعدم اعطاء حكومة حماس الصلاحيات والامتيازات التي كانت ممنوحة لحركة فتح، وبقدر ما كانت حركة فتح ممثلة بمحمود عباس بالتفاوض حتى لو لم يكن ذو معنى، بقدر ما تمسكت حركة حماس ببرنامجها المقاوم العسكري لأبعد حدود، الطرفان غابت لديهم الرؤية بالوعي بالممكن والامكانية التاريخية، باقي الفصائل الوطنية والاسلامية الأخرى كانت خارج حساب الطرفين (الجهاد الاسلامي، الجبهتين الشعبية والديمقراطية)، واحزاب اخرى مثل المبادرة والطريق الثالث لم تكن فاعلة في تقديم برامج وطنية شاملة، باستثناء الطريق الآخر ممثل بسلام فياض، والذي سنأتي عليه لاحقاً.

 في خضم حالة التأزيم واختلاقها بين الحركتين، وفي غياب الرؤية القادرة على استيعاب الآخر كانت الاستحواذ على المواقع الجغرافية بتقسيماتها الفئوية، وبموازين القوى المحلية والاقليمية سيدة المشهد السياسي، فكان الانقسام الفلسطيني عام 2007 هو حصيلة عدم الوصول لتفهم وجهات نظر الطرفين، فأحكت حماس على قطاع غزة قبضتها الامنية والادارية، واستمرت حركة فتح في إدارة بعض المدن في الضفة الغربية والتي كانت محكومة باتفاقية أوسلو وسقفها السياسي.

تخدير الشعب في الضفة وعقاب غزة: فياض وسياسات البنك الدولي

الرؤية السياسية والاقتصادية التي حكمت مناطق الضفة الغربية عنونت تحت “الانفتاح والرخاء الاقتصادي والفقر والمحاصرة والعقاب لحماس في غزة كنموذج ضاغط على القطاع” وتحت رؤية الاحتلال الاسرائيلي في رؤيته الأمنية للسلام “السلام الاقتصادي” واحكام القبضة الامنية على مناطق الضفة الغربية، وتزامن ذلك مع وجود توجه دولي ممثل بالبنك الدولي وسياساته الاجتماعية والاقتصادية في دعم هذا التوجه، بدأت تتبلور شريحة سياسية واقتصادية  فلسطينية واضحة المعالم  ومنسجمة مع الرؤية الصهيونية في محاربة التسيس والانتماء الحزبي والرؤية الوطنية، تحت شعار البناء المؤسساتي والمجتمع المدني والقانون والأمن “الاسرائيلي بالضرورة”، والتي اثبت في سياسات الحكومة على فشل ما سبق دون تحقيق الأمن للمجتمع الصهيوني.

تعد حكومة سلام فياض وشعاراتها المنعكسة من رؤية البنك الدولي-نظراً لخبرته في هذا المجال- المثال الواضح الذي يتسق مع المطالب الدولية والرؤية الصهيونية في إدارة شؤون الضفة وتحقيق “السلام الاقتصادي”، من حيث الفراغ السياسي لشكل وانشطة الحكومة وابتعادها عن المسائل الوطنية.

وتحت شعار الشفافية ومحاربة الفساد، تم تهميش حركة فتح، من حيث احكام الحكومة في تلك الفترة على المسائل المالية والادارية والقانونية، وحتى الامنية، وتم الاستغناء عن قيادات في الأجهزة الأمنية، وتشجيعهم للتقاعد المبكر، خصوصاً تلك الكوادر من الاجهزة الأمنية التي كان لها دور بارز في انتفاضة 2000، وتم الاعلان عن استيعاب افراد جدد من قبل الاجهزة الأمنية الشابة وتم تدريبهم على يد الجنرال دايتون، والذي تشير الكثير من المشاهد على قدرة الاجهزة الفلسطينية على تنفيذ عمليات القمع ومطاردة الفاعلين والمناضلين لبعض المناطق التي لم تنخرط مع رؤية الحكومة “خصوصاً في شمال الضفة من نابلس وجنين وطولكرم” واستطاعت حكومة فياض بصلاحياتها الكبيرة لجم المعارضة حتى من داخل حركة فتح.

