وسائط الاتصال/الاعلام وثقافة المقاومة الفلسطينية:


من حرب العصابات إلى حرب الأعصاب

 

د. بلال عوض سلامة

“بقدر ما يصعقك انهيار المنهارين، بقدر ما يبهرك صمود وتألق المقاومين سياسياً وعسكرياً وأخلاقيا واعلامياً”

“وبما أن السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد، فإن الإعلام تعبير مكثف عن ثقافة وقيم وتطلعات المجتمع ورأيه العام الذي يتبلور ويتفاعل مع نوعية ومحتوى الرسائل الاعلامية، والعكس صحيح ، فإن هبوط أو تصاعد البعد القيمي والثقافي، يتأثر سلباً أو ايجاباً مع الاعلام ووسائله المختلفة”

إلماعة سريعة

 

يعد من أهم وسائل وانجازات القرن العشرين والواحد والعشرين؛ انتشار الاعلام ووسائل الاتصال الجماهيري(من التلفاز والراديو والمسرح حتى الفيس بوك وتويتر) في كافة المعمورة، باعتبار أن هذه الحقبة فصل جديد من تاريخ البشرية: يؤثر ويتأثر به المتلقون والمستمعون والفاعلون والمزودون والهاوون، والجمهور الحيادي والمعادي، المؤيد والمعارض، والحليف والعدو. دشنت هذه المرحلة بانتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، ليعلن عن بدء مرحلة جديدة في الحروب الناعمة والهادئة والعنف الرمزي الذي تمارسه الماكينة الاعلامية والاخبارية، والتي لا تقل أهمية عن العنف والقمع والسيطرة المباشرة، إن لم تكن تفوقها.

حيث أعلن الغرب الاستعماري عن تفوقه لامتلاكه هذه التقنية والأدوات، متمثلاً في انتصار امريكا الرأسمالية الاستعمارية، والتي أعلنت فيه بصراح و بوقاحة عن بدء مرحلة الانتشار الرأسمالي ومبادئ التوحش في سوقها الحرة عالميا،ً وديمقراطيتها واذواق أسلوب حياتها، لتغزو العالم بروايتها التي تعظم من قيمها وثقافتها وعناوين اساسية في الفعل الاستعماري الهادف إلى صناعة الوعي والعقول ووكلاء الثقافة في العالم اجمع، بما يتلاءم مع رؤيتها.

وبما أن “دولة الكيان الصهيوني” مرتبطة عضوياً وبنيوياً مع هذه المنظومة، فإن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في الدول الرأسمالية، سخرت في خدمة الدفاع عن هذا الكيان في بث رسائله إلى الجمهور العريض، بل وذهبت تلك الوسائل إلى تزوير الواقع الذي يفند صحة وواقعية وموضوعية الاسطورة الصهيونية في فهمها وتعاطيها مع الصراع الفلسطيني –الصهيوني، من خلال ادانة الفلسطيني في أي سلوك مقاوم هادف للتخلص من الاستعمار الصهيوني ونيل حقوقه الطبيعية والتاريخية كشعب يرزح تحت الاحتلال.

هذه الايقونة التي تمظهر تصدعها وتراجعها في العدوان الأخير على قطاع غزة، وكشف زيف الوجه “الحضاري لإسرائيل!” الذي تحاول أن ترسمه في مخيال البلدان؛ عربياً أو حتى عالمياً، حيث تم تحطيم هذه الأيقونة والهالة في العدوان على غزة، خصوصاً مع صمود واستمرار وتصاعد صلابة المقاومة الفلسطينية الفولاذية، ليس في الجوانب والوسائل العسكرية والقتالية فقط، وإنما أيضاً في وسائلها الاعلامية والإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعية، والتي كشفت فيه عن بشاعة وبربرية الاحتلال الاسرائيلي ممثلاً في التطهير العرقي الذي تمارسه في حروبها منذ (2008، 2012، 2014) ضد كافة شرائح قطاع غزة العمرية: مرأة ورجال وشباب وأطفال وشيوخ مدنيون واكاديميون، وعلى صعيد الجهات المؤسساتية: من قصف للمدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز الشرطية المدنية، والداخلية والاعلامية والقيادات، ومؤسسات البنية الاقتصادية، من: موانئ ومطار وورش عمل ومصانع، وهذا يجعل التساؤل التالي شرعياً: مع من تريد إسرائيل التفاوض وعلى أي أساس؟!.

استطاعت “دولة الكيان” بعد ما “يسمى الربيع العربي” أن تجد أذن صاغية وحلفاء في ظل حالة الانكسارات التي شهدتها الدول العربية  وجيوشها وتشظي وتفتت تلك المجتمعات، وظهور مشاكل الفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية، وانتشار الاسلام “التكفيري والدموي” في حربه التي أطرها في “إدارة التوحش” حيث الرعب والقتل الجماعي على أسس طائفية ودينية وعصبية ظهرت للعلان من خلال أشرطة الفيديو للقتل بدم بارد، استغلت/استطاعت “إسرائيل” في خضم الفوضى الخلاقة المدعمة برؤية أمريكية أن تخلق تحالفات ظاهرة وباطنة مع أنظمة رجعية عربية يربطها الخوف من “الاسلام التكفيري” الذي يطمح إلى الاطاحة بتلك النظم-ولم تعلن تلك الجهات عن نيتها بالإطاحة بإسرائيل-.

التطبيع الاعلامي والتهافت العربي

 

إن بداية تاريخ ظهور “التطبيع الاعلامي مع اسرائيل” ومتحدثيها من الاعلامين والعسكرين، كان في بداية انتفاضة الاقصى والاستقلال عام 2000، حيث سمحت تلك الفضائيات العربية من الجزيرة والعربية وأخريات من الفلسطينية تحت مبرر المهنية الصحفية والاطلاع على برامج الصحافة العبرية أو جولة في الصحافة العبرية، أن تستضيف الرؤية والرواية والمفردات الصهيونية في صراعها مع الاحتلال، بل وترجمة المفاهيم الصهيونية في فهم الصراع “تسلل، مخربون، قتلة الخ”، هذا لا يعني عدم اهمية ذلك، وإنما يكون الهدف في كيفية استخدام التحاليل في فهم الرأي العام والسياسي “لمجتمع العدو” لا تبرير رؤيته، التي يتقنها في صياغة رواية اعلامية تداعب الحس الانساني، وديمقراطيته وحضاريته، التي يبرع الاحتلال في تغطية الوجه البشع له من خلال تلك الوسائل الاعلامية وغيرها في الاتصالات والتواصلات الخارجية التي ترسم للفلسطيني صورة ” بما يتلاءم مع الرؤية الصهيونية” في صعيد الدعم اللامتناهي في جرائم هذا الكيان ضد الفلسطيني “بوجوده وكرامته وهويته وثقافته”.

