إن لم تنتفضوا قاطعوا فهي اشتباك بين حرب وحرب

عادل سمارة

(ملاحظة: التالي كلام قاسٍ، فمن يسري التطبيع في دمه، لا داعٍ أن يُكمل القراءة.)

في حالة فلسطين والوطن العربي، فإن المقاطعة ومناهضة التطبيع هما:

·       مقاومة أو حرب كل الشعب في الفترات الممتدة بين حرب السلاح وحرب أخرى

·       وبما هي مشاركة شعبية فهي عناد شعبي خروجاً على استدخال الهزيمة.

لماذا الوطن العربي؟

لأن معظمه تحت أنواع من الاحتلال والاستيطان وجميعه تحت الاستهداف.

مع فورة العواطف تتجدد الدعوات لمقاطعة منتجات الأعداء. نعم الأعداء  بدءاً من الكيان فالسعودية فتركيا فالغرب. فورات مؤقتة تأتي وتمضي، ولذا لا يُعوَّل عليها إن لم تتحصن بالتجذير والمأسسة والديمومة.

ليس هذا الكلام قاسياً، لأنه وصف واقع. هذا الحديث متعلق اساساً بالضفة الغربية وملخصه: “إن لم تنتفضوا فقاطعوا”.

يرتد فشل المقاطعة في الأراضي المحتلة إلى ثقافة منظمة التحرير الفلسطينية وخاصة في مرتكزاتها الهشة التالية:

·       الافتقار لثقافة تنموية. فبدل التجهيز لتنمية بالحماية الشعبية كان اقتصاديو المنظمة قبل أوسلو يَعِدون الأرض المحتلة بأن تكون (تايوان أو سنغافورة). كان رأيي منذ 1985 بأنه بمعزل عن البنية الخدمية التابعة والموجهة للتصدير لهاتين البلدين، فإن الإمبريالية لن تسمح هنا سوى لتايوان واحدة هي الكيان الصهيوني؟؟؟؟؟.

·       اعتماد منظمة التحرير على المال السياسي العربي (الريع) وهو الوباء الذي جلبته معها إلى الأرض المحتلة.

·       تنازل منظمة التحرير عن المشروع الوطني مما جعل المقاطعة ومناهضة التطبيع تطرفا وخروجا عن “الصف”.

·       توغل ثقافة الاستهلاك كنقيض قاتل لثقافة التنمية بالحماية الشعبية. فالثقافة التنموية والاستهلاكية نقيضان تناحرياً.

كافة هذا الأمراض أتت مع سلطة أوسلو، وهذا لا يعني أنها لم تكن موجودة في الأرض المحتلة قبل اوسلو.

حينما تم توقيع كارثة اوسلو، وأعلن أبو عمار نهاية المقاطعة لأننا دخلنا مرحلة “السلام” كتبت ضد ذلك، فرد عليَّ كثيرون وخاصة في جريدة الطليعة الأسبوعية ممن اعترفوا بالكيان منذ عام 1947، وممن يصفقون للرجل سواء من حزبه أو من اليسار. لم يكن سهلاً أن تبقى نمطياً في بنية مجتمعية زَلِقة تابعة ممولة بالريع ويقودها التطبيع.

ولكن، لماذا هذا الخلل في مجتمع وطنه مغتصباً؟ اليس هذا امر عجيب؟

تكمن العلة في بؤس منظمة التحرير المشار إليه أعلاه وفي طبيعة البنية المجتمعية المكسرة إلى شقف وشظايا. بنية كهذه تولد وطنيين ولكنها  لا تولد طبقات ذات وعي سياسي، بل شرائح طبقية فقراؤها بعواطف وطنية واستعداد كفاحي عالي يعلو ويخفت حسب استغلال الشرائح البرجوازية والقيادات السياسية للفقراء. شقف المجتمع لا تولد أحزابا حقيقية لأن الأحزب الحقيقية نتاج طبقات حقيقية. نعم تولد حركة مقاومة، ولكن ايضاً تولد من يتاجر بها ويستثمر دمها. لذا لدينا جماهير تبحث عن من يمثلها.

