ليس على البرلمان العراقي حرج !

جمال محمد تقي

 

هو لا يستطيع ان يشرع الا ما تقترحه الحكومة وهو لا يستطيع ان يراقب الا ما تتيحه الحكومة ، وهو لا يحمي نفسه بحصانة الا بماتحصنه به الحكومة ، وبرلماننا يمتاز عن كل برلمانات العالم الحي بانه يمنح الثقة ولا يستطيع سحبها بل انه نفسه معرض لحجب الثقة عنه بقرار من الحكومة !

برلمان مشوه بكل المقاييس التي ارادها مهندسوه ان تكون بالظاهر على اقل تقدير حمالة للاوجه ، ولا عجب في ذلك اذ ان كل مفاعيل العملية السياسية القائمة مشوهة من رأسها الى اساسها ، علم ودستور ومجلس امة ، كل عن  المعنى الصحيح محرف ، هناك اكثر من خمسة هيئات ومفوضيات مستقلة عن السلطة التنفيذية وتتبع رقابيا لمجلس النواب يوحي تشكيلها على فصل للسلطات وعلى وجود دولة مؤسسات لا يجير عملها لخدمة السلطة وانما لخدمة مصالح المواطن وضمان حقه الدستوري بالعيش الامن والحر والكريم ، كونه اي المواطن هو المصدر الاول لكل السلطات ، منها هيئة النزاهة ، وهيئة المساءلة والعدالة ، وهيئة الاعلام والاتصالات ، والمفوضية العليا للانتخابات وهيئة حقوق الانسان ، والبنك المركزي ، ومجلس القضاء ، والمحكمة الاتحادية ، لكن واقع الحال يشير الى ان كل اوضاع هذه الهيئات والمفوضيات لا يمت للاستقلال عن سطوة السلطة المتنفذة بصلة ، لانها بالاساس بنيت وفق نظام المحاصصة الطائفية والاثنية وليس وفق نظام الاختيار الحر على اساس الكفاءة والنزاهة والمواطنة !

كان مجلس الحكم الذي اسسه بريمر في العراق والمكون من 25 ممثلا عن الشيعة والسنة والكرد والاقليات ، اعتمد كنموذج  مصغر لبرلمان العراق الحالي وكل التشكيلات الاولية للمؤسسات الثابتة والمتحركة ، ومن الطبيعي ان لا يدخل هذه المجالس الا الذين امنوا بالتحرير الامريكي للعراق والذين تخادموا مع المشروع الامريكي الايراني في العراق ومن خالف هذه القواعد اما ان يجتث او يستبعد او يسقط او يخنق بكواتم الصوت او يعزل !

 يراد من كل انتخابات برلمانية ان تنتج مجلسا موسعا على شاكلة مجلس الحكم وبرقم قابل للتصرف حتى وصل حاليا الى الرقم 328 ، وبنسب محددة للمكونات الرئيسية الثلاثة وبتراتب تنازلي ، شيعة ، سنة ، اكراد ، مع كوتات مرقمة للاقليات ونسب تطعيم للنساء ، حتى تكتمل صورته ويظهر المجلس للعيان وكانه قد احتوى الشعب كل الشعب ، كيف لا وقد مثل نفسه بنفسه في هذا المجلس الذي احتوى على كل الملل والنحل ، والمفارقة انك تبحث عن مكون المواطن العراقي الذي يعتبر اسميا صاحب كل السلطات ولن تجده !

في ظل وجود قانون انتخابي مفصل على مقاييس القوى المتحاصصة للعملية السياسية والسلطة التي تنتجها لان كل الممثلين في تلك العملية ممثلين بشكل او باخر بأجهزة السلطة التنفيذية ، وفي ظل غياب قانون وطني وشفاف للاحزاب والمنظمات السياسية ، وفي ظل عدم استقلالية المؤسسة الامنية والعسكرية ، وفي ظل غياب المصالحة الوطنية الحقيقية بين مختلف الاتجاهات والفعاليات السياسية الوطنية المقاومة للاحتلال الامريكي والايراني ومخلفاتهما ، وبين القوى المعتدلة المنخرطة في العملية السياسية القائمة ، فان مجمل الاوضاع في العراق ستستمر وبتواتر من سيء الى اسوء ، حيث الدمار والخراب والحروب ، ودويلات المدن والملل والنحل .