في الجانب السياساتي المالية والاقتصادية ، أوعز للبنوك والشركات الخاصة لتدوير رأسمال بين أيادي المواطنين ممثلاً بالقروض للعقارات والسيارات ورأسمال الاستهلاكي، توجهات لخصوصصة الماء والكهرباء والدفع المسبق، تصاعد على وتيرة هندسية وغلاء فاحش للمعيشة والسلع الاستهلاكية،  وتم تكبيل المواطن والموظف والشركات الصغيرة بأموال، عبر عنها رشوة شاملة وتكبيل واضح للشعب” الذي أصبح مرهون لعشرات السنوات لقروض لا يستطيع تسديدها ولا فوائدها.

على الصعيد الوطني، والسياسي تم تبني المقاومة السلبية ضمن رؤية محمود عباس، ضمن مشاريع ورؤى سياسية ما بين السلطة والاحتلال وإن كان بعضها بشكل ضمني؛ على مواقعها وميعادها وشكلها، ومحاولة تقديمه باعتبارها الخيار الأوحد القادر على تحرير فلسطين واقامة الدولة، وتم التواطؤ على قطاع غزة ومعاقبتها لانها لم تنسجم مع هذه الرؤية وخرجت عليهم حتى لو كان على المستوى الشعاراتي الذي يدعو للمقاومة المسلحة وحدها.

إذن على ضوء تلك الالماعة السريعة، وجد المواطن نفسه فريسة للتغيرات الاقتصادية والسياسية لسلطة رام الله، وعدم قدرة تلك الحكومات المتعاقبة 2007-2012 بتحقيق الحد الأدنى لخططهم التي تم وضعها وإنما اضحت شعارات على ورق.

في غابة الاقتصاد الرأسمالي وعدم وجود مرجعية ثقافية واجتماعية لتغيرات السريعة التي عصفت بمناطق الضفة، وجد الفلسطيني نفسه مكبلاً وعبداً لتلك السياسيات، وتم استلاب وعيه ومرجعيته الاخلاقية الوطنية، وغياب وعي وطني لأي رؤية سياسية وطنية، باعتبار ان تلك المناطق اضحت محكومة برؤية البنك الدولي، وتم تخدير الشعب مرة اخرى بسياسات مالية وقمعية إن استدعت الحاجة، وتم محاربة وتضييق هامش الحريات والديمقراطية واستيعاب الآخر على ضوء الاختلاف السياسي والأمني ما بين حركتي حماس وفتح.

من مقاومة 2008 إلى انتفاضة استعادة الذات الفلسطينية المقاومة 2014: معركة البنيان المرصوص

النموذج الآخر؛ قطاع غزة وما يمثله بالبعد الوطني المقاوم لا السياسي والأيدلوجي لحركة حماس، تم محاربته فلسطينيا ” على الاقل السياسيين المناوئين للحركة” من السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وتم الاتفاق ضمنياً -على الاقل- مع الاسرائيليين والأوروبيين والامريكان على محاربة نموذج سياسي لا يتماشى مع رؤية الرأسمال العالمي في شرق اوسط جديد خانع لمصلحة الكيان الصهيوني، فاختبر القطاع سياسات تضييع واغلاق المعابر وقتل أية آفاق للعيش بكرامة كثمن لخروج القطاع ممثلاُ بحركة حماس عن الرؤية الشرق أوسطية.

بالرغم من الاخطاء السياسية والادارية لحركة حماس في إدارتها وتفردها لشؤون القطاع، إلا انها استطاعت الصمود والمقاومة مع باقي فصائل العمل الوطني في محطات كثيرة من 2008-2012-و2014، ولكن تم اضعافها لانخراطها بصورة مباشرة او غير مباشرة مع ما يسمى بالربيع العربي، صعد في عزلتها والتضييق عليها شيئاً فشيئاً.

المواطن الفلسطيني ووعيه وموقفه تجاه القطاع متذبذب حسب انخراطها في مقارعة الاحتلال او عدمه، الرؤية السياسية لم تتغير بالرغم من ابداء الحركة في مرات كثيرة لتخفيض سقف رؤيتها السياسية للخروج من عزلتها الفلسطينية او الدولية.