وبما أن السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد، فإن الإعلام تعبير مكثف عن ثقافة وقيم وتطلعات المجتمع ورأيه العام الذي يتبلور ويتفاعل مع نوعية ومحتوى الرسائل الاعلامية، والعكس صحيح ، فإن هبوط أو تصاعد البعد القيمي والثقافي، يتأثر سلباً أو ايجاباً مع الاعلام ووسائله المختلفة، استنادا على هذه الأرضية نستطيع تقييم المحطات الاعلامية والدردشات، والملاحظات في الوسائط المتعددة لوسائل الاتصال؛ باعتبارها معطى تفاعلي للمرحلة السياسية والثقافية التي تعيشها وتمر بها الشعوب، هذا الطرح ينسجم مع حالات الانهيار في الاعلام المقاوم وغيابه لصالح الدعاية والاغنية والمنتج المعد للاستهلاك، والاستهلاك في سبيل المنتج، وبرامج الترفيه…الخ في السياق الفلسطيني والذي أخذت وتيرته تتصاعد بمتوالية هندسياً بعد 2005، والانحدار في المستوى الاقتصادي والاخلاقي والوطني في تلك البرامج والوسائط الاجتماعية في المحطات المحلية والفضائية الفلسطينية وحتى الالكترونية-مع استثناءات قليلة لأن الهدف منها لم يكن ربحياً- كما هو حال الفضائيات والمحطات الفلسطينية الاستهلاكية منها أو المرتبطة برؤية سياسية التي عملت على حساب تضليل الشعب وتوجهاته في سبيل تسويغات لمشاريع ورؤية سياسة، وتساوقت/ وتزاوجت تلك المحطات الاعلامية مع هيمنة الطغمة السياسية في السلطة الفلسطينية والتي استبعدت المقاوم والفدائي وصورته المتحدية، فرسمت صورة استهلاكية كنموذج للفلسطيني الذي يصحو وينام وهو يطارد لقمة العيش، هذه السياسة الاعلامية وممارساتها نفت امكانية مقاومة الاحتلال والتصدي لسياساته أو تحريض الرأي العام الفلسطيني على ممارسات الاحتلال،  بل استخدمت تلك المحطات الاعلامية في مهاجمة البرامج السياسية المناوئة لها، على أرضية التخوين تارة، وعلى أرضية المغامرة والمتاجرة مرة اخرى كم شهدته كلاً من محطة (الاقصى وتلفزيون فلسطين)  بعد حالة الانقسام الجغرافي والسياسي الفلسطيني عام 2007، المتمثل في الصراع بين حركتي حماس وحركة فتح.

يأتي عدوان الاحتلال الصهيوني على غزة في تموز 2014  في ظل تآكل وانهيار وتراجع دول عربية واستنزاف جيوشها، وانشغال تلك البلدان في مشاكلها البنيوية التي تركتها الانظمة الرجعية كما هو الحال في مصر وليبيا، والاقتتال الداخلي بالشكل الطائفي في العراق، وتكالب الاحتلال والاستعمار على سوريا، وعلى ما سبق أيضاً، إلى جانب ظهور الاسلام “التكفيري” في تلك الدول وثقافة قطع الرؤوس، وغياب القضية الفلسطينية في الوعي والوجدان العربي والاسلامي، مكللا ببداية بروز محاور واقطاب سياسية اقليمية حول المسائل العالقة سابقاً ممثلاً ب_ “الاخوان المسلمين، تركيا، قطر، السعودية، الامارات ومصر” من جانب، ومن جانب آخر “اسرائيل” والتي تناغمت واقتربت مع تلك الدول بما يتلاءم مع مصالحها وروابط المصالح معها، واخيراً وصول حالة التفاوض مع “دولة الكيان” إلى طريق مسدود مع انعدام بدليل سياسي قادر على تحقيق حقوق الشعب الفلسطيني.

أسست حالة الانحدار والتراجع القومي، لبداية ظهور أصوات تعادي الفلسطيني في محاولة منها لزجه في حروب هامشية اختبرتها دول المحيط في المنطقة، كما حدث في لبنان وسوريا ومصر، في محاولة لاستغلال تورط البعض فيها، لتخلق حالة من العداء لا تطال فقط الجهات المنخرطة فيها فقط، وإنما لتطال صورة الفلسطيني كفكرة ووجود وكيان، لتتوج في الهجوم غير المنقطع النظير على الفلسطينيين كما حدث/يحدث في بعض من الدول العربية “المحطات الاعلامية في مصر” في هجوم سافر يعبر عن حجم تبني الرؤية الصهيونية وتقبل روايته عن الفلسطيني، لتؤسس مؤخراً تحالفات وتعاقدات باطنية تنسجم مع مصلحة دولة “اسرائيل” في القضاء على مظاهر المقاومة وأشكالها لفصائل العمل المقاوم في قطاع غزة، وتنسجم مع نظرية “اسرائيل الكبرى” بالشكل الدبلوماسي لا الجغرافي في “الشرق الوسط الجديد”.

المقاومة وستر العورة

بدأت الحرب ضد غزة في اجواء ساد عليها القمع الداخلي وتغييب العقل والضمير الجمعي الفلسطيني وغياب البديل الوطني والرؤية الموحدة، في ظل هيمنة ثقافة الخنوع والاستسلام واللا جدوى في المستقبل في ايجاد حل لمعضلة الشعب الفلسطيني، وتزامن ذلك مع تزايد وتصعيد لا مثيل له من قبل جيش الاحتلال الفلسطيني في التنكيل والقتل والبطش والاعتقال وسياسة الاغلاق والحواجز العسكرية وانتهاك حرمة المسجد الاقصى مرات عدة في سبيل بناء الهيكل المزعوم، سبقته حملة اجتياح لمحافظة الخليل تحت ذريعة “اختطاف المستوطنين الثلاثة فيها”، مكللة ذلك بحمى الصرع الصهيوني من قبل المستوطنين ممثلاً بخطف وقتل الشهيد (محمد أبو خضير)، وشت تلك الممارسات الصهيونية عن غطرسة الشعب العنصري “اليهودي” وتفوقه عن الشعوب الأخرى عسكرياً واعلامياً وحضارياً، هذه الثقافة العنصرية التي مهدت  له استكانة ورضوخ الطرف الفلسطيني وتعويله على المجتمع الدولي والمفاوضات، واستناداً على ثقافة عنصرية لتنامي حجم وحضور اليمين الصهيوني وفتاوى الموت للفلسطينيين اعلامياً وتعليمياً وسياساتياً في التمييز العنصري والقوانين.

