لبنان: ” طعنة عرسال الداعشية ” حقائق وتداعيات

العميد د. امين محمد حطيط 

بدأت ” طعنة  عرسال الداعشية ” عندما اطبق  الارهابيون المنتشرون في عرسال اللبنانية و جرودها،على المراكز العسكرية اللبنانية (قوى امن داخلي – جيش ) ،  بمساعدة من بعض اهالي عرسال ممن  يقدمون للارهاب  خدمات مدفوعة الاجر او يعتنقون مذهبه ، و اسفر الاعتداء عن  خسائر عسكرية فادحة قتلا و جرحا وخطف عسكريين حتى بلغ عددهم 45 مخطوفا منهم 23 رجل امن  .

 شكل الغدر الارهابي  صدمة كبيرة للجيش الذي لم يعتد على مثله و بهذه الفظاعة  مذ وجد ، و لكن و من اجل الانصاف و الحقيقة نقول بان هذه النتيجة كانت امتدادا طبيعيا لذاك القرار السياسي القصير النظر ان لم نصفه باكثر ، قرار اتخذته السلطة اللبنانية التي مارسها ثنائي رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة ابان استقالة حكومة الاخير، قرار استجاب لاملاءات السعودية الممثلة بتيار المستقبل الذي رفض دخول الجيش الى عرسال و منع ملاحقة المعتدين  على الجيش و قتل اثنين  من رجاله  ( الرائد بشعلاني و الرتيب زهرمان ) ، و الكل يذكر كيف  قام يومها تيار المستقبل بتشكيل وفد من جماعات ما يسمى 14 اذار ارسله الى عرسال ليؤكد تضامنه و دعمه لها في وجه الجيش و ليفرض تفاهما يقضي بانتشارا عسكري شكلي  يلائم المسلحين في البلدة يتمثل باقامة  مركز لقوى الامن الداخلي في داخلها و ابقاء الجيش في خارجها دون ان يكون له  الحق بالقيام باي مهمة عسكرية امنية او عملانية فيها .

شاء تيار المستقبل من هذا “التفاهم”  انتاج  بيئة  ملائمة للارهاب ضد سورية عبر  تحويل عرسال الى ملاذ آمن للمسلحين  و مكان استرخاء و تموين و تجهيز لوجستي لهم بعيدا عن المراقبة الرسمية الجدية  ، كما و بعيدا عن امكانية التدخل العسكري السوري ، اذ تولت  السلطة السياسية في لبنان التصدي الفوري و المباشر و الفظ احيانا لاي عمل عسكري سوري يرمي الى  ملاحقة الارهابيين في منطقة عرسال حتى و لو كان الامر مقتصرا على قذيفة من هاون تقع على خط الحدود غير المعروف على الارض بدقه ، و قد ترجمت هذه الحماية الرسمية اللبنانية للارهابيين بمواقف رئيس الجمهورية و التهديد اكثر من مرة باللجوء الى مجلس الامن ضد سورية بذريعة المحافظة على السيادة اللبنانية .

في ظل هذا الوضع ، و مع  التقلبات التي آل اليها المشروع الصهيو- اميركي في المنطقة بعد الفشل المتتابع له في سورية ، و وصوله الى الخطة الاخيرة المبنية على الثنائي “اسرائيل – داعش ” و القائمة  على اقامة الدولة الارهابية في العراق و الشام “داعش ” لشطر محور المقاومة و تشتيت مكوناته و فصلها بعضها عن بعض و تبرير السلوكيات الاسرائيلية بحق فلسطين و الفلسطينيين ، مترافقة مع  تحرك اسرائيلي ضد المقاومة الفلسطينية في غزة ، مع هذه المتغيرات، رأت “داعش” ان تحتل مناطق محددة بعد “مسرحية الموصل الداعشية”  ، في سياق  ما اطلق عليه   ب خطة ” الغزوات السبع “، التي تهدف الى احتلال كامل الانبار في العراق ، و الحسكة و جبل الشاعر و حمص في سورية ، و عرسال و عكار و طرابلس في لبنان ، سبع مناطق تؤمن للدولة الارهابية “داعش ” منفذا بحريا على المتوسط و عمقا جغرافيا في الداخل ، و مناطق ثروات طبيعية لما فيها من حقول النفط و الغاز .