اذا كانت الاوضاع شدا وجذبا ايام الاحتلال الامريكي المباشر حتى انسحاب كامل قواتها نهاية عام 2011 ، فان الاوضاع بعد هذا التاريخ قد اخذت شكلا اخر ، عرق فيه المسار الامريكي الى حيث الشروع الفعلي لتنفيذ مشروع بايدن على الارض ، حيث تقسيم العراق الى ثلاث دويلات كومنولثية ، مرورا بتفرد طائفي مدعوم بهيمنة وسطوة ونفوذ ايراني تستخدم به كل الادوات المتاحة داخليا وخارجيا عسكريا ومخابراتيا ، ولا غرابة ان يأخذ شكل الصراع طابع الخلط واللغط غير المتجانس بحكم انفتاح الثغور والفضاءات والمجاري على بعضها البعض ، لا غرابة ان كانت عصائب قيس الخزعلي المدعوم مالكيا وايرانيا ، تقوم بادوار افتراضية يفترض ان تقوم بها داعش ابوبكر البغدادي ، اي عندما يحتدم الامر يتلبس  الدواعش بعضهم البعض فكل منهم داعشي على طريقة مذهبه الذي لا مذهب فيه يدعو للانتحار والاستئجار ، دواعش بدر وابو الفضل العباس وجيش المختار وحزب الله هي ذاتها دواعش النصرة والدولة الاسلامية ، الجميع يقاتل في سوريا والعراق والجميع يرهب ويجرم ويرتزق ويسقط مايفعل على الاخر ، دواعش مع ايران ودواعش مع سوريا ودواعش مع العربان !

حتى للموساد والسي اي اية دواعش ، واللاسايش ولاطلاعات دواعشها ، كلهم دواعش كلهم يكافحون على طريقة هتلر في كفاحي وعلى طريقة الامير عند ميكافيللي ، الغاية تبرر الوسيلة ، واللي تغلب بو اللعب بو ، وعدو عدوي صديقي !

حتى جماعة العملية السياسية والبرلمان هم دواعش على طريقتهم ، فاغلبيتهم يرتبطون بالميليشيات وامراء ومراجع الحرب والسلطة والاحتلال والفساد ، خلطة جلاتينية يصعب تفكيكها ، دموية نفطية غرائزية ، خلطة لا ينفع معها غير الكب!

دعم المالكي سليم الجبوري لرئاسة البرلمان وهو تحت رحمة ملف 4 ارهاب ، هو الان تحت رقابة حيدر العبادي نائبه الاول في رئاسة البرلمان عن حزب الدعوة ، المالكي يسجل كتلة دولة القانون ككتلة اكبر في مكتب المحكمة الاتحادية عند مدحت المحمود رئيس المحكمة الذي هو تحت رحمة ملف الاجتثاث والنزاهة عند المالكي ، سليم الجبوري يتماهى مع رغبة المالكي في تغذية الخلاف بين مكونات التحالف الكردستاني لتكون الطريق معبدة امام رئيس جديد يجاري مراد المالكي بالولاية الثالثة وهنا تكفي حياديته لتكون اللعبة متكاملة الابعاد !

ما يسمى بالمحكمة الاتحادية التي تأتمر بأوامر المالكي تفسر النصوص الدستورية بما ينسجم مع هدفه المعلن بالبقاء على رأس السلطة لاربعة اعوام قادمة ، على اعتبار ان تلك النصوص حمالة اوجه ، فهي قد غمطت حق كتلة اياد علاوي في انتخابات 2010 والتي كانت حينها الكتلة الاكبر برلمانيا ، بذريعة ان الكتلة الاكبر هي التي تتشكل بعد الجلسة الاولى وليست تلك الكتلة الاكبر الفائزة بالانتخابات ، وهو الامر الذي لا مثيل له في الانظمة البرلمانية ، وعليه تحالفت الاحزاب الشيعية بعد الجلسة الاولى ليكون المالكي هو المكلف وليس علاوي ، والان وبعد رفض العديد من اطراف الكتلة الشيعية الاعتراف بالمالكي كمرشح وحيد لها ، وهي وبحسب تفسير المحكمة الكتلة الاكبر برلمانيا ، يخرج المالكي ليقول ان كتلة دولة القانون هي الكتلة الاكبر لانه وببساطة قدم ورقة بذلك في اول جلسة برلمانية برغم عدم اعلان انسحابه من كتلة التحالف الشيعي ، وهنا يبدو ان المحكمة الاتحادية قد زكت هذا التفسير ليكلف رئيس الجمهورية فؤاد معصوم المالكي مجددا ، لكن المعارضين كثر والمطبات ستكون كفيلة بعرقلة هذا التكليف او نسفه تماما خاصة وان هناك تناغم امريكي ايراني في ايجاد بديل توافقي عن شخص المالكي ، ليس للبرلمان دور الحسم بالموضوع ، انما الحسم بيد توافقات اللااعبين الكبار !