حالة الموات العربي والفلسطيني -قبل وبعد- العدوان كحالة الموت التي تسعفها الصعقة الكهربائية وتنعش قلبه وتضخ فيه الدم من جديد، لقد راهن الكثيرين من المنهارون والمتساوقون في كسر شوكة المقاومة الفلسطينية وتحطيمها والقضاء عليها، ووقفوا موقف المتفرج على مصير المقاومة-أن لم تكن شجعت على القضاء على المقاومة- في غزة، والذين راهنوا على انكسارها وخضوعها وارجاعها إلى حظيرة الانبطاح والاستسلام والقبول بشروط المحتل، باعتبار هذا القضاء يذكرهم دائما بعجزهم امام  دولة الكيان، وتسلل وتذوت الهزيمة إلى/في الأنظمة الرجعية العربية، ومن يطوف في محيط هذا الكيان، ويربطه وشائج اجتصاسية به.

تزامن ذلك مع صمت اعلامي صارخ في بداية العدوان من قبل محطات اعلامية رسمية وغير رسمية(فلسطينياً وعربياً ودولياً)، وتقاعصت عن تغطية الاحداث وحشد الرأي العام واستنفاره للمشاركة في المقاومة، الأمر الذي لم يستمر طويلاً، فمع تنامي وصمود وتألق المقاومة بدأت حالة التكلس تنهار من صلابة المقاومة التي هزت الانسان الفلسطيني في اعماقه المنتفضة والغاضبة والرافضة للرضوخ والاستكانة وقبول شروط المحتل، وبدأت اصوات المشككيين تختفي وتتراجع نتيجة للإنجازات العسكرية التي تنقلها وسائل الاعلام، وتنامي التأييد والالتفاف الجماهير حول المقاومة والتماهي برؤيتها وخيارها العسكري الذي تبنته، هذه المقاومة وهذا الاعلام المقاوم ممثلاً بمحطاته “تلفزيون فلسطين اليوم، والأقصى والقدس”  الذين استطاعوا استنفار الغضب الشعبي واستقطابه في صالح ثقافة المقاومة للمحتل.

الاعلام المقاوم صمد كما هي المقاومة، والاعلام المقاوم صدق لأن المقاومة كانت كذلك،  واستطاع أن يدير بوصلة الثقافة الاستهلاكية والترفيهية بمقدار 180 درجة، لتفرض على كل المحطات الرسمية وغير الرسمية الفلسطينية رؤيته وخياره المقاوم حتى أصبحت المحطات المقاومة نموذج لاستنساخ واستعادة الفدائي والمقاوم والرواية الفلسطينية الذي تم تغييبه عن الشاشات  والاذاعات الاعلامية، استطاعت فيه المقاومة بحكم انجازاتها وصمودها وابداعاتها من اجبار وحشر التيار التفاوضي الفلسطيني في خانة سنتسائل عنهم وعنها بعد العدوان؟، والتي على إثره انقلبت تلك المحطات لتعود إلى مكانها في تغطية الأحداث.

استطاعت المقاومة ستر عورة التخاذل والتراجع الذي شهده الشارع السياسي الفلسطيني طوال مدة طويلة، ولم يكتفي بذلك وإنما ساهم الاعلام المقاوم في نزع وزعزعة الهالة والقناع الذي دائماً اختفى وراؤه الاحتلال، وهز الجبهة الداخلية من خلال ايجاده لمعادلة “توازن الردع” في الحرب الحالية 2014، بعدما استطاعت خلق معادلة “توازن الرعب” في العدوان على غزة في عام 2012. هذه الانجازات التي استطاعت المقاومة من تطويرها وانجازها تؤثر بالضرورة على مناشط واسلوب حياة المجتمع الصهيوني وتضعف مناعته في الخوف واستبطانه في مشاعره ومواقفه وافعاله، لتخلق الفلسطيني الجديد القادر على التحدي والانجاز في خضم اشتباكه مع الاحتلال.

من حرب العصابات إلى حرب الأعصاب

 

عسكرة المجتمع ومفاصله الاساسية: التربية والتعليم والسياسة والاعلام، هي ثقافة المجتمع “الصهيوني” السائدة، وخلفية أغلبية السياسيين والصحفيين ومدراء المدارس والمؤسسات هي نتيجة عسيرة لثقافة التفوق التقني المعلومات والاستخباراتي والعسكري، التي تحاول فيه “اسرائيل” أن تقنع نفسها وللآخر “المغاير” عن تلك الصورة  وتلك الهالة، التي تمثلها إرهاصات اسطورة “الهولي كوست”: “إذا لم تكن قوياً ستذبح وتحرق مرة أخرى”، هذه العقيدة نلاحظها في “جنون النظام السياسي وغباء الأجزاء” في حروبه وقتله وتدميره ضد شعوب المنطقة، طوال تاريخ وجوده في المنطقة العربية.

عملت “دولة الكيان الصهيوني” منذ تأسيسها على خلق وتطوير ترسانة عسكرية  في كافة المجالات “البرية والبحرية والجوية” وتمفصلاتها العلمية والالكترونية لتحافظ على عقدة “التفوق والاختيار” المرتبطة عضوياً بتفوق “الرجل الأبيض الغرب”، ولهذا لم تتوانى هذه الدولة عن تدمير واستخدام القوة المفرطة والاسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً، ضد أي قوة وطنية أو قومية تحاول خدش صورة هذا “التفوق المفترض”، وصورة الجندي الاسرائيلي الذي هو أداة وعمود البيت الصهيوني لاستدامة واستمرارية شعوره بالتفوق، ولهذا لا نستغرب الهجوم على من يمارس الانتقاد للجيش حتى لو كانت خلفيته عسكرية.

أستخدم ووظف الاعلام الصهيوني في خدمة هذه الأيقونة، لتتحول إلى صنمية تعبد ولا يسمح المساس بها، بل وأدركت “إسرائيل” أهمية الاعلام في تغطية الانجازات/ والاخفاقات الحربية مع بداية حرب تموز 2006 وانتصار المقاومة في الجنوب اللبناني، وذلك في سبيل خلق انتصارات استراتيجية واعلامية وإن كانت وهمية، لاعتبارات لها علاقة بوظيفة الجيش كجهاز عصبي في حال اصابه خدش تداعى واضطربت أدواره، وأثرت على تلاحم المجتمع ودرجة الثقة فيه، وادركت “اسرائيل” أن صورة العمود الفقري لها قد تصدعت، وقالت بأنها ستعمل في حروبها القادمة على تحقيق انجازات وانتصارات واضحة وحاسمة.

طورت “إسرائيل” طوال العشرة سنوات المنصرمة؛ القبة الحديدية ونظامها الصاروخي ودروعها من الدبابات والمجنزرات والبارجات الحربية والغواصات، ودخلت في مناورات عسكرية في تل ابيب، وتدريبات تحاكي حرب الغوار في قرى مشابهة للمنازل الفلسطينية، وآخرها استدعاء جيش الاحتياط في اجتياح محافظة الخليل بقراها ومدنها ومخيماتها، والتي يعتقد بعض المراقبين انها اكانت تهيئة للعدوان على غزة، سيطرة هذه الاعدادات والتجهيزات العسكرية لتدعم الرؤية الامنية للاحتلال في فهمها للصراع، حتى اعتقد وهيئ المجتمع الصهيوني وبشهادات أمريكية بانها مستعدة لأي حرب قادمة.

