وظائف الحرب في الرأسماليات المعاصرة

د.عبد الإله بلقزيز

 

للأزمات السياسية، المحلية والإقليمية والدولية، وللحروب والمنازعات الأهلية والمنازعات على الحدود بين الدول، وظيفة كبرى في النظام الرأسمالي العالمي، كما في النظام السياسي للدول الكبرى المتحكمة في القرار والسلطة والثروة على الصعيد العالمي. لا مجال للاعتقاد أن مثل تلك الأزمات والحروب تزعج الأمن والسلم العالميين، كما يزعم الخطاب السياسي الأمريكي على نحو ما تردد الأمم المتحدة مفرداته، حتى في عز الحرب الباردة – حيث كان على المعسكرين والعظميين أن يتواجها على ساحات من العالم كثيرة قصد حيازة النفوذ فيها – لم يكن لمثل تلك المواجهات، التي جرى معظمها بالوكالة، أن تهز استقرار العالم من وجهة نظر الرأسماليات الغربية الكبرى. بل، على العكس من ذلك تماماً، كانت الحروب والمنازعات – وقد خطط لبعضها بإحكام وترك لبعضها الآخر فرص التفاقم والاستفحال – مناسبة مثالية لتجديد النظام الرأسمالي وحل أزماته الدورية، وتجديد نفوذ القوى الدولية المهيمنة على السياسات العالمية وأطرها ومؤسساتها الدولية.

يتعلق الأمر، في هذا الاستخدام السياسي للأزمات والمنازعات والحروب في العالم، بوظيفتين اثنتين مترابطتين تنعكسان على القوى المستغلة لها أرباحاً صافية، و- أحياناً – من دون عناء كبير:

أولاهما وظيفة مالية ربحية مجزية، مكمنها في استفادة المجمعات الصناعية الحربية الكبرى في العالم (في الولايات المتحدة الأمريكية، ابتداء وأساساً، وفي بريطانيا وفرنسا و”إسرائيل” ثانياً) من مثل هذه المنازعات والحروب لبيع منتوجاتها من السلاح لفريق من المتقاتلين، وأحياناً للفريقين معاً، قصد تنشيط الدورة الإنتاجية والاقتصادية فيها (في نظامها الرأسمالي)، وتنمية قطاع صناعة الأسلحة بوصفه واحداً من أفعل القطاعات تطويراً للصناعات، وتعظيم الفوائد، ومراكمة الثروة، وحل مشكلات الركود الاقتصادي التي تلم بالنظام الرأسمالي في الغرب، ورأسمالية الدولة في الاتحاد السوفييتي.

وكما أن الرأسمالية لا تنشأ إلا باستغلال قوة العمل، والاستحواذ على فائض القيمة، وبلترة القوى المنتجة (وهذه من أخص سمات تكونها واشتغالها)، وكما لا تستطيع أن تنمو وتتوسع، وتسيطر على المواد الخام، وتسخر اليد العاملة الرخيصة، وتوفر لمنتوجاتها أسواقاً جديدة، إلا من طريق الغزو الكولونيالي، والاستيطان، واستعباد الشعوب والمستعمرات المغزوة، كذلك لا تستطيع اليوم، وطوال الحقبة الإمبريالية والكولونيالية الجديدة، أن تستمر وتبقى وتعيد إنتاج نفسها إلا من طريق الاتجار في حياة ملايين البشر. إن تجارة الموت هي، اليوم، أكثر تجارات النظام الرأسمالي ربحية وفيض عوائد. وهذا ما يفسر ذلك الطلب الكبير والمهول على الأزمات والحروب، في النظام الرأسمالي، وتلك الوحشية الشنيعة في مواجهة الشعوب غير الغربية في الحروب ضدها.

وثانيهما وظيفة سياسية واستراتيجية مكمنها في استثمار الدول الكبرى (الولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي السابق، بريطانيا، فرنسا..) المنازعات والحروب في العالم، وخاصة في بلدان الجنوب وبينها، لمد نفوذها إلى المناطق التي تجري فيها (وفي أغلب الأحيان بهندسة من تلك الدول وتحريض)، من طريق تقديم الدعم والمساعدات، لهذا الفريق أو البلد وذاك، وإرسال الخبراء العسكريين للتدريب على السلاح المورد، واستحصال تسهيلات عسكرية (قواعد جوية وبحرية)، وإبرام معاهدات أمنية واتفاقات اقتصادية تشد بلدان الأزمات والحروب إلى الدول الكبرى تلك بأواصر التبعية، وتوفر للأخيرة فرص نفوذ كثيرة، وتمدداً لمصلحة استراتيجية خارج حدودها القومية، بل حتى خارج محيط نفوذها المباشر. هكذا أمكن للنفوذ الأمريكي أن يتمدد تمدداً سرطانياً في العالم، حتى على حساب الحلفاء (بريطانيا، فرنسا)، وأمكن النفوذ السوفييتي أن يصل إلى الخاصرة الأمريكية والخاصرة اليابانية، مثلما أمكن النفوذان البريطاني والفرنسي أن يستمرا في المستعمرات السابقة الحاصلة على “استقلالها”.

هذه وظيفة سياسية – استراتيجية في غاية الأهمية والفائدة بالنسبة إلى القوى الكبرى، اليوم، أعني في حقبة ما بعد الكولونيالية التقليدية، كان على تلك القوى أن تخوض، في الماضي، مغامرات عسكرية مكلفة لغزو العالم الخارجي، واحتلاله، والسيطرة عليه، لتظفر بمناطق نفوذ استراتيجي. ثم كان عليها أن تخوض، فيما بينها، حروباً ضارية للحفاظ لنفسها على مناطق النفوذ تلك، وما الحربان العالميتان في القرن الماضي إلا التجسيد المادي لحروب النفوذ في العالم، ولأكلافها العالية التي تدفعها القوى الكبرى من خوضها إياها. أما اليوم فما عادت هذه القوى تحتاج إلى غزو واحتلال (ما خلا في حالة جنونية خرقاء في عهد جورج بوش الابن)، تستطيع أن تمد نفوذها إلى أي منطقة تشاء مد نفوذها فيها من دون غرامات كبيرة. يكفيها لذلك مناطق توتر تجري فيها حروب أهلية، أو حروب حدود، لتلج إليها من هذا المدخل. وإن هي لم تجدها جاهزة، صنعت لها الأسباب، ونفخت في جمرها.

:::::

“الخليج”