استمرار جحيم الظلم السياسي والاجتماعي في الضفة –وبغزة أيضاً بحدود اجتماعية وسياسية معينة ولكنها تختلف عن الضفة بالمضمون- وفراغ سياسي ووطني حاضن للقضايا المطلبية للشعب الفلسطيني، وغياب العدالة الاجتماعية وتجذر الفساد كسلوك طبيعي في أبنية السلطة بكافة مناشطها، وهيمنة الطاعة المطلقة لسياسية الرئيس عباس في المفاوضات العبثية ومحاربة وقمع ولجم أية تحركات تناوئ سياسته او سياسات غلاء الاسعار او ما شابه، واستمرار المخطط الصهيوني في تجذير الانقسام مع غزة، والتعامل معها باعتبارها الدولة الفلسطينية، واقامة تهدئة معها بمساعي مصرية في 2012 بمعزل عن سلطة رام الله، وكأن الاحتلال اخرج غزة من الحسبان، وتم الاستفراد بما تبقى من مناطق الضفة الغربية التي التهمها الاستعمار والمستعمرات وقوانين عنصرية ضد الفلسطينيين في ما يسمى مناطق 67 او 48 ، وبروز ونمو تيار يميني متطرف صهيوني يدعو لقتل الفلسطينيين أو طردهم، كلها رسمت رؤية سياسية عبثية لسلطة رام الله، وقتل أية امكانية من تبني رؤية وطنية قادرة على انتشال الفلسطيني من همومه الاجتماعية وتحقيق آفاقه السياسية.

 واقع مأزوم تماهى وتذوت في عقلية الفلسطيني وبسلوكه، الذي جرح مرة أخرى وتم تكبيله ولجمه بسياسات البنك الدولة وروشتاته المالية المدمرة، اغتراب وطني عن الدولة المفترضة، عدم الثقة بالعمل ولا بالقيادات السياسية، تهتك في الرؤية الوطنية وعدم وجود مرجعية اخلاقية ثقافية ساهمت به حكومة فياض، جرائم قتل على خلفية الشرف والكرامة الشخصية والتي تزايدت من 2011 من 4 حالات إلى 2013 29 حالة، نكوص وتخلف وطني واجتماعي، جرائم وشرقات وفتوات وتهرب ضريبي، انعدام المعنى في الوجود، هذه الحالة كانت تسيطر على الوعي الفلسطيني قبل انتفاضة استعادة الذات والكرامة الوطنية 2014.

على ما يبدو أن الخطان السياسيان في فلسطين وصل حد ضرب رأسه في الحيط، ممثل بحركة حماس ومشروعها المقاوم النسبي وحركة فتح برؤيتها التفاوضية الذاهبة للتفاوض حتى الموت مع الاحتلال، غليان شعبي ودعوات لأنهاء الانقسام، فراغ وطني وعدم قدرة أي منهم على حسم افاق لحلول سياسية، تم الاتفاق الشكلي ما بين الحركتين بدون وعي شامل لتشكيل حكومة وطنية، حماس بعزلتها، وعبثية التفاوض وعدم جدواه، اتفق الطرفان لمساعدة بعضهم البعض.

تشكيل حكومة الحمدالله لم يمثل أي من الطرفين، ولكنهما اقتنعا على اهميته، لم يرضي هذا الاتفاق الشكلي اسرائيل، التي وجدت حرجاً نوعا ما في سياسات عباس وإن كانت بطيئة وعرجاء في تهميش اسرائيل دولياً وزيادة عزلتها، وهذا لا يرجع الى سياسة حوكة رام الله، وغنما للعقلية الصهيونية التي بات حمى الحرب الساحة الوحيدة التي تستطيع ان تتحرك فيها، فجنون النظام الصهيوني يبرر ويفسر غباء الاجزاء.