و عليه لم يكن الغدر الارهابي في عرسال امرا عابرا او صدفة انتجتها ظروف غير متوقعة بل كان خطوة في مرحلة ضمن خطة شاملة ، تقودها و تضبط ايقاعها الجهة التي انشأت داعش و مولتها و ترعاها و هي التي فضحتها  وكشفت  هويتها بوضوح كلي وزيرة خارجية اميركا السابقة هيلاري كلينتون التي قالت بان “داعش منتج اميركي بتمويل سعودي خليجي ” .

حققت  “طعنة عرسال الداعشية ” معظم ما رمت اليه في الساعات الاولى لانطلاق اعتدائها   فامسك المسلحون بالبلدة بشكل كامل و احتلوا  معظم مراكز الجيش في محيطها و انتقلوا فورا الى تنظيم شأن  ما وضعوا اليد عليه و رفعوا اعلامهم عليه ايذانا بوصول دولتهم الى عرسال.

 لكن الجيش اللبناني الذي غدر به في البدء استفاق  بعد الصدمة و تصرف بردة فعل عسكرية دون الرجعة الى السياسيين – و هذا واجبه البديهي – فحرك قواته ليعزز ما ترنح منها في الميدان و استطاع في اقل من 48 ساعة ان يستعيد التوزان و يمسك بزمام المبادرة ، بشكل تمثل في المسارعة الى تطويق عرسال و محاصرة الارهاب فيها لمنع تمدده الى خارجها في رسالة قوية للمسلحين بان مفاعيل المفاجأة انتهت و ان الجيش سيقطع الطريق على خطتهم ، و اذ بالميدان يشهد كر و فر لا يدرك حقيقة ابعاده الا من يملك القدرة على معرفة كل الجزئيات فيه.

ظن ” داعشيو الداخل اللبناني ” ان الجيش هزم في عرسال و ان السيطرة في الميدان باتت ل “داعش” لا يقوى الجيش على انتزاعها فتحركوا للتناغم مع هذا المستجد  خاصة في طرابلس و عبر تيار المستقبل على لسان 3 من نوابه عن وقوفه ضد الجيش و اتهموه  بقتل اهل السنة و بانه جيش مرفوض ، في افتراء يغفل كليا  الحقيقة بان الجيش معتدى عليه و بانه خسر 17 شهيدا و 80 جريحا  و ان 22 عسكريا مخطوفين على يد الارهابيين ، و تحركت  اثر ذلك الخلايا النائمة في المدينة  و قامت بالاعتداء على الجيش مستفيدة من الغطاء المستقبلي و من سكوت رسمي على موقف النواب الثلاثة خاصة القضاء الذي كان عليه ان يتحرك ضد هذه السلوكيات و يلاحق اصحابها دون التوقف عند حصانة نيابية يسقطها الجرم المشهود .

كادت “طعنة عرسال الداعشية ” ان تنجح و تمتد الى طرابلس لو لم تواجه بردة فعل دفاعية  مثلثة القواعد و الاتجاهات:

–          الاولى عسكرية- ميدانية قام بها  الجيش الذي استعاد توازنه و انطلق لتحصين ميدانه في منطقة عرسال و تثبيت مراكزه في طرابلس و التصرف بمنطق عسكري لا تفسده السياسة .

–           الثانية اهلية – شعبية تمثلت بردة فعل الاهالي في محيط عرسال الذين تحسسوا الخطر و نزلوا بشكل لبق و ذكي الى الميدان دونما استفزاز لاحد ،  فشكلوا بيئة حاضنة للجيش تحمي ظهره ،

–         و الثالثة وطنية – اعلامية تمثلت  باستنفار لبناني عارم رافقه  موقف سياسي و اعلامي ، ادى الى عزل تيار المستقبل و داعشيي السياسة اللبنانية ، و افهمهم بان خطتهم افتضحت و ان لا مجال لمتابعتها .

لقد افشل مثلث الدفاع اللبناني الانف الذكر و  مستفيدا من دعم ناري ارضي و جوي غير معلن قدمه  الجيش العربي السوري افشل “طعنة عرسال الداعشية ” و فضح اصحابها و في طليعتهم تيار المستقبل الذي احس بحجم الفضيحة و الخسارة ، فقرر الجميع التراجع عن متابعة التنفيذ مع عدم التراجع عن مكتسبات سابقة و هنا توزعت الادوار في المعالجة على مستويات عدة بدءا بالسعودية ، فقررت و لحجب  تمويلها لداعش ، منح لبنان مليار دولار لانفاقها بيد الحريري لشراء سلاح للجيش و الاجهزة الامنية ، مرورا ب”هيئة علماء الارهابين”  التي تصدت لمسألة التفاوض مع المسلحين و تحقيق طلبات الجيش من غير الحاجة الى متابعة العملية العسكرية التي بدأها ، وصولا الى تيار المستقبل الذي  توزع الادوار في خطة الاستيعاب متراجعا لفظيا عن دعم الارهابيين و مؤكدا رفض العمل العسكري اللبناني و الضغط باتجاه اعادة الحال الى ما كان عليه قبل ” الطعنة ” حتى لا يخسر المسلحون ما كان تيار المستقبل قد امنه لهم في المرحلة السابقة ابان العهد الرئاسي الماضي .

