المطلوب رأس المقاومة !

ثريا عاصي

من سمات الحروب في الشرق العربي أنه إذا قدح نارَها اغتيالُ شيخ القبيلة أو زعيمَ الطائفة أضرمت نار الحرب واستحال إطفاؤها. بل تتحول حادثة القتل إلى شماعة وتصير الحرب مهنة ومصدر ارتزاق دون أن تؤخذ بالحسبان الظروف ودون البحث عن حيثيات الإتهام. الطامة الكبرى أنه في أحيان كثيرة، يكون القاتل طرفا ثالثا غريباً أو أجنبياً، يريد الإيقاع بين قبيلتين أو طائفتين «عربيتين» يضمر لهما البغضاء ويتمنى إضعافهما أو أنه يسعى إلى امتحانهما من أجل إختيار أفضلهما معينا له. إن إعدام الرئيس صدام حسين في صبيحة العيد جريمة أميركية بإمتياز كمثل إغتيال الرئيس رفيق الحريري ! ولكن هذا بحث آخر !

من سمات حروب العرب أيضا، أن ذكرى القتلى الذين يسقطون في ميادينها لا تدوم طويلا. ذلك مرده في تقديري إلى عدم ثبات المواقف وتضعضع الرؤية وإلى ضعف الأمانة وقلة الوفاء وخفة العقل. أي بصريح العبارة إلى التخلف أو بالأحرى الى الهمجية والجهل.
نظرة إلى المشهد اللبناني : حرب في عرسال، بلدة لبنانية محاذية لسوريا، بين الجيش اللبناني من جهة وجماعات مسلحة من أصول مختلفة، غير لبنانية. تؤدي الحكومة اللبنانية دور الوسيط من ناحية وتنافق من ناحية ثانية فتعلن انها مع الوطن ومع الجيش وضد الإرهاب.

في زاوية أخرى، نلحظ حركة سفراء الولايات المتحدة الأميركية والخليج والإتحاد الأوروبي. يتساءل المرء عن الدور الذي يؤديه الأخيرون ودولهم في حرب عرسال. هل هم يقومون أيضا بالوساطة بين الجماعات المسلحة وبين الجيش. ما هي طبيعة قنوات الإتصال التى تربط السفراء المذكورين بطرفي النزاع ؟ يحق للمراقب أن يتساءل عن مفهوم الدولة لدى أمراء الحرب في لبنان الذين يتولون في الراهن إدارة «الدولة» سياسيا ومذهبيا. وعد الملك السعودي رئيس الجمهورية اللبنانية المنتهية ولايته، بتعجيل شراء سلاح للجيش من حكومة هولاند الفرنسي. تجدر الملاحظة أن هذا الأخير أعلن في أقل من عامين الحرب ضد دولتين أفريقيتين فقيرتين هي مالي وأفريقيا الوسطى وكاد أن يشعل حربا ثالثة ضد سوريا !

في زاوية ثانية، نجد الرئيس فؤاد السنيورة القيادي في تيار المستقبل وفي تجمع 14 آذار أيضا وكأنه يعد العدة لسيناريو جديد يحاكي سيناريو 7 أيار 2008. آنذاك كان الرئيس السنيورة رئيسا للوزراء، فقرر بموافقة السيدين جنبلاط وجعجع، «جلب» السيد حسن نصر الله أمام القضاء، بتهمة تزعم «حركة مسلحة» تحاول مد شبكة إتصالات عسكرية أرضية خاصة بها.