من احدى السياسيات هذه عملية اختطاف الطفل الشهيد محمد أبو خضير الذي تم قتله وحرقه كتجسيد لسياسات الاستعمار اللاانسانية النازية، على آثر اختطاف 3 مستعمرين في الخليل(رغم الغموض الذي ما زال يحيط بها) وحالات الاجتياح الكاسحة للمحافظة،  في ضوء مناخ رضوخ وتقبل القمع والاضطهاد والاستلاب للفلسطينيين، شكلت هذه الحالة “استشهاد ابو خضير” الضوء الاخضر لاندلاع انتفاضة استعادة الشعور بالذات لشعبنا الفلسطيني في القدس وبالضفة وفلسطين التاريخية في حيفا وعكا ويافا وأم الفحم، كتعبير عن كيان واحد يواجه نفس السياسة الاستعمارية الواحدة، بدأت الجماهير تنتظم مع حركتها ورجوع منظومة فكرية اشبه ما كانت متواجدة في انتفاضة 1987 من خلال تشكيل قيادة وطنية موحدة، سلوك جماهيري يعبر عن اهمية القيادة من الجميع، وهيمن على المشهد السياسي مقولة نفسية لفرويد “إن أردت السلام فعليك ان تخوض الحرب” فما الذي قد يخسره المستِعمر بعد، ولهذا تجاوز الشعب القيادة في رؤيتها وعيها السياسي، واصبح التناقض الوجودي للفلسطيني الجديد مع الاحتلال في كافة أزقة وحارات مخيمات ومدن وقرى فلسطين التاريخية.

اشتبكت هذه الرؤية  الشعبوية مع قيادات وفصائل العمل الوطني والاسلامي المقاومة في غزة، فاتسقت لتدافع عن الفلسطينيين وتستعيد الفلسطيني جنياً إلى جنب مع الانتفاضة الشعبية من جديد، لتحوله من انسان راضخ إلى فلسطيني مقاوم ومتمرد، ليستعيد الفلسطيني احساسه بذاته وبكرامته وبوجوده واهمية حريته في مقارعته مع الاحتلال.

استعادت الجماهير ذاتها بوجودها في الشوارع وبأزقة المخيم وبتحديها للمحتل، استعادة الجماهير عافيتها النفسية من خلال تحدي مضطهدها ومقارعته وابتكار طرق جديدة في النضال “استعمار المفرقات النارية وحرق الابراج العسكرية …الخ” ، استعادة ثقافة المقاومة العسكرية التي استطاع الفلسطيني ان يستشعر مدى تطورها من 2008 حتى الآن صعوداً وتاثيراً على وضع ميزان الردع الجديد، وتوازن الرعب بل الرعب في المجتمع الصهيوني، ولقد تطورت معها القدرات العسكرية في وضع وتنفيذ الخطط العسكرية البحرية في اقتحام معسكراً صهيونياً، وتفجير بري لحواجز عسكرية، وتطور أداء المقاومة في الجانب الجوي عبر الطيارات الانتحارية، وتطور الماكينة الاعلامية المقاتلة في تطور ملفت، وتحدى غباء القوة للصهاينة وافشال قبتها التي استمدوها من عربة الزبالة.

المقاومة الآن هي التي تضع الشروط لا الاحتلال، المقاومة هي تحدد موعد الضربات لا الاحتلال، الاحتلال يريد التهدئة لا نحن، للحرية ثمن، والوطن يستحق منا التضحية بالذات الفزيقية من أجل النفسية، لأننا بدونها اموات وبالمقاومة نستعيدها.

استطاعت الانتفاضة الشعبية مع الاشتباك العسكري أن تعبر عن ما يهدف اليه الجهاد الاسلامي برؤيته الوطنية من خلال المسمى الذي اطلقه على هذه المعركة” البنيان المرصوص” وهي رؤية ووعي لأهمية اعادة صياغة الرؤية السياسية والوطنية والوعي السياسي والتي تعبر بالضرورة عن وحدة رؤية وجهود وعمل لأية مقاومة مستمرة، يكتب لها الاستمرارية، هذه الرؤية حتى يتحقق لا بد من العودة إلى القيادة الوطنية الموحدة التي تستعيد ثقة الجماهير المنتفضة والقادرة على بلوغ مبتغاها، المطلوب من القيادة ان ترتقى لخطاب شعبها المقاوم.