الرقص مع تسيبي ليفني !

ثريا عاصي

تكون تحركات محمود عباس وتصريحاته كالعادة استنادا إلى التجارب الماضية، لافتة للانتباه ومثيرة للحيرة في آن، عندما تتلازم مع عدوان المستعمرين الإسرائيليين على قطاع غزة بوجه خاص وعلى لبنان وسوريا بوجه عام. أكاد أن أقول الشيىء نفسه عن مساعي الخارجية المصرية ومبادراتها. لقد تبدل دور مصر بعد اتفاقية كمب دافيد، من قيادة «الدفاع العربي المشترك» إلى الوسيط وربما جاز اتهام هذا الأخير بالانحياز إلى جانب المستعمرين أحيانا !
نحن إذن حيال عدوان استعماري إسرائيلي صهيوني جديد على قطاع غزة، لا نعرف عن مبرراته سوى أنه رد فعل على اختطاف وقتل ثلاثة شبان إسرائيليين، في الضفة الغربية، هذا يعني أن عائلاتهم استوطنت في الضفة، أي استولت على منازل أو على أرض، كانت تعيش عليها عائلات فلسطينية. تجدر الملاحظة بالمناسبة، أن الجهة المسؤولة عن هذه الحادثة لا تزال مجهولة. وأن إشاعات انتشرت تفيد بأن المسألة من أصلها تمثيلية مركبة من مشاهد لا صلة بينها . إذا صح ذلك جاز القول افتراضا أن الغاية من العدوان وسفك الدماء والدمار هي الخداع من أجل إيجاد ذريعة لتطبيق خطة معدة مسبقاً القصد منها إعادة ترتيب الأوضاع الفلسطينية . هذا نموذج عن الغلاظة في ذهنية المستعمرين الاستيطانيين، العنصريين حكماً !
من المرجح أن يكون واضعو الخطة المذكورة قد ظنوا أن الشروع في محاولة تنفيذها صار ممكنا نتيجة للأجواء والظروف التي وفرتها «ثورات» عهر ودجل ما لبثت أن تمذهبت . فلم تترك قيمصاً إلا ورفعتها طلبا للثأر، بانتظار انتهاء الولايات المتحدة الاميركية من تهيئة الأدوات اللازمة لتكرار حرب عدوانية على سوريا، تجمع بين تجربتي حرب القاعدة في أفغانستان من جهة وحرب الكونترا في نيكاراغوا من جهة ثانية . أي إعداد جيوش من المرتزقة تحت أسماء كمثل داعش والنصرة إيذانا ببدء مشي القهقرى تحت راية الخليفة أمير المؤمنين .
حتى غالبية وسائل الإعلام في الغرب. وهي مسعورة في هذه الأيام كما لا يخفى، تعترف بأن معظم القتلى في قطاع غزة هم من المدنيين . المستعمرون الإسرائيليون يقاتلون، بواسطة آلتهم العسكرية المتطورة، أناسا لديهم سلاح بدائي، محاصرين على مساحة طولها 35 كلم وعرضها 10 كلم. وصف المفكر الأميركي تشومسكي ذات مرة، حرب المستعمرين الإسرائيليين ضد القطاع بأنه مجزرة وإبادة .
هذه توطئة أضعها تمهيدا الى تسليط الضوء على بعض المواقف التي ظهرت فـي بـلاد العـرب قبـل بـدء الهـجـوم عـلى قطـاع غـزة وبالتـلازم مـعه . ما يدل في أغلب الظن، على وجود علاقة تربط ما يجري في القطاع بالتطورات المتلاحقة في البـلاد التـي أصـابتها بلوى الثورات بتحريض مـن الولايـات المتحدة الأميركية ومن مشيخات النفط الخليجية .
قرأت عن المبادرة المصرية التي وافق عليها المستعمرون الإسرائيليون والولايات المتحدة الأميركية والسيد طوني بلير، كذاب العراق وسفاحه. ولكن حركة حماس رفضتها ! عقد السيد بلير مع وزير خارجية مصر مؤتمرا صحافيا لشرح بنود المبادرة المصرية . فتذكرت مؤتمرا صحافيا، عشية العدوان الإسرائيلي على القطاع سنة 2008، عقده وزير خارجية مصر آنذاك أحمد أبو الغيط إلى جانب الوزيرة الإسرائيلية تسيبي ليفني . دخلت الأخيرة بصحبة الأول إلى قاعة المؤتمر، يدا بيد، بخطوات كأنها خطوات راقصة !
