خطورة تطبيع اللاوعي

عادل سمارة

أنجزت الحركة الوطنية المصرية شعار مناهضة التطبيع، إثر إتفاقات كامب ديفيد. وترتب على ذلك رفض شعبي لزيارات المصريين لفلسطين المحتلة ومقاطعة منتجات الكيان.

لكن هذا لم يقتلع التطبيع العميق الذي تمسكت به الدولة العميقة. فالتنسيق الأمني بين مخابرات مصر والكيان لم يتوقف، والحفاظ على الاحتلال السري لسيناء  غير خافٍ حتى اليوم. والعلاقات بين وزارات مصرية كثيرة والكيان كوزارة الزراعة معروف ايضاً ناهيك عن تصدير الغاز بسعر “خيري!!!” واتفاقات الكويز QIZ، وبالطبع سفارة الكيان بقيت في القاهرة وكأنها سفارة طرف ثقيل الظل، وليست سفارة عدو هو وحده الدرجة الأولى في العداوة.

هذا التطبيع في العمق كمُن في اللاوعي للشعب المصري، أما في الوعي فكان الأمر في الشعور الفردي للمواطن.

إلا أن عقول التطبيع كانت تشتغل على نار هادئة مثلا: امتصاص العلاقة القوية بين مصر وفلسطين كعرب يواجهون عدو مشترك وتحويل مناهضة التطبيع إلى رفض فردي أكثر مما هو مشروع وطني وقومي.

لكن الزمر الفكرية Think Tanks للتطبيع اشتغلت على الاستفادة من الحال المزري للاقتصاد المصري وبالطبع اثره على المجتمع. فمصر التي في فترتي السادات ومبارك خضع شعبها لسياسة تجويف الوعي بمعنى القمع الحقيقي والعميق للقوى السياسية من التنويريين إلى الماركسيين، وهو تجويف مقصود به الوصول إلى تجريف الثروة بالنهب والفساد والمحسوبية وسيطرة الكمبرادور، واختراق المثقفين…الخ، هذا الحال خدم التطبيع بعمق بمعنى أنه اشغل المواطن وخاصة الطبقات الشعبية في الهم الفردي وليس الطبقي فما بالك بالقومي. وحين يكون الإنسان فقيرا او بلا عمل ولا دخل، فهو ليس مرشحاً للتطبيع اساساً سوى مثقفي الطابور السادس الثقافي بما هم مرتبطون بالمال حيث التطبيع بالنسبة لهم مهنة ومصدر دخل.

هذا ما كشف عنه الحراك المصري في يناير ويوليو، والذي اسميته “ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة؟”. فقد خلت شعارات الحراك، تقريباً ، من الشعارات القومية ومن الموقف من الكيان. وهذا في حد ذاته تطبيع بمعنى الانحصار بمصر في مصر، وعدم استهداف الكيان وعدم الربط بين مناهضة التطبيع والموقف القومي. وربما باستثناء حالة تطويق سفارة الكيان لا يمكننا القول بان الحراك المصري لامس المسألة الفلسطينية.

ولهذا علاقة قوية بالتجويف والتجريف، بمعنى ان المواطن الذي يرفض ممارسة التطبيع فردياً، لا ينشغل بالتطبيع الرسمي سياسيا ومخابراتياً، لا سيما وأنه منشغل بوضعه الفردي الخاص. ومع ذلك لم ينجز الحراك شيئاً لوضعه الخاص.

على أن ما كشف تعمق التطبيع في اللاوعي، وتسيير هذا اللاوعي للكثيرين في الشارع المصري هو العدوان المواصل على غزة وخاصة العدوان الأخير. فقد انفلتت أجهزة الإعلام في مصر وخاصة الأجهزة الخاصة في هجوم على الفلسطينيين وعلى حركة حماس وفي دفاع عن الكيان سواء مباشرة (مقالات رفعت السعيد-الشيوعي) ونساء ورجال الفضائيات ومقالات في الصحف والتواصل الاجتماعي…الخ. أو لا مباشرة من خلال الهجوم على حماس وعلى الفلسطينيين عموماً. وقد جادل البعض بأن اجهزة الدولة الإعلامية لم تتورط بقدر تورط الخاصة. وهذا يعني، إن كان دقيقاً، خبثا من السلطة وتطبيع عبر الخبث لا سيما وأن نظام الخليط فيه ممثلين للبرجوازية المباركية بدون مبارك وممثلين للسعودية وللسلفية المصرية، ولحلفاء الكيان بعمق عمرو موسى مثلا…الخ وبالتالي ليس انفلات الإعلام المتصهين بسبب قوته الذاتية ولا ديمقراطية السيسي بل لأن الخليط راض عنه وموجه له.

بيت القصيد هو: إن تطبيع اللاوعي، وضع المواطن العادي أمام حالة محايدة من التطبيع الواعي والعلني، فصار يفهم الأمر من باب أنه هو لم يفعلها، بينما لا يرى ان هناك من يفعلها باسم مصر وهذا الذي يفعلها هو نفسه الذي يكمن وراء فقره الاقتصادي الطبقي  وضياعه الوطني وتقصيره القومي .