الشعب يُريد الحقيقة

ثريا عاصي

كان بديهيا تبعا للمنطق في مقاربة أخبار الحرب على سوريا والعراق وفلسطين ومصر، أن يستوقفني خطاب رئيس الجمهورية العربية السورية بمناسبة تأدية القسم وأن أقرأه على ضوء الأحداث التي تزامنت معه. لا سيما أن المعطيات التي تحصّلت بين أيدينا تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أننا حيال ما يمكننا أن ننعته بمسرح الدمى وأن الولايات المتحدة الأميركية تمسك بجميع الخيوط ، فهي التي تضع السيناريو وهي التي تحدد نوع الحركة وتوقيت تنفيذها.
جاء في الخطاب المذكور أن السوريين، لم يفترقوا ولم يتحاربوا باستثناء فئة ضالة فاقدة للشرف والكرامة، سيئة الأخلاق . أعطت موطئ قدم في بلادها للمرتزقة الذين جندهم أردوغان رئيس وزراء تركيا وأمراء النفط الخليجيين، لمحاربة سوريا خدمة للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل . هذا ديدنهم . فلقد حرضوا ودعموا العدوان في حزيران 1967 للتخلص من الرئيس المصري جمال عبد الناصر. كانوا حلفاء لشاه ايران، ثم انقلبوا وصاروا أعداء لدودين لإيران بعد سقوط الشاه .
ان صمود سوريا خلال السنوات الثلاث الماضية، لهو دلالة قوية على ان السوريين يدافعون عن بلادهم، فهم لم يتحدوا بعد إفتراق، بل انصهروا في قالب شعب سوري عربي واحد. وأغلب الظن أن بعض العرب، واللبنانيين بوجه خاص، إنصهروا معهم .
هذا ما قاله الرئيس السوري . وبرأيي انه محق . هذا لا يعني أن سوريا لا تتعرض لحرب قاسية صعبة، تشنها قوى كبرى، تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية، وأن السلطة السورية لم تكن على استعداد لصد العدوان، أو أنها لم تكن مستهترة أو انها لم تكن من السذاجة بحيث استأمنت المستعمرين !
من الثغرات التي عددها الرئيس السوري، نجد الإنحطاط الأخلاقي . الذي تجسد من وجهة نظره بفساد إداري فنتج عنه في بعض المواقع فساد وطني . علما أن ترجمة هذا الأخير هي التجارة بالوطن وبالسوريين . هذا صحيح أيضا . من المرجح أن سوريين من فاقدي الشرف وعديمي الأمانة يحاولون من خلف ستارة الثورة المزيفة، إبتكار أنواع جديدة من الفساد الوطـني . بمعنى آخر يحاول هؤلاء السفهاء خصخصة الفساد الوطني حتى لا يبقى حكرا على بعض موظفي الدولة . لقد عرف اللبنانيون الكثيرين من بائعي الوطن .
أربع نقاط أخرى إستوقفتني أيضا، في خطاب الرئيس السوري. منها قوله «إن الغرب الإٍستعماري لا يزال إستعماريا». إغتبطت جدا بهذه الجملة . لأننا لم نعد نسمع كلمة إستعمار، إلا نادرا، منذ أفول الناصرية وترهل فصائل المقاومة الفلسطينية في السبعينيات من القرن الماضي. تفرد العرب عن غيرهم. فجل حكامهم صناعة المستعمرين رغم أن أطماع الأخيرين في بلاد العرب كبيرة! يتطلع هؤلاء الحكام إلى المستعمرين ويستقوون بهم، أملا بأن يتفضّل الأخيرون عليهم بشيء مما أخذوه منهم ! نعم لا يزال المستعمرون مستعمرين. عبثا يحاول زعماء العرب كسب مرضاتهم، أو عقد صلح معهم. من الملاحظ أن هذه الإشكالية بادية أيضا في خطاب المقاومة، الذي يكاد أن يخلو من تعيين العدو بوصفه المستعمر. لا شك أن مرد ذلك إلى هيمنة المفاهيم الدينية على المعطيات السياسة الموضوعية، أو إلى تديين السياسة إذا جاز القول. ولكن هذا بحث آخر!
أنتقل إلى موضوع «المصالحات المحلية» التي أعلن الرئيس السوري انه يتم العمل على إنجازها بالتلازم مع مطاردة الإرهابيين. أتساءل من هم المدعوين إلى هذه « المصالحات»، وما هي الأسباب التي حدت بهم، على العصيان وحمل السلاح ؟. ماذا فعلوا بهذا السلاح ؟ هل استردوا حقا من حقوقهم، ام اعتدوا على عائلة آمنة فقتلوا معيلها وأخذوا أملاكها غنيمة ونساءها سبايا ؟! هل تلقوا أجرا من مشيخات الخليج، هل تدربوا في معسكر في تركيا أم الأردن أم العراق؟ عندما تكون المصالحات كالدوران في داخل الدائرة، تتكرر الحاجة لها!
لا منأى عن القول، انه في الوقت الذي كان الرئيس السوري يلقي خطابه، كانت تجري في مدينة الرقة، أحداث مروعة وصادمة. أو بالأحرى هذا ما توحي به الأشرطة المصورة التي تبثها الأجهزة الإعلامية والدعائية، المرافقة لحراك يعتريه الغموض تحت إسم «داعش». أنت لا تستطيع أن تنسى «داعش». تخرج عليك أجهزة الإعلام والدعاية يوميا بأخبار غريبة عجائبية عن أفعال «داعش». كان آخرها ملصق لفيلم سينمائي قديم، تظهر فيه إمرأة سافرة . قالوا لنا هذه الإمرأة هي فلانة من الرقة، حكمت داعش عليها بالرجم. تحسن الملاحظة أن أجهزة الإعلام في الغرب أغفلت الخبر ولم تبال به!
إذن في الوقت الذي كان فيه الرئيس السوري يلقي خطابه، كانت « داعش» تعيث في الرقة وفي حلب وحمص فسادا ! من المرجح ان «داعش» تخفي مسألة أكبر من جماعات تضم رجالا حفاة يحملون بنادق ويلبسون بزات سوداء. لا تستطيع مثل هذه الجماعات الإستيلاء على مواقع، والثبات فيها، في مواجهة جيش نظامي ! اللهم إلا إذا كانت هذه الجماعات، واجهة يتمترس خلفها جيش نظامي، عدو! المستعمرون الإسرائيليون يحتلون الجولان، فمن هم المستعمرون الذين يحتلون الرقة وحلب ويرسلون العصابات الى حمص ؟ يجب أن يعرف السوريون في هذه الظروف، كل الحقيقة . هذا زمان الحقيقة!
أصل الآن إلى مسألة هامة أخرى تطرق إليها الرئيس السوري، وهي مسألة التفاعل بين الشعب والقيادة . أن أي دور سياسي منوط بالشعب يقتضي إطلاق حريات الرأي والفكر والتنظيم بالإضافة الى التطبيق الحازم للمساواة . أما التفاعل الذي دعا إليه الرئيس فأنه لا يقتصر فقط على الحوار وتقديم المقترحات إلى «القيادة» فقط وإنما يشمل أيضا حركة الأشخاص بين الجماهير وبين القيادة بحسب آلية تتيح وضع الرجل أو الإمرأة، المناسب أو المناسبة في المكان المناسب.
في سوريا، سقط الربيع العربي وافتضحت الثورات المزيفة والنفاق في الدين. السؤال هل تظهر الحقيقة أم أنها ستـُوأد كما وُئدت أخواتها قربانا على مذبح المصالحات والصفقات!

:::::

“الديار”