 هنا يجب الاعتراف بان خطة رعاة “داعش ” الاستيعابية نجحت في تحقيق اهداف اصحابها و وقع الجيش – الذي نجح في الميدان و افشل الهجوم-  وقع في خديعة كبرى ادت الى وقف عملياته ما افسح المجال للمسلحين بترتيب اوضاعهم داخل عرسال و في جرودها و الاحتفاظ بالمخطوفين . فتوصل تيار المستقبل بذلك الى تحقيق اهدافه الاستيعابه لتعثر ” الطعنة ” ما انعكس سلبا و بشكل كارثي على معنويات الجيش و مهامه  و ادائه في منطقة عرسال عبر الحل – التفاهم  الضمني غير المكتوب و غير المعلن الذي تم التوصل اليه عبر “هيئة علماء داعش”  و بتوجيه من تيار المستقبل و ممثليه في الحكومة اللبنانية و الذي افضى الى نتائج نراها كارثة في ابعادها و تداعياتها اذ انها  اجهضت مفاعيل  البطولات التي قام بها الجيش و العمل العسكري الاحترافي الرائع الذي نفذته وحداته الخاصة في استعادة المراكز او مدفعيته المشهود لها بالدقة و الفعالية و التي انزلت بالارهابيين ما يفوق ال 400 قتيل بالتزامن  مع ما قام به الجيش العربي السوري و رغم ذلك نرى ان تجار السياسة في لبنان صنعوا كارثة وطنية  يعبر عنها بالتالي :

1)     الاقرار الواضح بحق المسلحين العاملين ضد سورية بالوجود و العمل على الارض اللبنانية مع تمسك السلطة اللبنانية برفض التنسيق مع الجيش العربي السوري الذي يعمل لحماية سورية من الارهاب القادم اليه من لبنان .

2)    تقييد الجيش  لمنعه من ممارسة ما يراه مناسبا  من عمليات عسكرية تهدف الى ضبط الوضع و تحرير جنوده المخطوفين و ترك مسألة هؤلاء لمزاج المسلحين و رغباتهم و شروطهم .

3)    تقييد القضاء اللبناني في ملاحقة من اعتدى على الجيش باطلاق النار عليه او خطف عسكرييه او المس بمعنوياته .

4)    التأكيد على ان ما رفعه لبنان من شعار النأي بالنفس انما يجد تطبيقه الحقيقي في النأي عن الحكومة السورية و عن الاتفاقيات المعقودة معها خاصة الامنية دون ان يكون نأي عن التدخل في شؤونها عبر منح الارهابيين ملاذ آمن و مدهم بكل المساعدات و الرعاية .

 ان “تفاهم عرسال”  اليوم يذكرنا باتفاق القاهرة في العام 1969 و لكن شتان ما بين خلفية و اهداف هذا و ذاك فاتفاق القاهرة كان تنازل عن شيء من السيادة اللبنانية في العرقوب من اجل العمل الفلسطيني المقاوم ضد اسرائيل ، اما “تفاهم عرسال”  فهو تفريط  بدماء شهداء الجيش و مس بمعنوياته  و تنازل عن جزء من السيادة الللبنانية في عرسال و جرودها لتمكين الارهابيين من اتخاذها قاعدة انطلاق لتخريب سورية و قتل شعبها … هذه هي المفارقة الكارثة التي تفرض على المعنيين بالشأن التحرك لدفعها قبل ان تنزل اثارها السلبية و فواجعها على لبنان و سورية  معا ، و اننا نرى في قرار عسكري يتجاوز ما هو غير قانوني و في سلوك قضائي لا يعترف بسلطة للسياسة على القضاء و  ضغط شعبي وطني رافض للتنازل مخرجا من هذه الكارثة .

:::::

“الثورة” ، دمشق