حينما ذهبنا إلى سلام راس المال فقدنا إضاءة المشروع الوطني، فتعمق التطبيع وتجاوُز المقاطعة  واتضح ان شرائح من البرجوازية وحدها لديها وعي طبقي مصلحي اولي أقل من سياسي. لماذا أقل من سياسي لأن المصلحة الطبقية للبرجوازية يجب ان تقوم على المصلحة الوطنية لبرجوازية تحمي سوقها الوطني. أما هذه البرجوازية فمتخارجة غير منتجة ولذا تتحول وتتكيف أميبياً إلى ناقلة تطبيع وانفتاح. لذا لدينا مؤسسات تطبيع: “مجلس الأعمال الإسرائيلي الفلسطيني”  و”مؤتمر بيت لحم للتطبيع الاقتصادي” وغيرها…الخ. ولكي نفهم المفارقة فالسيد منيب المصري هو من مجلس الأعمال الإسرائيلي الفلسطيني وهو الذي “يهندس” مصالحة حماس وسلطة رام الله وهو الذي مشى في شوارع نابلس مع كبير خدم الإمبريالية عمرو موسى (أحد اركان الخليط الحاكم في مصر)، وبينهم كان يسير الرأسمالي المخابراتي الصهيوني ليفي!!!

قبل ورطة أوسلو كان كثير من الاقتصاديين يروجون للاندماج مع اقتصاد الاحتلال ويعتبرون أفكارنا في فك الارتباط كفرا وتطرفاً. كان اكثر من يروج د. هشام عورتاني في جامعة النجاح.

وحين وقعنا في قبضة سلام راس المال تفتق خيال مثقفي الطابور السادس الثقافي فطرح مثلا المهندس ابراهيم الدقاق  وحدة (بر الشام- لاحظ كلمة بر اقرب الى الحديث عن رعي القطعان للعشب) سوريا ولبنان والأردن والكيان!

بعده كان د. رجا الخالدي الذي طرح في مؤتمر ماس 40 سنة على الاحتلال طرح وحدة اقتصادية بين اقتصادات غزة والضفة والكيان وفلسطينيي 1948 . لاحظوا هذا يناسب وظيفته في الإسكوا! أما اليوم فهو يقذف الحجارة على السياسات النيولبرالية ل . د. سلام فياض من خلال وظيفته (اقصد الخالدي) في جامعة بير زيت. انتقل الرجل من آدم سميث إلى ماركس. أما د. فياض فأفتى بمقاطعة منتجات المستوطنات فقط. لذا امتلأت حوانيت التجار ببضائع الكيان وفقط وضعوا ورقة صفرا، يا للصدفة، تقول المكان خال من منتجات المستوطنات! بينما كل البضاعة من منتجات المستوطنة الممتدة من شرم الشيخ إلى ىسعسع!

باستثناء الانتفاضة الأولى (المغدورة والمستثمرة في سوق كازينو السياسة) لم يرتقع الفلسطينيون إلى شرف المقاطعة لأنهم كانوا ولا يزالون في انحطاط التطبيع. كلام قاسٍ ، نعم، لكن التطبيع اقسى بكثير. ليس افضل من كشف الحساب في لحظة التحدي.

حينما كان التطبيع مرتاحاً، كيلت الاتهامات للقلة التي واصلت رفض التطبيع.  تهماً من طراز  التخشب والتخوين والقومجية والأرثوذكسية الماركسية…الخ.

أنظروا اليوم لخيول كل زمان، استمعوا لمن يثرثرون عن المقاطعة، كثير منهم غارقين في التطبيع. راجعوا ماضيهم من شهر وما وراء!!! هم انفسهم من فلاسفة اوسلو وممن كسبوا وتوظفوا كبار المناصب وطبعوا حتى انطبعوا!. لذا، يبقى السؤال: هل ستتابعونهم بعد ان يخف نزيف الدم؟  حين يعودوا لما دابوا عليه؟ هذه هي الرقابة الشعبية. فالحماية الشعبية من شروطها الرقابة الشعبية. نعم لأن الانتباه الموسمي والمتقطع درجة من تعاطي الأفيون.