إن المسار الاعلامي لتفوق الماكينة الاسرائيلية والعسكرية وبتزامن مع الاعلام العنصري تجاه الفلسطينيين وهدر دمه ووجوده وكرامته، حتى أصبحت مقولة “الموت للعرب” شعار وجودي واخلاقي للمجتمع الصهيوني في حروبه المتتالية “2008، 2012، 2014” لدرجة أن وهم التفوق اصبح ناظم لمواقفهم واعمالهم العدائية تجاه الفلسطينيين.

في المقابل، على الصعيد الفلسطيني، اعدت المقاومة نفسها من خلال نوعية التدريبات التي تلقتها منذ 2008، ومعركة 2012، والمعركة الحالية 2014، استطاعت عبر التجارب والخبرات والتدريبات التي خاضتها المقاومة من حشد كل الطاقات والامكانيات والمصادر المتاحة في سبيل اعداد جيش “مقاوم” نوعي مدرب على كافة انواع الاسلحة  والاتمتة الالكترونية المرتبطة بها وبمعاييرها الهندسية، والتدريبات على الاقتحامات البرية والجوية والأرضية في العمق والبحرية، واستطاعت من تطوير القدرات الصاروخية البسيطة المصنعة محلياً منذ عام 2006 في مداها ودقتها، حتى اصبحت تدك التواجد الصهيوني في فلسطين المحتلة من الخضيرة وتل الربيع وهرتسيليا ومطار “بن غوريون” في دقة عالية وتقنية يصعب على “القبة الحديدية” من اعتراضها، اضافة الى استهدافها للمستعمرات المتواجدة في محيط قطاع غزة، مع تطوير شبكة مواصلات تحت الأرض معبرة عن “الانفاق” والتي تسهل وتحمي تحركات المقاومة في ظل التفوق لقطاع الطيران الصهيوني، ساعدته بحكم الخبرة والاعداد على الصمود وايقاع الخسائر الفائقة في صفوف الجيش.

لم يتعود المجتمع الصهيوني على ذلك الذي وصل إلى سيطرة حمى التهديد لوجودهم ولكيانهم للمنطقة، والتي لم تختبره “إسرائيل” على مدار حروبها ضد شعوب المنطقة، (منذ 48 و 56 و67 و82 و2008 و 2012)، فمناعتهم النفسية بحكم نتائج الميدان والمعركة، بدأت بالتهالك والضمور والتراجع بمجرد سقوط اول صاروخ دك المغتصبات والعمق الصهيوني، فالعقلية الصهيونية اعتادت على دك وايذاء والاعتداء وتهديد الآخرين، لا ان يتم تهديد وجودهم في عمقهم الذي اعتقدوا انه آمن، لقد تعطلت مناشط حياتهم، وتم حشرهم على مدار 29 يوم من المعركة في الملاجئ، في ظل هيمنة حمى الذعر والتخبط والسخط، ومطالبتهم بأغلبية ساحقة في العدوان على غزة ممثلة بالمقاومة والمطالبة بتدميرها، نسبة فاقت 85% من المجتمع الصهيوني المعبر في دعمهم “لسياسية لنتنياهو”.

ومع زيادة وتيرة العنف الصهيوني في القصف والقتل والتدمير،  تزامن مع تخطيط هادى وواثق –وليس ردة فعل كما جرت العادة-لأشكال عمليات المقاومة النوعية من ؛عمليات البحرية في مهاجمة الثكنات العسكرية ممثلاً ب”الضفادع البشرية”، واقتحام وقتل من نقطة صفر لناقلات الجند والدبابات المحصنة، ومباغتة حصنهم في كما حدث في عملية اقتحام معسكر “ناحل عوز”،  وتطوريها لمنظومة الصواريخ بمدايات وانجازات طويلة في العمق، وامتلاكهم لراجمات صواريخ الكورنيت المضادة للمدرعات وطائرات “ابابيل” المصنعة محلياً من الانتحارية الى المستطلعة، جميع ما سبق كشف الزيف لصورة الجندي وهشاشة المؤسسة العسكرية الصهيونية، الذي اظهرته المقاومة بالصراخ والتباكي والاذعان لمنطق القوة الذي لا يفهم غيره الاحتلال.

هذه الانجازات النوعية، تزامنت مع عمل دؤوب للماكينة الاعلامية المقاومة والتي صدرت وبثت انجازات المقاومة، تمثل باختراقات لأجهزة الحواسيب والهواتف النقالة الذكية والاذاعة ومحطات التلفاز وحسابات التواصل الاجتماعي، وبثها لرسائل مقاومة باللغة العبرية الى عمق الكيان وتهديدهم بجهوزية المقاومة وتفوقهم وقدراتهم واعداداتهم للمعركة، هذا الانجاز خلق حالة صدع  وارباك في المجتمع الصهيوني، في ظل سياسة التعتيم الاعلامي والرقابة العسكرية للحريات الصحفية لخطورته على المناعة الداخلية الاسرائيلية، فعملت على تحطيم الروح المعنوية للمستوطنين الصهاينة، الذين فقدوا فيه الثقة بإعلامهم ومؤسستهم العسكرية، الشعور بانعدام الأمن لم يطال فقط، المستوطنات والمغتصبات المحاذية للقطاع وغنما شمل مستعمرات الضفة الغربية والعمق الصهيوني.

الرسائل الاعلامية تلك كانت سيف ذو حدين، فمن جهة فقد عملت على خلق حالة من الذعر في المجتمع الصهيوني من جانب، ومن آخر ساهم على تحريض واستقطاب ورفع الروح المعنوية للمجتمع الفلسطيني، وبقدر ما كان حجم الدماء كبير أصبحت مطالب الشعب الفلسطيني من المقاومة بما يليق بمستوى التضحيات، ولأول مرة في تاريخ حروب الشعب العربي  مع دولة الكيان الصهيوني، لم تطلب المقاومة الهدنة، وحين حدثت كانت تستثمرها للتخطيط والمبادرة في الانقضاض على جيش الاحتلال وتعد للشارع الفلسطيني انجازات وعمليات نوعية، بعدما عودتنا “إسرائيل” تاريخيا على نكث الهدنات واستغلالها لتكبيد الفلسطيني بمزيد من الدم، المقاومة والاعلام المقاوم قدم نماذج وخطاب اعلامي مقاوم يرفض المساومة أو إبداء أي مؤشرات توشي بتردد او بتخبط، وإنما قدمته بالواثق والمعتد بما أعده وعمل عليه طوال سنوات الهدنة.

