غزة وحال الأمة

المبادرة الوطنية الأردنية

 

صراع تناحري دموي ، إنفجر على صعيد الأمة العربية بشكل عام، بين مشروعين: مشروع التحرر الوطني العربي من جهة ، ومشروع إدامة التبعية للمركز الرأسمالي المهيمن، من جهة أخرى.

صراع دموي إنفجر بدءاً من القصف الجوي الهمجي لقوات الناتو على ليبيا، بمشاركة من طيران دول عربية تابعة، وصولاً إلى الحرب على سوريا، من قبل قوى التبعية العربية منفردة ظاهرياً، وتحت إمرة المركز الرأسمالي توجيهاً وتخطيطاً، لأنها حربه.

صراع دموي ، هو جزء من صراع إقليمي يقوده محور مقاوم وممانع  – سوريا إيران المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية وقوى التحرر الوطني العربي – ضد مخططات المركز الرأسمالي، المهيمن على ثروات ومقدرات شعوب ودول المنطقة، وهي ثروات طبيعية هائلة، وفي مقدمتها الطاقة (أنظر : عالم جديد يتشكل بين عقدة خطوط الطاقة حمص والعقدة الجيوسياسية الأردنwww.almubadara-jo.org   ) ، هجمة تسهدف حجز تطور هذه المنطقة الإقتصادي والإجتماعي والسياسي والثقافي، وإبقاءها تحت الهيمنة.

خارطة الصراع اليوم ممتدة على كافة الساحات العربية، إنه صراع حقيقي وموضوعي، لأنه صراع فرز موضوعي تحت لهب النار بين قوى التحرر وقوى التبعية، فلا داعي للبكاء الزائف على أن الشارع العربي نائم وغير مبالٍ  بما يجري مثلاً في غزة أو سوريا أو العراق…الخ، جذر هذه المقولة يعود من جانب إلى قوى محددة من أطراف حركة التحرر العربي، وبسبب طبيعتها البرجوازية والانتهازية، فهي غير قادرة على السير في النضال حتى نهايته، فتردد مثل هذه الشعارات والمقولات ” يا وحدنا ” ، كمبرر لانحراف لاحق ومساومة مع العدو على حساب المصالح الوطنية العليا، وقد عشنا مثل هذه التحولات في عدة مواقع في العالم   العربي ، كانت تحكم من قوى مفترض أنها وطنية وثورية وحركات تحرر وطني، حيث  أوصلها الانحراف إلى حضن العدو، وتحولت إلى قوى تابعة للمركز الرأسمالي، ومن جانب أخر قوى تعتبر النضال هو النزول إلى الشارع والتظاهر فقط ، في حين ترفض أو تعجز عن بناء حركة تحرر في موقعها الذي هي معنية فيه، فتتحول مع الوقت إلى قوى مقاولة سياسياً.

الصراع ممتد على مساحات العالم العربي، ففي :

 شمال إفريقيا وخصوصاَ ما يجري في ليبيا : صراع قبائلي جهوي قروسطي  ، صراع المجاميع الظلامية‘ على حساب الشعب الليبي وثرواته وتطوره ورقيه وازدهاره، مقابل تبلور أنوية قوى جديدة معنية بإعادة بناء الدولة الوطنية ، لتجد نفسها في المستقبل غير البعيد، جزءاً  من حركة التحرر الوطني العربي.

شبه الجزيرة العربية، وخصوصاً ما يجري في اليمن من صراع قبائلي و مناطقي ،ومجاميع ظلامية ، مقابل محور قوى تحمل مشروعاً وطنياً، وفي القلب منه بناء الدولة الوطنية المستقلة، ونضال الشعب البحريني في سبيل إنفاذ حقوق الأغلبية العظمى من الشعب، وأزمة تنحر النظام السعودي، وحراك في الكويت.

 العراق ، حيث هجمة قوى التخلف الظلامية، قوى التطهير متعدد الأوجه، طائفي مذهبي إثني، لا بل تطهير أيدولوجي لكل مخالف لنموذجهم، فما هو شكل هذا الصراع في الوقت الذي يحدث فيه  أكبر عملية سطو في تاريخ العراق على ثرواته، ثروات هائلة تحت سطح     أرضه ،  تتعرض لسطو الشركات العملاقة متعدية القوميات ، وسطو بدائي لمجاميع ظلامية مسلحة، وشعب أصبح مفقراً ومعدماً  ومذرراً ، في ظل غياب أي دور لحركة تحرر وطني حقيقية، وفي ظل عدم قدرة مجموعة العملية السياسية من الحفاظ على العراق ، وطناً ومجتمعاً وثرواتٍ طبيعية، فإن مستقبل العراق مرهونٌ أكثر للتطورات التي تجري على محيطه، أي تطور موازين القوى في الإقليم.

