رابطة الكتاّب الأردنية تنبّه لمخاطر التمويل الأجنبي

وتفضح المنظمات والمراكز “غير الحكومية”
ماري ناصيف – الدبس

 

موضوع التمويل الأجنبي للمنظمات “غير الحكومية” في البلدان العربية والمخاطر التي تشكّلها على مجتمعاتنا وبلداننا هو موضوع قليل التداول، خاصة في لبنان، علما أن العديد من منظمات “المجتمع المدني” الأجنبية منتشرة بين ربوعنا، منذ أيام الحرب الأهلية وحتى قبل ذلك؛ وهي تدفع سنويا مبالغ طائلة من أجل تعليمنا كيفية خوض المعارك الانتخابية وقيادة المنظمات وما يطلق عليه تسمية “التربية على حقوق الإنسان” أو التربية على السلام والمساواة “الجندرية”، أي بين المرأة والرجل، وغيرها من أمور الحياة الاجتماعية البعيدة كل البعد عن النضال السياسي الفعلي.
وكون هذا الموضوع قد أصبح جزءا من حياتنا اليومية، ولا يتم نقاشه إلا من منطلق وحيد الجانب، وبالتحديد ما يسمونه الانجازات التي تقوم بها المنظمات الأجنبية – والمشاريع المالية التي توزعها على شكل مساعدات لتمويل ورش العمل في الفنادق الفخمة – نرى من باب تعميم الفائدة لفت النظر الى كتاب صدر منذ أكثر من عام عن مؤتمر عقدته رابطة الكتاب الأردنيين لمجابهة التمويل الأجنبي، وتناول فيه محاور تبدأ من “أيديولوجيا العولمة والفوضى الهدّامة” لتتوقف باستفاضة أمام أشكال التمويل الأجنبي، ومنظماته الأساسية، الأميركية والأوروبية، ودوره في مجالات عدة، أهمها الإسهام في التطبيع مع الكيان الإسرائيلي وتمويل الإسلام السياسي…
تكمن أهمية هذا الكتاب، قبل كل شيء، في كونه يقدّم مسحا واسعا للمنظمات الأجنبية ومصادر تمويلها والمهمات التي نفذتها من أجل احتلال عقول الشباب العربي وتوجيهه بالاتجاه الذي يخدم الدول الامبريالية وإسرائيل في منطقتنا. إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد فقط، بل يتعداه الى حدود كشف الغطاء عن مصادر تمويلها؛ فمن مؤسسات روكفلر وفورد و”غلوبال فند” الأميركية المعروفة… الى وزارة الخارجية في الولايات المتحدة الأميركية، الى الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تترأسه أنجيلا ميركل، الى مجموعة كوبنهاغن وبعض المراكز الرأسمالية الأخرى. إلا أن ما يلفت النظر بشكل خاص هو الإشراف المباشر لوكالات الاستخبارات على بعض تلك المراكز، وأهمها “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية”USAID) )1 التي تأسست في العام 1961، خلال السنة الأولى من رئاسة جون كنيدي، ومؤسسة “أمديست” و”فرق السلام”Peace Corps) ) التي تقول عنها د. هدى فاخوري أنها جمعت، “عبر أذرعها المنتشرة في القرى والبوادي والمخيمات معلومات مسحية دقيقة حول أوضاع المجتمعات العربية من خلال الدراسات والأبحاث التي تقوم بها مؤسسات الدراسات لصالح جهات التمويل الأجنبي التي من الممكن أن توفرها لجهات استخبارية معادية. ومن الممكن استعمالها لاختراق الشعوب والسيطرة عليها”.
الى جانب قضية التمويل المشبوه والدور المفضوح، لا بد لنا من التوقف عند القسم الثاني من هذا الكتاب، عند مجموعة من الدراسات والأبحاث السابقة لانعقاد المؤتمر، والتي كانت – هي أيضا – قد دقّت ناقوس الخطر للفت الأنظار حول محاولات اختراق المجتمع المدني العربي وإبعاد الشباب العربي عن العمل الحزبي، وإلهائه عن دوره المفترض في النضال السياسي والاقتصادي – الاجتماعي في سبيل تغيير واقع وطنه… بالاستفادة من المشكلات الاقتصادية –الاجتماعية الحادة التي يعاني منها، كالفقر والبطالة والأحياء العشوائية، بحيث يصبح “الاتجاه الى الاعتماد على مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية لتعويض انسحاب الدولة بتقديم خدمات اجتماعية للفئات الضعيفة في المجتمع، وبكلفة أقل من أسعار السوق”، وذلك بهدف ضبط توجيهها باتجاهات ممكن أن تكون مخالفة لآمالها وتطلعاتها. أوليس هذا هو دور شعار “التربية على السلام” الذي هو، في الواقع، شعار الدعوة الى التطبيع؟ يقول د. إبراهيم علوش، أحد المحللين، في هذه المسألة : “سبقت الإشارة الى أن المنظمات غير الحكومية عملت على إدارة العولمة ومساوئها وملء الفراغ الذي يتركه انسحاب الدولة،وتأسيس نموذج ليبرالي متغرّب مرتبط بالخارج تنظيميا وماليا، لقطع الطريق على أي تغيير ثوري حقيقي في بلادنا. أما في فلسطين، فان مهمة منظمات التمويل الأجنبي أخطر بكثير”، لأن دور منظمات التمويل الأجنبي في فلسطين المحتلة هو التغطية على الاحتلال من خلال “القيام بالمهمات التي كان يتوجّب على الاحتلال أن يقوم بها”؛ أما في العالم العربي، فالمهمة ترتكز الى مشروع “الشرق أوسطية” الذي يعتبر الكيان الإسرائيلي “طبيعيا ومقبولا”، خلافا للقول بوجود وطن عربي.
من كل ذلك نصل الى الاستنتاج الذي توقف عنده د. موفق محادين في استهلالية الكتاب، وهو أن لا وجود لمنظمات ومراكز “غير حكومية”. بل إن كل الجماعات التي تحاول وضع نفسها تحت هذا العنوان هي أذرع للامبريالية في بلادنا، لها مهمتها الجزئية في الخطة العامة الهادفة الى تأبيد تبعية بلداننا للمراكز الرأسمالية وإبقائنا أسرى الأنظمة الرجعية العميلة التي تنفذ، هي الأخرى، جزءا من المخطط الدولي العام ترتسم ملامحه اليوم، ليس فقط في فلسطين المحتلة، بل في العراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان,,, وكل البلدان العربية من المحيط الى الخليج.