وأدركت المقاومة بأنه لا تراجع دون تحقيق شروط المقاومة والشعب الفلسطيني من رفع الحصار وكف يد العدوان الصهيوني عن المجتمع الفلسطيني، وكان واضحاً وجلياً من خلال تصريحات القيادي القسامي “محمد الضيف” الذي كانت رسالته للعدو قبل الصديق بأن المقاومة هي التي تملك القرار ولس المحتل، فهو اصبح من يملك أمن “اسرائيل” وليس قيادة المجتمع الصهيوني، وهو والمقاومة من يملك البت في الهدنة لا دولة المحتل ولا مبادرة دولة مصر، والتي رجعت إلى رغبة ووحدة قيادات المقاومة والفصائل الفلسطينية.

التفوق الإعلامي مدعم بصمود المقاومة واستمراريته وتصاعدها، والاعداد لها جيداً وبمساندة المحطات الاعلامية الحرة والداعمة لمقاومة الشعب الفلسطيني، هيمنت محلياً وعربياً وبدأ للعدو قبل الصديق، أنه لا تراجع دون تحقيق شروط المقاومة، استطاع الشعب الفلسطيني من دحر الاصوات المتردد والمشككة بجدوى الصمود التحدي من جانب، ومن جانب آخر كشفت وعرت الاحتلال ووجه البشع أمام شعوب العالم، وتخافتت تلك الاصوات لصالح حصد الفلسطينيين تعاطف وتضامن شعوب العالم ودعمه له ولحقوقه التاريخية والطبيعية والعيش بكرامة، نتيجة لتفوقه الاعلامي وبشاعة جرائم الاحتلال في الشجاعية وخزاعة ورفح …الخ، وبداية تحركات كاسحة لمقاطعة المنتجات والعلاقات مع دولة الاحتلال أبرزها” امريكا اللاتينية واسبانيا وارلندا الشمالية والمظاهرات في باريس ولندن”، ومع فرض الحظر الجوي لمطار “بن غوريون الدولي” وجدت اسرائيل نفسها في عزلة دولية ستؤثر على علاقاتها لسنوات قادمة.

إن الحرب الاعلامية وانجازات المقاومة في حرب الانفاق على وجه الخصوص، خلقت حالة من الذعر والهستيريا والأمن الوجودي للمستوطنين القاطنين في المستعمرات المحاذية لقطاع غزة-بل وفي المستوطنات المحاذية للجنوب اللبناني- فقد عبر أكثر من 33% منهم بعدم قرته على النوم حسب احصائيات نشرتها جريد هآرتس الصهيونية بتاريخ (6/8/2014)، وان 80% منهم لا يريدوا العودة الى منازلهم تخوفاً من خروج المقاومين من الانفاق في منازلهم، وبالرغم من تصريحات نيتنياهو الهادفة للئم الصدع واستعادة لهيبة الأمن والدولة التي تبخرت، واعلانه عن تدميره للأنفاق وسعيه لحل مشكلتها ومشكلة الصواريخ ، وعن نيته اقامة جدار الكتروني “كحل تكنولوجي” في باطن الأرض يحميهم من خطر الأنفاق،  إلا أن كل تلك التصريحات ذهبت إلى الخواء، لأن الثمن النفسي والاقتصادي وفقدان الثقة بالجيش الذي امتنع عن الخدمة او الرجوع مرة أخرى إلى أرض المعركة، والذي حصل، لم تساعد على تهدئة المجتمع ورفع معنوياته المنهارة، لتسيطر عليه حالة هستيرية لم يسبق لها مثيل.

استبطان الخوف، لا يرجع إلى فشل جيش الاحتلال في كسر شوكة المقاومة فقط واقرار ذلك ما نسبته 44% من المجتمع الصهيوني على هزيمة جيش الاحتلال في المعركة، وإنما بهستيريا التهديد لمحاكمة “اسرائيل” كمجرمة حرب في المحاكم الدولية، التي تزمع القيادة الفلسطينية على التوقيع على معاهدة روما وتقديم “اسرائيل” إلى محكمة الجنايات الدولية كمجرمة حرب، وخساراتها الدبلوماسية نتيجة سمعها السيئة والآخذة بازدياد، وضع السياسة والسياسيين الاسرائيليين في خانة المدافع عن انفسها في المحافل العالمية، فلم يعد دور المسكين الذي تلعبه اسرائيل مجدي، فقد انكشف القناع للقاصي والداني، والذي يصب في عزلة الكيان الصهيوني دولياً. ومن جانب آخر، لقد حولت حرب الانفاق وحرب الغوار والعصابات دولة الكيان الصهيوني إلى حرب اعصاب وتوتر وجودي وانعدام الأمن والاستقرار لهم، على الصعيدين الشعبي والرسمي.

حرب حسمتها اخلاقيات المقاومة

 

منذ بداية العدوان على غزة، اعلنت دولة الاحتلال عن نيتها تحقيق أهداف العملية التي اطلقت عليها “الجرف الصلب” وذلك من خلال تدمير القدرات الصاروخية والعسكرية وامكانيات المقاومة، واعتقد الكيان الصهيوني في البدء أن الحرب لن تطول أكثر من اسبوع/ او اسبوعين على حد اعتقادهم، ومن جانب آخر، عدم قدرة الجيش الصهيوني ولا المجتمع على تحمل مدة أكثر من ذلك، لأن لذلك ثمن نفسي واجتماعي واقتصادي، تحاول دولة “اسرائيل” تفاديه وعدم دفعه، والأهم من كل ذلك، عدم وجود معلومات استخباراتية كافية للكشف عن امكانيات المقاومة التي اعدتها مما اضعف من امكانية تحقيق اهداف الاحتلال من العدوان.

مع بدء استعراض المقاومة لقدراتها وتفوقها العسكري والاشتباك اليومي على مدار أول اسبوع، بدأ الكيان بتمديد مدة العملية -التي تخوف من اعلانها كحرب- لأنه اعتقد بانها ستكون خاطفة وسريعة،  حتى استمرت 31 يوم لهذا اليوم، مع احتساب يومين من التهدئة التي قبلت بها المقاومة ودولة الكيان بمبادرة مصرية، والتي تصر فيها المقاومة  حتى اللحظة على تحقيق شروط المقاومة او العودة مجدداً لقصف العمق الصهيوني بعد انتهاء الهدنة غداً يوم الجمعة.

استطاعت المقاومة تحقيق انجازات نوعية :خطف الجندي “شاؤول أرون” وعملية الانزال خلف خطوط العدو، طائرة من دون طيار، صواريخ طويلة المدى، تطوير بندقية القنص الخ، لم يستطع الاحتلال تحمل الخسائر والثمن النفسي نتيجة صمود وصلابة المقاومة، فارتكب مجازر دموية ضد المدنيين (شباب وأطفال ونساء وشيوخ) وصلت 80 %، وقاربت نسبة الأطفال والنساء النصف، ووصل عدد الشهداء حتى اللحظة ما يقارب 1830، و 9570 جريح، وتدمير بشكل كلي وجزئي ما يقارب 10.604، وتدمير المساجد قارب 90، وقصف 6 جامعات و188 مدرسة حكومية و90 مدرسة تابعة لوكالة الغوث، ونزوح داخلي للفلسطينيين ما يقارب 475 الف مواطن.