لماذا يكون « إنسحاب حزب الله من سوريا أولوية مطلقة «بالنسبة للسيد فؤاد السنيورة، كما جاء في تصريح له ؟ ما هي الدوافع التي حملته على مثل هذا القول ؟ هل أن الرجل إضطلع بإيصال أصداء مقررات مجلس التعاون الخليجي إلى أبعد الحدود، أم هي حماسته اللامحدودة للثورة في سوريا، التي تعترف الوزيرة هيلاري كلينتون أنها صناعة أميركية؟ إتضح ذلك منذ البدء وافتضح الأمر لمن ما يزال لديهم ذرة من حياء من خلال تفقد السناتور الأميركي ماكين لمواقع الثوار برفقة جنرال سوري منشق ومرتزق. أم أن الرئيس السنيورة بصفته قيادياً في تيار المستقبل اختار أن ينصر «داعش» ضد حزب الله ؟! داعش هي إبتكار أميركي أيضا، تقول السيدة كلينتون. جدير أن نلمح هنا إلى أن بعض وسائل الإعلام تزعم بأن «الخليفة» البغدادي على الدولة الإسلامية، ليس عربيا أو عراقيا. وإنما هو إسرائيلي جاسوس لحساب الموساد. إذا صحت هذه التسريبات نكون حيال قصة «بعث» إما للورانس العرب ودوره في ثورة شريف مكة حسين سنة 1916، وإما لكوهين الجاسوس الإسرائيلي في سوريا، الذي تكثر الروايات عن إنجازاته إلى حد أنه يروى أنه كان يرافق القادة العسكريين السوريين عندما يزورون جبهة الجولان، قبل حرب حزيران 1967…الكارثة! كم «كوهين» يوجد يا ترى في الراهن، في سوريا والعراق ولبنان ؟

بالعودة إلى القعقعة التي تعلو إنطلاقا من منطقة البقاع شرق لبنان، درجة فدرجة، من المرجح أننا حيال مرحلة جديدة من مراحل «الحرب العربية الشاملة» باسم الديموقراطية والأسلمة ضد الأوطان والشعوب. من البديهي ان ما يسمع في لبنان من جعجعة عن دعم الجيش في مواجهته للجماعات المسلحة المتعددة الجنسيات التي اتخدت من بلدة عرسال قاعدة إنطلاق لها، ليس في جزء كبير منه سوى خداع ألفاظ.

توخيا للدقة والوضوح أقول، لا يتناول هذا المقال الدين بما هو رسالة توحيدية سماوية، من قريب أو بعيد. فما أنا بصدده هو موضوع سياسي بحت. وفي هذا السياق وكدليل على النفاق، خرج في لبنان من يدعو جهارا نهارا، «السنة» في الجيش إلى العصيان، ومن يحرض «السنة» على الجهاد لنجدة «السنة» في عرسال وسوريا والعراق… ويطالب اللاجئيين الفلسطينيين بصفتهم «سنة»، بالخروج لقتال حزب الله.. علما أن الأخير قاتل المستعمرين الإسرائيليين في لبنان وفي فلسطين وفي سوريا !

مجمل القول وخلاصته أن المواقف والأفعال تقاس في الحقيقة، بمدى تأثيرها سلبا أو أيجابا في بؤر المقاومة المتبقية ضد الإستعمار الإسرائيلي في قطاع غزة ولبنان وسوريا. إستنادا إليه يمكننا القول أننا أمام تيار سياسي يدعي النطق باسم «السنة» ويدعي أيضا تمثيلهم. لا جدال في أن هناك علاقة تربط هذا التيار بالقوتين الإقليميتين الحليفتين للأمبريالية الأمبريالية الاميركية وأذيالها في أوروبا، وبالتالي هما حليفتان للمستعمرين الإسرائيليين أيضا. هاتان القوتان هما دول النفط الخليجية وتركيا. نجح المستعمرون في إلغاء تأثير مصر التي كادت أن تتحول إلى مستعمرة قطرية أو تركية. في المقابل هناك بالقطع، علاقة تربط بين إيران من جهة وبين بؤر المقاومة ضد الإستعمار الإسرائيلي من جهة ثانية. ليست هذه العلاقة بالضرورة إختيارية بل هي إجبارية. لا مقاومة ضد الإستعمار من دون إيران. ولولا المقاومة العربية ضد الإستعمار الإسرائيلي، لأمكن عزل إيران ولكان مصير الإيرانيين وثورتهم كمثل المصير الذي لقيه مؤخرا المصريون وثورتهم. داعش هي تيار سياسي مذهبي زائد أموال دول النفط الخليجية، زائد عسكر تركيا، زائد خطة أمبريالية إستعمارية..