سوريا ، حيث تعرضت لأعنف هجمة إرهابية  تحت عناوين مختلفة ، ظلامية قروسطية وقومية ويسارية متحولة ولبرالية ، تحت عنوان مخادع “ضد الاستبداد والدكتاتورية” في سبيل “الحرية والديموقراطية والتبادل السلمي للسلطة” . وجميع هذه القوى المشاركة في هذه الحرب على سوريا ، هي قوى تابعة مرتبطة بالمركز الرأسمالي، حيث يمكن القول بموضوعية، إن هذه الهجمة قد فشلت واندحرت إلى حدٍ كبير، وإن تغيير موازين القوى في سوريا لصالح قوى التحرر الوطني، هو ما سينعكس بالضرورة على صعيد موازين القوى في  الإقليم.

لبنان ، فرضت قوى المقاومة والقوى الوطنية  اللبنانية هيبتها على الساحة السياسية وتمكنت من تجنيب البلاد حرباً  أهلية ، وفي الوقت ذاته شكلت سياجاً على حدود لبنان وداخل سوريا ، منعت قوى الظلام من اجتياح لبنان .  موازين القوى داخل لبنان مختل تماماً لصالح قوى المقاومة والقوى الوطنية، وقرار الحسم في يدها، لا بل ساهم انخراط حزب الله والقوى الوطنية اللبنانية في تغيير موازين القوى على الصعيد السوري، وبالتالي على صعيد موازين القوى في الإقليم.

على الصعيد الإقليمي ، شكلت إيران سنداً حقيقياً داعماً لمحور المقاومة اللبناني الفلسطيني، وشريكاً موثوقاً ضد هجمة المركز الرأسمالي، بكافة صوره وأشكاله على سوريا . وقدمت إيران الدعم متعدد الأشكال وعلى كافة الصعد  ، لصمود سوريا في معركتها القاسية والممتدة على مدى أكثر من ثلاث سنوات. كما وصمدت إيران في معركتها الطويلة والمخادعة على مدار عدة عقود، وخرجت من هذه المعارك، نتيجة لسياسة الاعتماد على الذات أكثر قوة، لا بل فرضت نفسها كقوة إقليمية ودولية.

على الصعيد الدولي ، صراع ضارٍ  بين محورين: مركز رأسمالي مأزوم هابط وعلى كافة الصعد، ومحور البريكس المتعافي النامي، وحدّة الصراع بين هذين المحورين تشتد مع مرور الوقت ، والأزمة الأوكرانية المفتعلة من قبل المركز الرأسمالي ، تستهدف جر روسيا الاتحادية إلى حرب استنزاف ، بعدما فشل مخطط ضرب سوريا بفضل الدعم الروسي الكبير، وتنامي الدور الروسي على الصعيد العالمي ، يرافقه تنامي الدور الصيني في تقرير السياسة الإقتصادية العالمية.

كون الصراع على كافة الساحات العربية هو صراع تناحري بطبيعته، فلا مجال إلاّ أن ينفي طرف الطرف الآخر، وبناء عليه فإن الاصطفافات في هذا الصراع لا بد إلاّ أن تكون واضحة، وجبهات التصادم محددة، والإستهدافات بللورية، فلا مكان لنصف المواقف، ولا مكان للتردد، ولا مكان لمواقف إنتهازية ، تقضي في النهاية على ممارسها في ظل هكذا صراعات.

الذي يجري في غزة ليس منعزلاً عما يجري في الإقليم والعالم من صراع . فأي تصعيد في أي منطقة وموقع يرافقه تصعيد في الموقع المضاد، وهذا ما نلمسه في ترابط حلقات الصراع في  سوريا والعراق واليمن وغزة، وليبيا وأوكرانيا، ومحادثات إيران مع دول الغرب بخصوص مشروعها النووي، لا بل دورها الإقليمي والدولي.

يمكن القول بكثير من الموضوعية ، إن الأهداف العسكرية من الهجمة على غزة قد فشلت، ولكن هل يمكن سحب هذا الإستنتاج على الصعيد السياسي؟

فما هو الهدف الرئيس من هذه الهجمة؟

يبدو أن هدف الهجمة على غزة ” تصفية المقاومة الفلسطينية المسلحة بسقفه الأعلى ، أو إضعافها لدرجة تصبح معه عاجزة عن مجابهة مخطط تصفية القضية الفلسطينية، بسقفه الأدنى”

لماذا تم إنفاذ هذه الهجمة في هذا الوقت بالذات؟.