في مقابل ذلك، أعلن الاحتلال من خلال جهات رسمية حسب جريدة هآرتس أن قتلى الجنود وصل 64 جندي و 4 مستوطنين مدنيين، وحوالي 1620 اصابة في صفوف الجنود، بالرغم من أن تصريحات مقربة للحكومة الصهيونية قالت بأن حجم الخسائر في الارواح كان اربعة أضعاف ما تكبده الكيان من خسائر في حرب 2006 في الجنود اللبناني والتي اعترف العدو 117 جندي حينها.

وظفت “اسرائيل” الجهاز الاعلامي كأداة حربية “الحرب النفسية” مستخدمة الدعايات والاشاعات من أجل التأثير على الفلسطينيين من خلال ارسال رسائل لهم تطالبهم بالنزوح، واشاعات حاولت النيل من العلاقة ما بين الفلسطينيين وفصائل المقاومة وخلق تفرقة، في محاولة منها لتحريض الشارع الفلسطيني على المقاومة كما مارسته في عدوان (2008 و2012) والذي اثبتت فيه الوقائع عكس ذلك، حيث ثقة والتفاف الفلسطينيين حول المقاومة في هذه الحرب فاق المرات السابقة، واتهمت فصائل المقاومة في خطف الضابط بعد الهدنة الانسانية التي قبلت بها المقاومة، والتي تبين بعد ذلك مقتله في أرض الميدان، وقصفت الجوامع ومدارس التابعة لوكالة الغوث متهمة بذلك ان المقاومة تطلق الصواريخ منها، جميع ذلك وأكثر من الدعايات المغرضة والزيف وتزييف الحقيقة والكذب، اثبتت الوقائع عدم مصداقية الرواية الاعلامية الصهيونية وكذبها، حيث مست بالمدنيين وبالأطفال واغتيالات قامت بها لمدنيين في فترة الهدنة.

حافظ الاعلام المقاوم على مصداقيته وصدقية روايته وعمليات المقاومة النوعية، من حيث استهداف الجنود العسكريين، وتنفيذ تهديده بالقصف بعد ابلاغ الكيان الصهيوني، واستخدمت المقاومة الاعلام المهني المقاوم لكسب الثقة والمصداقية من اللحظة الأولى للعدوان، والتي استطاع من ذلك اعطاء نموذج صادق للعدو والصديق، هذا المسار الاخلاقي اعطى للمقاومة حالة من التفوق والتعالي وعدم المساس بالمدنيين حتى اللحظة، الذي كان قادراً على ذلك عبر الانفاق، والذي صرح مراراً وتكراراً عن عدم نيتهم لذلك، فالمقاومة كانت متقدمة ومتميزة اخلاقياً على جيش الاحتلال وممارساته، والاهم من كل ذلك كان صادقاً ووفياً وانسانياً على عكس جيش الاحتلال الصهيوني.

إلى جانب التفوق الاخلاقي للمقاومة ولإعلامها، فقد حشدت دولة الاحتلال أكثر من (80.000 مجند) من الجنود والاحتياط، وقامت بأكثر من 4762 غارة جوية، وأكثر من 700 صاروخ لاعتراض صواريخ المقاومة من ترسانة القبة الحديدية، استطاعت 558، أي ما يقارب 17% منها، وليس كما ادعت في البداية بان القبة الحديدية اعترضت أكثر من 50%، ووصلت كلفة الصاروخ الواحد حوالي 50.000 دولار، ودمرت اكثر من 32 نفق تم تقديمها كإنجازات حققتها من خلال هذا العدوان بعد اعادة الانتشار وتسريح جند الاحتياط.  مع أن التقارير والنسب والاحصائيات تشير إلى الكلفة كانت عالية جداً حسب الاعلام الصهيوني، والذي صرح بأن حوالي 6 مليار دولار قد خسرها آبان العدوان، واستمرار المقاومة في عملياتها حتى بدء الهدنة الحالية برعاية مصرية.

اثبت العدوان الحالي زيف وكذب الرواية الصهيونية وهشاشته، وتضليليه عالمياً، وذلك بمحاولته استغلال الاعلام الدولي والرسائل الدبلوماسية ووسائط الاعلام المتعدد، من خلال ارسال رسائل مفادها بإنسانية الكيان ولتحسين وتقديم الرواية التاريخية والتضليلية لصورة اسرائيل كدولة “ديمقراطية” في الشرق الأوسط، وتعدد المجتمع الصهيوني دينياً وعرقياً، في مواجهه لمقاومة غزة، واستخدام الربط بين “الاسلام التكفيري”  وحركتي حماس والجهاد الاسلامي لكسب وحشد الموقف الرسمي والشعبي في خدمة الاعلام والرواية الصهيونية، ولكن بربرية الاحتلال وحجم الدماء والمجازر فاقت تصور السياسيين والشعب الذين عبروا اصدقاء “اسرائيل”  بأن حق الكيان بالدفاع عن نفسه لا يبرر حجم القتل والدماء والتدمير، كما عبر عنها بان كي مون، وشعار “الموت للعرب البربري اصبح ثقافة سائدة في المجتمع الصهيوني”، فما بالنا بأصدقاء الشعب الفلسطيني الذين كشفوا زيف الدعاية الانسانية وديمقراطية “التوحش” التي تحاول اسرائيل ترويجها دائما ترويجها، فعجز الاحتلال عن تنفيذ اهدافه كانت نتيجته ارتكاب المجازر.

وأخيراً، أعتقد ان من اهم انجازات المقاومة والعدوان على غزة  في هذه المعركة هو توافق والتفاف داخل فصائل العمل الوطني والاسلامي حول شروط المقاومة، وتفاوضها الواضح والصريح لحالة الاجماع الفلسطيني، إن استمر ذلك، اعتقد انه أكبر انجاز لحسم حالة الاختلاف الفلسطيني- الفلسطيني، ستدعم الموقف المفاوض ومطالب الشعب الفلسطيني، ما لم ينجح التيار التفاوضي الذي يعول كثيراً على التفاوض بدون مقاومة في ابتلاع المشهد، واتمنى ان يكون ذلك.

ابو عبيدة نموذج  الـ “سوبر مقاوم”

هذا الملثم بالكوفية الحمراء والناطق الاعلامي باسم كتائب عز الدين القسام، سطع نجمه بعد عملية اختطاف الجندي “شاليط”، ولم يكن ظهوره كثيراً في العدوان الأخير، إلا أن ثقته وطريقة كلماته ومصداقية اعلاناته عن انجازات المقاومة كان لها حضور وتأثير على الحس العام الفلسطيني، حتى أن صوته أصبح يميز من بين الاصوات، لقد استطاع أبو عبيدة ذو الكوفية الحمراء أن يستعيد ثقافة الكوفية وثقة الجماهير الفلسطينية والاعتداد بالنفس على ضوء تصريحاته وظهوره الاعلامي.

