ضمائر على الضفة الأخرى

د.أحمد الخميسي

الضمير قدرة إنسانية مثل النور تتخطى اللون والعقيدة والجنسية وتصل إلي الحقيقة. وعلى الضفة الأخرى حيث الغرب كان ثمت ضمائرحية دوما، تجتاز كل شيء كالنور إلي جوهر القضية. منذ أيام قلائل اتهم الفيلسوف الإيطالي الكبير جان فانتيمو إسرائيل بالنازية في حوار له مع إذاعة”راي” الإيطالية الحكومية. وقال إن جرائم إسرائيل في غزة تفوق ما ارتكبه هتلر في حروبه ضد البشرية. وأعلن أن على كافة القوى المعادية للنازية والفاشية أن تتطوع في صفوف الفلسطينيين وأن تقدم لهم السلاح والدعم لردع العدوان البربري. قبله بقليل كتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك في جريدة الاندبندنت يقول إن العالم لايعبأ بموت الفلسطينيين،وأنه لو كانت أعداد القتلى والضحايا معكوسة، لاختلفت ردود الأفعال الدولية ولكان الغرب قد أطلق على مايجرى صفة المذبحةولسارعت أمريكا إليالتدخل العسكري في غزة! وكان روبرت فيسك هو أول صحفي يكشف عن دور شمعون بيريز في مذبحة قانا بجنوب لبنان ونشر صورا مرعبة للمجزرة ثم أصدر كتابه” ويلات وطن” عن معاناة اللبنانيين .وعندما رأى روبيرت فيسك الجيش الإسرائيلي يغزو أراضي السلطة الفلسطينية بالدبابات والطائرات الأمريكية كتب يقول ” أستطيع أن أفهم بوضوح لماذا يكره العالم أمريكا”. وكان فيسك أحد القلائل الذين وقفوا في حينه بقوة ضد الغزو الأمريكي للعراق. وعندما وقعت مجزرة النازية الإسرائيلية في جنين أبريل2002، كتب الروائي العظيم جابريل جارسيا ماركيز بيانه الإنساني المدهش ليل الضمير البشري” وأدان فيه الإبادةالمستمرة للشعب الفلسطيني وقال بالنص” إنني أعلن هنا عن إعجابي غير المحدود ببطولة الشعب الفلسطيني الذي يقاوم الإبادة على الرغم من إنكار القوى الأعظم،والمثقفين الجبناء، ووسائل الإعلام وحتى بعض العرب لوجود ذلك الشعب”. بعد مجزرة جنين زار الكاتب البرتغالي الكبير جوزيه ساراماجو مخيم جنين وأعلن من هناك” ثمت أشياء تم ارتكابها من الجانب الإسرائيلي تتسم بنفس صفات جرائم هتلر النازي في معسكرأوشفيتس. ان ما يتعرض له الشعب الفلسطيني أمر لا يغتفر”.وللضمائر على الضفةالأخرى تاريخ أطول من كل هذا ، فحينما وقعت مذبحة دنشواى في 13 يونيو عام 1906،كان من قضاتها مصريون منهم بطرس غالي وفتحي زغلول، وتولى الهلباوي سلطة الاتهام ضدالفلاحين ممثلا للاحتلال البريطاني! وحينذاك كتب الكاتب الأيرلندي العالمي برناردشو مقاله ” فظائع دنشواى” خاطب فيه القارئ قائلا حاول أن تتخيل مشاعر قرية انجليزية يظهر فيها فجأة عدد من الضباط الصينيين ليصطادوا البط والدجاج ثم يحملون ما صادوه مؤكدين أنها طيور برية!” ويمضى الكاتب العظيم ساخرا من الاحتلال البريطاني متوقعا للإمبراطورية البريطانية الفشل والزوال، منددا بالاستعمار وكل ما ينجم عنه. والدرس الذي ينقله إلينا فانتيمو  وروبرت فيسك وجابريل ماركيز وساراماجو وبرناردشو أن هناك شبكة من الضمير الإنساني تمد فروعها إلي كل مكان على الأرض وترتوي من كل أنهار البشرية، وأن على كل صاحب ضميرحي أن يرى الدماء التي تسيل في غزة فلايحول بصره عنها ليفتش في الصغائر هروبا من الحقيقة.

أحمد الخميسي . كاتب مصري

:::::

“الحوار المتمدن”