أُعلن عن المبادرة المصرية، في موضوع الحرب على القطاع، في 13.07 الجاري . التي جاء فيها دعوة إلى أن يوقف المستعمرون الصهاينة الأعمال العدائية على القطاع جوا وبرا وبحرا، بالإضافة إلى دعوة الفلسطينيين إلى وقف الأعمال العدائية جوا وبرا وبحرا ( أن يمتنعوا عن استخدام طيرانهم وبوارجهم !) وإيقاف إطلاق الصواريخ واستهداف المدنييين الإسرائيليين. يتضح من ذلك أن الحكومة المصرية، وهذا شأن الحكومات العربية تساوي بين المستعمِر وبين المستعمـَر. هذا موقف لا أخلاقي يامتياز. كمـا انها تحمل المقاومة الفلسطينية مسؤولية استهداف المدنيين الإسرائيليين في حين أنها لا تذكر المدنيين الفلسطينيين . ما يعني أن الحكومة المصـرية متواطـئة مع المستعمرين المعتدين ! ما بعد الثورة كمثل ما قبلها !
المفارقة هنا، أن جامعة الأزهر ارتأت في 16.07 أن تمنح الملك السعودي، دكتوراه فخرية، تقديرا لجهوده في دعم استقرار مصر وفي خدمة قضايا الإسلام والمسلمين . وبما أن لتوقيت الأحداث أهميةً، يحسن التذكير بأن السيد طوني بلير، كذاب العراق، وصل إلى القاهرة آتيا من فلسطين المحتلة في 16.07، حيث التقى رئيس مصر ووزير خارجيتها . ووصف المبادرة المصرية بانها « خطوة هدفها التعامل مع العمليات العسكرية والتوصل إلى وقفها تماما وإتاحة الفرصة لصياغة الأوضاع في قطاع غزة على المدى المتوسط والبعيد». هل هذا وعد من السيد بلير بدولة قطاع غزة وعاصمتها «القدس» !
أما المستعمرون، فإن ما يريدونه هو نزع سلاح المقاومة ! وتوسيع دائرة التنسيق الأمني بينهم وبين سلطة رام الله لتشمل قطاع غزة. أما حماس فأغلب الظن أن السيد عزمي بشارة، الذي اختار أن ينظر لثورات العرب من إمارة قطر، توكل بعرض اقتراحاتها التي تتناسق في رأيي مع الأفكار التي حملها كذاب العراق وسفاحه. هدنة ومطار وميناء وقوات دولية على الحدود، وتدويل معبر رفح، ومصالحة بين السلطتين الفلسطينيتين . لا مصالحة من دون رعاية إسرائيلية !
من البديهي أن الذين يتصدون للعدوان على القطاع، وأن الشهداء المقاتلين والمدنيين، لا علاقة لهم بالذين يساومون المستعمرين الإسرائليين العنصريين ووكلاءهم. سواء الكتلة التي يقودها آل سعود وتضم الحكومة المصرية وسلطة محمود عباس، أو الكتلة المنافسة التي تضم تركيا وقطر وحماس .
مهما يكن تجدر الملاحظة أنه تواجد في القاهرة في آن واحد، ممثل عن حماس إسمه موسى أبو مرزوق (نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس)، ورئيس «سلطة التنسيق الأمني» محمود عباس، ووفـد إسرائيلي أمني . هل يريدون إحياء تفاهمات عمود السحاب 2012 التي أخلّ بها المستعمرون الإسرائيليون أم أنهم يسعون إلى استبدالـها باتفاقـية الجرف الصامد. إن أشلاء أطفال فلسـطين في قطاع غزة تتحدى كل انسان أينما كان : لا يحـق لمن يدعي أنه مسلم أن يفعل ما يشاء ولا يحق لمن يدعي أنه يهودي أن يفعل ما يشاء .. ولا يحق لقادة الغرب الاستعماري أن يتشـدقوا بالكـلام عـن الحـرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. لقد فرضوا شريعة الغاب !