امتلأت الشاشات ووسائل/ وسائط الاعلام المتعددة  وملاحظات المستخدمين للفيس بوك وتويتر صوره ومقاطع لخطابه وتصريحاته، مواقف تبجل من دوره واهميته في الجبهة الداخلية ورفع الحالة المعنوية للشعب الفلسطيني، الذي انتظر الشعب الفلسطيني – كباراً وصغاراً ونساءً وشيوخاً- خطابه في مقاربة لخطابات جمال عبد الناصر في مرحلة الستينيات، لم تحظى شخصية فلسطينية بالاتفاق عليها على مدار العشرة سنوات المنصرمة، وبالرغم من انتماءه  لتيار سياسي قد يتفق أو يختلف عليه البعض، إلا أن نموذج ابو عبيدة كان فوق الانتماءات الحزبية والاختلافات السياسية.

استطاع ابو عبيدة أن يعيد للرموز الوطنية الفلسطينية المقاومة معناها في المخيال والوجود الفلسطيني،  والتي  تكلست وتشيأت بحكم الخيارات السياسة لمنظمة التحرير الفلسطينية/ والسلطة على مدار أكثر من 20 سنة، فبقيت الرموز وذهب معناها إلى عالم الأشياء “البندقية، الكوفية، السلاح، الكفاح المسلح، الوطن، التحرير، الفدائي، المقاومة” وانفصمت عن الواقع والحقيقة التي استخدمت وتم استدعائها لانتزاع الشرعية فقط، لقد استعاد ابو عبيدة بنموذجه المقاوم أن يختزل البطل المخلص والاسطورة وكافة الرموز ومعانيها في شخصه وتصريحاته.

وبالرغم من انه الناطق الاعلامي للذراع العسكري لكتائب عز الدين القسام فقط ، إلا انه عبر عن نموذج “المقاتل والفدائي” لكافة فصائل الفعل المقاوم من سرايا القدس، والوية الناصر، وشهداء الأقصى، وابو علي مصطفى والمقاومة الشعبية، حتى اصبحت مقولته ناظمة للعمل الجهادي المقاتل والتضحوي، والخيار الذي لا يمكن الحياد عنه ” إما نصر أو استشهاد”، وبالرغم من اهمية وتصريحات المناضل الكبير محمد الضيف القائد العام للجناح العسكري لكتائب القسام في معركة الصمود وادارته المعركة العسكرية والسياسية، إلا أن غيابه عن الشاشة بتاتاً “الصور على وجه الخصوص” فقدت عناصر الحضور والنجومية الشعبية التي  تصنع من حضوره حالة معنوية ونفسية-وهذا ليس من دواعي التقليل من اهمية بطولاته وتضحياته – بحاجة اليها الشعب الفلسطيني للاحتذاء بها، واستعادة المفاهيم المرتبطة بالفدائي والشهيد والاستشهادي والوطن وما يرتبط بها من معاني.

لقد كان لحضور ابو الكوفية الحمراء مكانة ووظيفة مهمة في البعد التعبوي والنفسي على صعيدين، فعلى الصعيد الفلسطيني، لعبت تصريحاته التي وجدت وجداناً وآذانا صاغية له، من رفع مستوى الطموح والأمل بالتحرر ورفع المعنويات للجبهة الداخلية الفلسطينية، مدعمة بإنجازات وتقدم للمقاومة الفلسطينية تخفف من حجم الاضرار النفسية والجسدية نتيجة للعدوان الصهيوني، بتزامن مع توجيهات المقاومة وتحذيراتهم الأمنية للمواطنين التي لا يساهموا في تزويد الاحتلال بالمعلومات، أو للحفاظ على حياتهم وتهدئة الجبهة الداخلية وارشادات عامة تحافظ على سلامتهم وامنهم.

أما على الصعيد الصهيوني، فقد كان حضور أبو عبيدة يعني الحرب النفسية وحبط معنويات الجبهة الداخلية الصهيونية من خلال كشف زيف الرواية لجيش الاحتلال، فحضوره على الشاشة للتصريح كانت يوازي مئات صافرات الانذار، وما يستدعيه ذلك من خوف وقلق وترقب وهستيريا كاسحة.

يشبه حضور ابو عبيدة لصورة كاريكاتورية للشهيد لناجي العلي، محتواها: طفلة صغيرة  تمسك بيد فدائي فلسطيني، تقول له “ارجع..اشتقتنالك” والتي هي تعبير مكثف عن حالة التراجع وغياب العمل المقاوم والفدائي وثقافة الاستسلام والانهزام، وهو ما ينسجم على الواقع الراهن، حيث غياب  الشخصية الجامعة  والمقاتلة والسياسية كنموذج يحتذى به من قبل الجماهير، وهي حاجة نفسية ووطنية تلعب دور خلق الثقة بالمقاومة والنصر، حيث ان هذا النموذج لا بد من تعميمه ليشمل كافة فصائل العمل المقاوم لما له من اهمية نفسية ووطنية تعبوية وقتالية، فشخصية ابو عبيدة هي نموذج الـ “سوبر مقاتل” بكل امتياز، واقول له اشتقنالك… ارجع يا ابو عبيدة، او من يقوم بدوره الوظيفيفي استعد الذات الفلسطينية الفعالة والمناضلة والمقاومة.

معركة المفاهيم والمسميات

 

يلعب المفهوم والمسمى الذي نطلقه على الأشياء والاحداث معاني واهداف تعبر بالضرورة عنه ذات قيمة معينة لمن يستخدمها، وهي انتاج ونتاج لبنية فكرية وذهنية تحكمها واسيرة له، توشي بمواقفه وتوجهات منه، وما ان يدرج على استخدامه بين الناس حتى تصبح رمزاً قيميا ومعنوياً يحمله بداخله لمن يقوم باستخدامه.

الحرب كما هو الواقع المعاش له مفاهيمه ومصطلحاته وابجدياته،  والمتتبع للعدوان الصهيوني في حروبه الثلاثة المتتالية على اقل تقدير (عمود السحاب والرصاص المصبوب والجرف الصلب) نجد ارتباطها ببنية دينية يهودية تحكمها وتديريها، وما ينسجم الحال والتحليل أيضاً على صعيد المسميات التي اطلقتها المقاومة على عملياتها “السماء الزرقاء، حجارة سجيل، العصف المأكول، البنيان المرصوص، ابابيل” ممثلاً بحركتي الجهاد وحماس، يدرك للوهلة الأولى حضور البعد الديني، الذي يقف وراء انتاج تلك المسميات والمفاهيم، وهي حالة تستدعى الايمان الديني والعقائدي في المعركة العسكرية، وهو ما يطلق عليه بكلمة “المجاهد” للفاعل الذي يقوم بدور المقاومة.

