كي لا ينخَّ الناس للتطبيع مجدداً

عادل سمارة

هناك جدلية شديدة الأهمية في حياة الشعب الفلسطيني كجزء من الشعب العربي، مسألتين تفترض الواحدة الأخرى بل كل واحدة منهما شرطاً للأخرى وهما المقاطعة (كجزء اساس من اقتلاع التطبيع) والتنمية.

لتوضيح الفكرة، نقول التنمية تتولَّد بالضرورة والقطع من المقاطعة واقتلاع التطبيع.

في مسيراتها المتعثرة، وهو تعثر بيدها قبل أن يكون بيد العدو بل الأعداء، عاشت منظمة التحرير الفلسطينية عمرها بؤرة التهام للمال، أغرقها بدو أنظمة الخليج بالسيولة المالية فغدت مثل اسطورة “حي بن يقظان”. وهذا نقلها من حرب الغوار إلى جمع الدولار. من لم يسمع ليقف في وسط مدينة رام الله ويرى مئات ملايين الدولارات تتحرك في اساطيل السيارات الفارهة، لمجرد العرض وتسميم الشوارع والإعلان، بان هذا ثمن التطبيع، حالة من الإعلان أو الإشهار عن “أنعام التطبيع” وقد الحق بها د. سلام فياض فرص القروض التي كلبشت كل من مال إليها بأحذية البنوك ورجال المال. جاء بوعد اللبرالية الجديدة لتحل محل شبه اللبرالية القديمة!

لذا، فشلت منظمة التحرير في كل من التحرير وفي تكوين مناخ ثقافة او حوار تنموي، وهذا امتد من الخارج إلى الداخل حتى قبل أن تجلبها لنا اتفاقات اوسلو-ستان. وربما لا يختلف الوطن العربي كثيرا عن الأرض المحتلة.

بينما هناك الحوار الهندي في التنمية والحوار الأمريكي الجنوبي، والحوار الإفريقي بينما في الوطن العربي نعاني فقراً واسعاً.

في الحالة الفلسطينية كان هناك من جادل بأن الاحتلال ديمقراطي، وربما حتى دماء غزة الآن لم تقنعه أن هذا الاحتلال هو داعش بالعبرية. في الحالة الفلسطينية هناك اقتصاديون مع بقاء الارتباط بين اقتصاد الضفة والقطاع والكيان. إن لم يكشفهم الطلبة، إقرأوا ما يكتبون باللغات الأخرى وفي أماكن أخرى.  اي ضد فك الارتباط ومع وصفات البنك الدولي قاتل الأمم.

 في المناطق المحتلة اقتصاديون ممن كتبوا علانية عن ضرورة إنشاء رباعية اقتصادية بين (فلسطينيي 1948 والكيان وغزة والضفة). تجدون على راس هؤلاء (د. رجا الخالدي في جامعة بير زيت) واليوم يجادل ضد النيولبرالية! أي من تبرير الكولونيالية وتحويل وتشريع تحويل الفلسطينيين إلى حالات من الاستعمار الداخلي Internal Colonialism  للكيان، لينتقل إلى ضد اللبراالية التي اصبح اهلها ضدها!! وليس د. خالدي وحده هكذا. حبذا لو يكتب لنا الآن قصيدة طويلة جميلة بدماء أطفال غزة لنرى محاسن هذه التنمية التي قدمها الاحتلال لأهل غزة؟ وقد يضع سيناريو اقتصاد رياضي لتوسيعها بقصف الطيران الأمركي إلى الضفة والجليل.

اثير هذا الأمر، اي وجوب المقاطعة ومحو التطبيع، لأن الشارع الفلسطيني اليوم في حالة هيجان وطني ضد الكيان الصهيوني الإشكنازي. حالة تبحث عن فحل التلقيح بحمل جديد ينقل وعينا وممارستنا فراسخ إلى الأمام باتجاه التاريخ. يقتلع تلك الدونية المستنيمة للعدو في عشق دوني من طرف واحد. ولمن؟ لعدو لا يخفي من امره شيئا، لا هو ولا امريكا ولا تركيا ولا الاتحاد الأوروبي!!

