نعم المطلوب رأس المقاومة!

ثريا عاصي 


إذا سلمنا أن أحداث الثورات المزيفة وفصولها أثبتت على مدى السنوات الثلاث الماضية أن الكثيرين من المثقفين في بلاد العرب سفسطوا في زمن الهزائم والنفط، وأنهم استبدلوا اللغة والفكر بلغة أصحاب السمو وتعلموا قراءة ما يدور في أذهان الأخيرين.. إذا سلمنا بهذا كله، يحق لنا ان لا نضيّع الوقت في رصد أقوالهم وشروحاتهم وتبريراتهم.. التي كان يحتاجها مشغلوهم، هولاند الفرنسي، أردوغان التركي وأوباما الأميركي. لا أذكر أمراء النفط. أما السوريون والعراقيون والفلسطينيون واللبنانيون فلم يكونوا بحاجة لهؤلاء المثقفين لا قبل ولا بعد، الثورات والمجازر والتصفيات العرقية والمذهبية !
فرضية: إذا كانت الغاية من عدوان المستعمرين الإسرائيليين على قطاع غزة تتمثل في نزع سلاح المقاومة الفلسطينية هناك، وجعل الناس يخضعون الى مراقبة جهاز أمني ضخم، على شاكلة الجهاز الذي يعمل في الضفة الغربية، الذي أشرف على إعداده جنرال أميركي، كما نما إلى العلم، وإذا كانت الغاية من الحرب التي تتعرض لها سوريا، تحت شعار كاذب «الديموقراطية»، هي ضرب قوتها الحالية، بالإضافة إلى تعطيل العوامل التي يمكن أن تساعدها على التطور والتقدم وتزيدها منعة، أي و حدة أراضيها وشعبها وصلاح مؤسساتها وصلابة جيشها، فإن المنطق يقودنا إلى الاستنتاج أن لبنان مرشح لأن يشهد حربا، انقلابا، عدوانا، يندرج في إطار خطة يفترض أن تؤدي إلى طرح موضوع سلاح حزب الله من جديد على بساط البحث. تجدر الملاحظة في هذا السياق إلى أن البعض، وبالتلازم مع المعركة ضد الجيش اللبناني في عرسال، وجد المناسبة ملائمة وسانحة لإعادة التذكير بقرار مجلس الأمن 1701 وطالب بتوسيع مجال تطبيقه!
أخشى ما يخشى في لبنان، أن تتمخض الحرب الداخلية أو الخارجية، عن تسوية صفقة تقضي بأن يتصالح الفرقاء وبان يتعانقوا.. ويلعنوا الشيطان الذي أوقعهم، رغما عنهم في نار الفتنة. هم دائما ليسوا مسؤولين.. هم ليسوا راشدين، ولكن الشيطان الملعون يغتصبهم بين آونة وأخرى! أن راية «لا إله الا الله.. الله رسول محمد»، تجمع الشمل ولا تفرقه إلا إذا أمسك بها المارقون على شاكلة «الجناح العسكري» لداعش. هذا ما سيقوله «الجناح السياسي» لداعش في لبنان. هو موجود. لن يقولوا أن داعش ابتكره الأميركيون. لا تقربوا الصلاة! ووقف وراءها خبراء عسكريون أميركيون وفرنسيون وأتراك وبريطانيون. ومولها أصحاب السمو في الخليج. وجندت الوكالات الأمنية الغربية المرتزقة في صفوفها، كما فعلت في العراق. ذلك بقصد التصدي لمحور المقاومة، أو «الهلال الشيعي» بحسب المصطلح الذي استخدمه الأميركيون والوهابيون !
ولكن من المحتمل جدا ألا تسقط سوريا. وأن «إنسحاب حزب الله من سوريا أولية مطلقة» سيبقى في إطار التمني أو «ما هي إلا أضغاث أحلام». وبالتالي هذا من شأنه أن يضعف إمكانية نزع سلاح حزب الله. هناك احتمال أيضا بأن لا تسقط سوريا لأن مصلحة المستعمرين والأمبرياليين لم تعد تتطلب ذلك. هذا يتحقق بشرط أن تقبل السلطة في سوريا المطالب التي قدمها الوزير الاميركي كولن باول بعد غزو العراق. أي إذا انساقت هذه السلطة أمام أمراء الخليج، وطبعت مع المستعمرين الإسرائيليين، مقابل مقاطعة إيران. هذا ما أقدمت عليه معظم الدول العربية. بالإضافة إلى تنكر سوريا لحزب الله. من البديهي في السياق نفسه أن انتفاء حاجة المستعمرين في إسرائيل والغرب إلى عزل إيران، من شأنه أن يدخل عناصر ومعطيات جديدة على سيرورة الحرب الاستعمارية الحالية في بلاد العروبة.
السؤال المركزي هنا هو هل يستطيع محور المقاومة أو «الهلال الشيعي» كما يقول مبتكرو «داعش»، أن يحرز النصر في هذه الحرب. من المرجح أن يتمكن الأخير من الدفاع عن نفسه، أي النجاح في أن يبقى، نتيجة لمعادلة قد يتوصل إلى أن يفرضها على أعدائه، كمثل المعادلة التي فرضتها المقاومة في قطاع غزة وفي لبنان على المستعمرين الإسرائيليين. على المعتدي أن يتحمل ثمن عدوانه وكلفته !
أما الانتصار الحقيقي، فمن شروطه الأساسية ضرورة الخروج من دائرة الصراع المذهبي ورسم نهج وطني تسير فيه الأكثرية الوطنية بالخيار أو بالإكراه، مجبرة لا بطلة. ولكن الانتصار يعني في ما يعني هزيمة الولايات المتحدة الأميركية والمستعمرين الإسرائيليين. لنعترف بصراحة، أن هذا الهدف هو بعيد المنال في المدى المنظور على الأقل. أقصى ما يمكن لمحور المقاومة أن يحققه في هذا المجال هو رفع الثمن الذي يتوجب على المعتدي دفعه جراء عدوانه. أي أن يفرض نوعا من التوازن النسبي في اقتسام الخسائر.
هذا من ناحية أما ناحية ثانية فإن التجربة الفلسطينية تحديدا، وفي سوريا ولبنان أيضا إلى درجة معينة، تدل على أن الشعوب لا يمكنها أن تحتمل أعباء المقاومة إلى ما لا نهاية. لا سيما ان هذه الأخيرة تضعف وتصير هشوشة بموازاة طول المدة التي تراوح أثناءها في مكانها. بتعبير آخر، المقاومة هي حراك يجري في مرحلة محدودة من مراحل العيش الوطني. ليست دائمة. كون استمرارها دون ظهور نهاية النفق، يبطن خطورة على المقاومة الوطن والشعب معا. تتمثل هذه الخطورة بنشوء علاقة تربط بين المعتدي والمعتدى عليه، تحاكي في بعض أوجهها العلاقة بين السيد والعبد. الفلسطيني أو السوري أو العراقي أو اللبناني، الذي يقاتل في جيش أميركا أو من أجلها كمثل ما يسمى داعش، أو يضطر لأن يكون عاملا في مستعمرة إسرائيلية، ليس خائنا وإنما تحول، دون أن يعي، إلى عبد مسلوب العقل! لا أنكر وجود الخونة أيضا!
أن المقاومة العروبية هي في الراهن، سورية خالصة، تحالفت مع إيران، الحلف يعني التضامن. عوّضت إيران المقاومة ضد الاستعمار الإسرائيلي خسارة مصر بعد اتفاقية كامب دافيد وخروج العراق، أو إخراجه، بعد حروب الخليج الثلاثة..