يعد حضور البعد الوطني مهم جداً في حالات الاشتباك مع الاحتلال، والإيمان بعدالة قضيته والدفاع عن حقوق شعبه المسلوبة، تخلق عقيدة قتالية وطنية فاعلة ومؤمن بها، وهذا ما أطلق عليه مصطلح “فدائي”، وإذا اضيف البعد الديني على الأرضية الوطنية،  تنتج مقاتل شرس مندفع ومغوار وفدائي تحت مسمى “مقاومة/ ومقاومين”، وهذا ما تتسم به نوعاً ما حركة الجهاد الاسلامي وحركة حماس لخلفيتها الدينية وحضور للبعد الوطني في خطابها، وكما قد ينسجم على فصائل المقاومة الأخرى، تلعب تلك المسميات دوراً في شحذ الهمم واستنفار الروح الوطنية والدينية صانعة لمقاوم شرس لا يهاب الموت، والتضحية في سبيل شعبه ووطنه، وهذا ما اثبتته ساحات المعركة التي صور بها المقاوم بالجرأة ويتحرك كالظل والشبح كما وصفوهم الجنود الصهاينة والذين بقوا احياء، تلك السمات تتسم بعقيدة وايمان صلب من قبل المقاومين، ساهم ولعب دوراً ايجابي ومهم.

اضافة لما سبق، اختبر المشهد السياسي والمفاهيمي حضور من نوع آخر من المفاهيم مثل : “الإنزال، ونقطة الصفر  وصواريخ ام 75  و ج 80 و ر 160 بندقية غول للقنص”، تشير تلك المفاهيم إلى معاني ضمنية وفلسفية مثل استخدام كلمة “الإنزال”، رغم أنها تكون من الأرض، وبالتحديد من الأنفاق، والإنزال لا يكون إلا من السماء، اعتقد أن استخدام هذا المصطلح  لتجنب استخدام كلمة “تسلل” وهي كلمة كثيرة يستخدمها الاحتلال ليصف البعد اللاشرعي في المقاومة، ومع ان كلمة الالتفاف حول خطوط العدو، قد تصف العملية، إلا أن كتائب القسام اطلقت عليها هذا المصطلح باعتبار أن أرض فلسطين كلها هي سماء ونقوم بعملية انزال على اللعدو، فالالتفاف على العدو أو التسلل فيه اعتراف ضمني بوجود دولة “اسرائيل”، وهي بعد ضمني بالاعتراف بوجوده في فلسطين، ولأن المقاومة تؤمن  أن فلسطين من البحر إلى النهر، كانت كلمة الانزال من سماء فلسطين، لنصل المفهوم الثاني وهو القتل من “نقطة صفر” للجنود الاسرائيليين توشي بجرأة المقاوم الفلسطيني في اكتساح حصون العدو وعدم رعبته من الموت أو الشهادة، وأبرز صورة كما حدث في “ناحل عوز” .

واخيراً، اسماء الصواريخ، وبندقية القنص والتي خلدت الشهداء بفعل قتالي وسلاح، بمعنى أن الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم حاضرين في هذه المعركة، ودورهم وتضحياتهم استثمرت جيداً بحياتهم في سبيل تطوير أسلحة المقاومة، والتي خلدوا بنوع السلاح.

لعب الاعلام دوراً مهما في نشر تلك المسميات لأنواع  الاسلحة والصواريخ التي تعبر عن اسماء العمليات ومصير الاعداء بها، وعن تخليد لشهداء.

دروس وعبر سريعة من المعركة الحالية

 

من خلال  ادارة المعركة اعلامياً والميدانية من قبل المحطات المحلية والعربية، لاحظنا ما يلي:

 

  1. اعادة الثقة بالمقاومة كجزء من الثقافة السياسية الفلسطينية، التي تراجعت كثيراً السنوات السابقة، وما زال تأثيرها واضحاً في الحضور الشعبي في التظاهرات وردود الفعل في الضفة الغربية متواضع وليس بمستوى التضحيات، رغم بداية تحرك في مناطق فلسطين التاريخية عام 48. ولكن حالة عدم الثقة بالقيادة السياسية ما زال مهيمن على المشهد والموقف العام.
  1. 2.     ظهور أنواع من الاعلام في الساحة الفلسطينية اعلام مقاوم حزبي مرتبط بمشاريع سياسية فئوية، تحاول ابتلاع المشهد واختطاف الانجازات له، ممثلاً بقناة الأقصى وفيما بعد تلفزيون القدس-الذي تأخر قليلاً في التغطية- التي اختزلت صورة المقاومة والتحدي والتدريب ورفع المعنويات النفسية في الحركة نفسها، ولكن كان هدفها الترويج لمشروع حركة حماس في المقاومة، وباعتبارها راعية له وهي الأقوى، وهذا ليس من باب المزايدة، ولكن ثقافة كتلك لا يمكن ان تؤسس وحدة وطنية برؤية سياسية مقاومة وواضحة ومنفتحة على الاختلاف،  وينسجم نفس التحليل الفئوي في التغطية على تلفزيون فلسطين ووكالة معاً واللتان تأخرتا كثيراً عن تغطية العدوان على غزة، فتلفزيون فلسطين ركز أثر على حجم الدمار والاستبكاء والمساعي الدبلوماسية التي تقوم بها السلطة، وتروج لرؤية فتح في الجهود السياسية والتفاوض، وهذا ليس بمزايدة ولكن لا يصح بدون مقاومة،  وقدمت رؤية فتح باعتبارها هي القادرة على تحقيق الانجاز السياسي لا حركة حماس، وأما فيما يتعلق بشركة وكالة معاً للأخبار، وبالرغم من انها خاصة، ولا نستطيع أن نحاسبها كما هو الحال في تلفزيون فلسطين، إلا ان الخطاب والاعلام المقاوم بدأ بعد اسبوع تقريباً للعدوان في التبلور، وانصبت الاغاني الوطنية والمقاومة من خلال حضور دائم لصور الرئيس عباس والشهيد ابو عمار، في ترويج واضح لرؤية السلطة ودورها وخطها السياسي، في مقابل ذلك، عبر اعلام قناة فلسطين اليوم التابعة للجهاد الاسلامي، نموذج مقاوم انساني ومقاوم، من خلال تركيز خطابه الاعلامي على المقاومة وانجازات جميع فصائل المقاومة في لمعركة دون استثناء، وابراز حقوق الناس والاطفال وحجم الخسائر، بالرغم من ان التقنية الاعلامية بحاجة للعمل عليها كثيرً.

 

  1. اسس العدوان الصهيوني على غزة حال من الانسجام والوحدة الوطنية في الرؤية والهدف لم يشهد له مثيل منذ سنوات، هذه الوحدة في الرؤية مهدد بالانقسام اذا اعتقد كلا كمن فتح وحماس بانها تملك الحقيقة على حدا ولوحدها، فالمقاومة مهمة والجهود السياسية مهمة، لا يسمح لأي منهم الهيمنة واقصاء البعد الآخر.