انها أول فلسطين، وليد الهليس

غزة في ليل الهول. هول لا احد يعرف متى ينتهي. كأنه غول الاساطير يفلت من كتاب الرعب لكي يلغ في لحم اطفال غزة ونسائها وعُزَّلها. مدينة الاقدار التي نهضت تصد عن نفسها، وفي البال منها كل امتها. وما ذنبها انها كلما ازدادت بسالة كلما امعن الاخوة من حولها في الهوان.

“بم التعلل لا اهل ولا وطن”

فالاهل علّوا بكأس الذل وامتُهنوا

وما تبقى لكم شئ سوى دمكم

هو السبيل الذي يعلو ولا يهن.

فجر غزة هواء محترق، وشارع محطم وطفل تقاسمت اشلاءه الجدران والغصون والحجارة.

فجر غزة ذاكرة فلسطين التي كاد يطالها النسيان.

لا وقت لدفن الشهداء في غزة.

لا قبور للشهداء.

القبور للجثث التي ما تزال تشيع عفن ارواحها في صحف  وتليفزيونات اعراب كان يجب ان يهال عليهم ترابً قبل خمسة عشر قرنا.

وليل غزة مظلم؛ لا كهرباء ولا ماء ولا دواء، ولا حتى لحظة صمت صغيرة لتمتمة رجاء لن يصل.

وليل غزة ليس ليلكةً

يتبادل العشاق لمستها

والفجرليس جناح  قبرَّة

تلقي الى الاغصان رعشتها

والصبح ليس يمامةً هدلت

ما بين عاشقة وصبوتها

 واهل غزة يعرفون ان الميت لا يبعثه استغاثة ولانداء. فمن يجيب النداء هو انسان، حي وحر. والحياة والحرية شرطان لكي يجري دم الشهامة والنخوة في العروق.

مضى زمن ظننا فيه النخوة عربية والشهامة عربية.

اهل غزة يعرفون ان من يستكثر الحرية على ابناء شعبه، لا يمكن ان يكون حرا، وهم يعرفون ايضا ان العبد الذليل لا نخوة له.

لم يتركوا حجرا

 على حجر

لم يتركوا قمرا

على شباك عاشقة

ولا غصنا تسيل له الغيوم

لم يتركوا قلبا بلا جرح

لم يتركوا عينا بلا دمع

ولا عشا لدوريٍّ

ولا ليلا تهيم به النجوم.

ولكنها غزة لا تُذلّ.

تقف عارية ومثخنة بجراحها ودائما عزيزة.

كريمةً دائما بأبنائها البواسل، تذود عن شرف انتمائها وعن حق اطفالها في الحياة والحرية؛ حق قدمت لاجله دمها وجوعها وانفرادها في وجه رعب لا يجرؤ على التحديق فيه سوى من حمل بين ضلوعه قلبا مثل قلبها وروحا عالية كروحها.

غزة القدر العنيد.

هي التي رفعت كفها في وجه قطعانهم:

عودوا الى اوجاركم؛

وتسلقواحبل الاساطيرالتي منها انحدرتم،

خلسة اللص،

الى اعمارنا.

عودوا،

ولاتتوقفوا

ما دون اسوارالمدينة

واحملوا معكم توابيت العهود.

عودوا،

الى البحرالذي من خلفه جئتم

الى شطاننا.

عودوا،

ولاتتلفتوا

لوداعة الامواج قبل ولوغكم في لحمنا،

فهديرها العالي يعود.

عودوا الى اوجاركم؛

وخذوا الوصاياالعشر،

كاملة؛

خذوا رب الشواء،

وانبياء كتابكم معكم،

خذواعارالجنود.

عودوا الى اوجاركم؛

عودوا،

وخلونا نلملم لحم قتلانا،

ونبني بيتنا المحروق

بالصلصال

والدم

والخلود.

غزة هي لؤلؤة التاج على رأس كل حرٍ. انها تحطم المحارة القاسية لتولد من جديد. غزة التي تنزف دمها، لا شئ يشبه الحرية مثلها؛ انها لؤلؤة الحرية؛ انها اول فلسطين.