هذه الفورة الشبيهة بعشق الأرض للمطر، والمرأة الحقيقية للأنجاب، هذه الفورة لا بد أن تُحمى، ولكي تُحمى لا بد أن تستمر.

لا بد ان يشعر كل واحد منا أن عليه في نهاية النهار ان يسأل نفسه: هل مارست التطبيع، هل قاطعت، هل شطبت مساحة ،جزءاً من استدخال الهزيمة؟

المقاطعة ومناهضة التطبيع هي حالة النضال الممتد بين حرب وحرب بانتظار النضال المشتد لحرب وحرب.

لم يزرعوا الكيان هنا للصلاة للرب، كذابون، زرعوه  للصلاة لرب المال. لذا، قال لهم المسيح قبل الفيتين، وكأنه كان يعرف ان راس المال آت إلى هذا العالم بالدم والحديد والنار، حيث قال: “لا تعبدوا إلهين، الله والمال”. إنهم يعبدون المال باسم الله.

يبدو أن نار امريكا والكيان تخف قليلا عن أطفال غزة، فهل تسمحوا للمطبيعن/ات بالعودة البطيئة ولكن الخطيرة لممارسة التطبيع وطعن المقاطعة؟

اين حارس النار الأبدية للوطن؟ هذه مسألة سياسة وجوهرها تنموي. والتنمية بالكل وللكل. التنمية هنا هي موقف المرأة من الاستهلاك في إدارتها للمنزل ومشترياتها. هي موقف الأطفال والطلبة والعمال والفلاحين. هي موقف الأكثرية الساحقة ممن ليسوا اثرياء ولا متغربنين ذهنا وثقافة وتوحش استهلاكي. هي موقف المنتجين الحقيقيين.

لقد حملتم شعلة المقاطعة واقتلاع التطبيع، ولكن العواطف لا تصمد، بل هي خطيرة إن لم تكن ممنهجة، دائمة.

ربما لجان الحماية الشعبية في كل قرية وحارة هي أجمل المبادرات.

هي حماية شعبية من المطبع/ات ومن الملتفين على مقاطعة منتجات العداء، منتجات الثورة المضادة (الكيان والغرب الراسمالي وأنظمة التبعية العربية وألإسلامية)، هي متابعة لهؤلاء، وحين يتوقف هؤلاء يكون قد تحقق صد الاستيطان السلعي ومن ثم الاستيطان البشري.

حين نقاطع بضائع الأعداء ( منتجات الكيان، ومنتجات السعودية وتركيا والغرب)،  نكون قد حاصرنا وكلاء هذه السموم، فيتوقفوا. وهذا مشروع مالي مربح لأنه يحفظ السيولة المالية في البلد مما يشجع على استثمار الفائض غير المتسرب للأعداء استثماره في الاقتصاد المحلي.

سلطة أوسلو ستقف ضد هذه التوجه، ضد التنمية بالحماية الشعبية، لكنها لن تستطيع لأنه كما كتبت ذات يوم روزا لكسميورغ:”يمكنك إرغامي على العمل في المنجم، ولكن لا يمكنك إرغامي على شراء بضاعتك”.

إن المرأة قادرة على تأديب وكيل منتجات الأعداء بعدم شرائها وليس بحرق حانوته او مخزنه.

والطالب الذي صفع ممثل بريطانيا بحذائه الجميل قادر على لجم الأستاذ الذي يسري التطبيع والتصهين في دمه.

والعامل الذي يسيل عرقاً قادر على تحديد اي طعام طبيعي محلي يأكل.

والفلاح الذي حوصر في برزخ لم يعد معه لا عاملا ولا فلاحاً، قادر على الأقل أن يزرع حديقة المنزل.

والمثقف الذي ينتظر راتب الأنجزة وسموم المال، قادر على الأقل على القول ، أنها لقمة سم زعاف.

وبعد، كما كانت مقاومة غزة رافعة للوطن المحتل مجدداً في وجدان الطبقات الشعبية العربية، حافظوا على مناهضة المطبيعن وواصلوا المقاطعة لينتقل المرشوع غلى الأمة العربية، مشروع حرب الشعب عبر التنمية بالحماية الشعبية. وحينها اعدكم بأن العدو سيختنق.