إعتقد المركز الراسمالي أن الظروف مواتية تماماً للهجمة على غزة، بناءً على معطيات بين يديه، ويبدو أنه لم يقرأها جيداً، لا بل إنه وقع في مطب عدم التمييز بين الفرز الحقيقي الذي يجري على الصعيد العربي: بين قوى التحرر الوطني وقوى التبعية، فرز معمد بالدم، وبين ما بدا  له بأنه استطاع إشغال قوى محور المقاومة والممانعة ،  بالدفاع عن ذاتها ضد هجمة قوى التبعية الظلامية العسكرية عليها، ولم يعِ أن هذه الهجمة استنهضت الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، بكافة مواقعها، وشدتها بعنف للدفاع عن إستقلال أوطانها ، ومنحت قوى المقاومة  التي هي تحت الاحتلال ،  الثقة بإمكانية هزيمة قوى الاحتلال، مما أعاد إنتاج مشروع التحرر الوطني ، و وضعه على جدول أعمال كافة الشرائح الوطنية العربية، فأنتجت هذه الهجمة عكس ما كان يرتجى منها من قبل المركز الرأسمالي.

كما واعتقد المركز الرأسمالي ، أن بعض القوى الفلسطينية ( التابعة) في السلطة وفي المقاومة ، قادرة على أخذ فصائل المقاومة المسلحة إلى موقع آخر، إلى موقع محاور قوى التبعية العربية والإقليمية، ويبدو أن صراعاً قادماً سينفجر، لا محالة، بين طرفي معادلة قوى التحرر الوطني وقوى التبعية في السلطة وفي صفوف المقاومة،  وفور انقضاء هذه الهجمة.

ويبدو أن بوادر هذا الصراع آخذ بالبروز الآن، وبتشجيع من محاور التبعية الفاعلة: محور قطر تركيا ومحور السعودية مصر، لا فرق بينهما، من خلال المبادرات المتضادة في الظاهر ، ولكنها في الجوهر تهدف إلى تسليم قوى المقاومة سلاحها، تحت وعود إغداق الأموال على غزة ، وترويج وهم الطفرة الإقتصادية وبحبوحة العيش، ووعود بتدفق أموال خليجية وتركية، لبناء المواني والمطارات ، وجعل غزة منطقة التبادل التجاري في المنطقة.

هل نذكر تجارب الثورة الفلسطينية ؟؟ فبعد معركة الكرامة (1968) حصل التفاف جماهيري واسع حول المقاومة، وحالة نهوض عربي بعد هزيمة حزيران، استغل هذا الإنتصار من أجل مساومة معروفة مع النظام السعودي، تحت عنوان فصل الثورة الفلسطينية عن حركة التحرر العربي، ثم تجلت هذه المساومة بشعار عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، ثم بعد ذلك تم رفع شعار “القرار الوطني المستقل” ، الذي ترجم على أرض الواقع “فلسطنة الثورة الفلسطينية” ، وصولاً لشعار “يا وحدنا” ، لنصل إلى “سلطة” تقاوم بقوة وتعلن ذلك بأنها “لن تسمح بإنتفاضة ثالثة” ، في الوقت الذي تمارس فيه القوى الصهيونية أبشع صور الإجرام ضد المدنيين الغزاويين، وضد الفلسطينيين في أراضي عام 1948.

  • المعركة الجارية على الأرض الفلسطينية من غزة ، مروراً بالضفة و وصولاً إلى أراضي أل (48) بأشكالها المختلفة،هي معركة في سيرورة حرب تحرير         شعبية ، ضمن مشروع التحرر الوطني.
  • الصدام على صعيد الأمة العربية هو صراع فرز حقيقي بين قوى التحرر الوطني وقوى التبعية بكافة اشكالها ، وفرص إنجاز مهمات التحرر الوطني العربي أصبح متاحاً  بشكلٍ كبير.
  • مؤشرات على تغيير موازين القوى على الصعيد الإقليمي والدولي لصالح قوى التحرر.
  • صمود غزة ومقاومتها الباسلة عززت فرص قوى التحرر الوطني الفلسطيني لإستعادة دورها في صفوف الشرائح الوطنية الفلسطينية الكادحة والمنتجة، عبر ربط مهمات التحرر الوطني بمهمات التحرر الإجتماعي.
  • الفرز الحقيقي في الساحة الفلسطينية يجري فعلا، في لهيب هذه المعركة، بين قوى المقاومة التحررية وقوى التبعية بأشكالها المختلفة ، مسلحة أم مجموعة التبعية في السلطة.

” كلكم للوطن والوطن لكم”