هل ستسمحوا لهم هذه المرة بعد دماء غزة ان يفتكوا بوعيكم؟ الفتك بالوعي أخطر من الفتك ببكارة المرأة الحرة.

واجب وطني ومصالح طبقية:

المقاطعة جوهريا هي مشروع وطني تنموي. ولأن المقاطعة عمل شعبي جماهيري وليست مسألة قانون تضعه سلطة تشريع او تنفيذ، فهو إذن مشروع تنمية بالحمالية الشعبية. فبدون انتماء ومشاركة الشعب لا يمكن حصول تنمية. المقاطعة تحفظ الفائض المحلي في الاقتصاد المحلي ليتم استثماره إنتاجياً. هذا هو سر التنمية في المقاطعة ومناهضة التطبيع. بل هو سحر الاقتصاد السياسي. هو قرار محلي ذاتي بمحاولة الاعتماد على الذات. بل هو شعور كل مواطن أن مساهمته الوطنية غير المكلفة بل المربحة هي في المقاطعة ومناهضة التطبيع والمطبعين.

ولكن، علاوة على ما ذكرنا من اسباب حالت دون المقاطعة، نحن الان أمام سبب كبير وخطير. هناك قيادات في القوى السياسية إضافة للسلطة هم جميعا مصلحيا ضد التطبيع. فالشرائح الكمبرادورية والتجارية الطفيلية موزعة بين مستقلين وحلفاء للسلطة (فتح وحلفائها من القوى الأخرى) وحلفاء لقوى الدين السياسي (حماس خاصة تجارها). هؤلاء لا شك سيحاولوا إحباط المقاطعة لأن مصالحهم التجارية والكومسيونجية مع الاحتلال وحتى مع تركيا والدول الغربية المعادية. قد يقول أحد “الناعمين/ات” هذا الحديث تحريضي في لحظة التحالف الوطني! لا ، هذا اعتراض هراء. لأن المطبعين/ات ورفضي المقاطعة طالما طعنوا الوطن وأهله، وهم اليوم في أضعف لحظاتهم فلا بد من كشفهم كمحاولة كي لا يعود بعضهم لأن البعض الآخر سيقاتل الشعب بالسيف والبندقية كي يستمر جني الربح اللامحدود.

ولا شك أن مثقفي الطابور السادس الثقافي هم المثقفون العضويون للشرائح الطبقية المطبعة والمستفيدة من إحباط المقاطعة. وإلى جانبهم مجموعات الأنجزة. لن يتكلموا اليوم، بل ربما يخطبون لصالح المقاطعة، ولكن ما ان ينجلي غبار الحرب حتى يعودوا كما كانوا.

لذا، المقاطعة تحتاج موقفا وقراراً متواصلا وشخصيات نمطية وعقلا تنموياً وثقافة تنموية وليست وطنية وحسب.

مبدئياً، لدينا قوتين جبارتين لنجاح المقاطعة ومناهضة التطبيع:

الأولى: أعتقد اليوم أن تشكيل لجان الحماية الموقعية والموضعية لتكون لجان التنمية بالحماية الشعبية هي نفسها بدايات لعمل ممنهج للمقاطعة ومناهضة التطبيع. فهي حتى الآن لجان “بَرِّية” لم يتم تعليبها ولا شرائها. وهي نفسها يمكن ان تكون حركة وطنية قاعدية نظيفة من الريع والفساد.

والثانية: هي المرأة، فهي التي تدير نفقات الأسرة وهي كذلك مدرسة تربية الأولاد على عدم الاستهلاكية وعلى عدم شراء منتجات العدو.

إذا ما بدأنا قاعديا هكذا، يمكن لنا شعبياً ان نخلق نموذجا جديدا في المقاطعة، نموذج التنمية بالحماية الشعبية، كما خلقنا الانتفاضة.

للمطالعة يمكن الرجوع إلى بعض كتاباتي:

التنمية بالحماية الشعبية 1990

Development by Popular Protection vs Development by State 2005