غزة…ودروس الهدن المتدحرجة ومحاذيرها!

عبداللطيف مهنا

متوالية الهدن المتدحرجة، أو اتفاقيات وقف اطلاق النار المؤقتة وتمديدها في جاري الحرب الصهيونية على غزة واصلت تدحرجها لترسوا على ثالثتها حتى الآن. كل ماهو المختلف في آخرها عن سابقتيها أن ساعاتها ازدادت عن الاثنتين والسبعين لتصل الى المائة والعشرين. محاولة ابداء قليل مما عزَّ من التفاؤل التي شابت اعلان رئيس الوفد الفلسطيني الموَّحد قبوله بهذه التهدأة بعد دقائق من انتهاء سابقتها، بددته في الحال التحفظات التي لم يستطع ممثلو المقاومة في الوفد احكام كتمانهم لها، لتأتي التسريبات لاحقاً فتكشف عن أن مفاوضات العشرة أيام لم تسفر فعلاً عن أي اتفاق حول أي من المطالب الفلسطينية، التي توافق الفلسطينيون سلطةً ومقاومةً عليها وتوحَّد وفدهم على اساسها فحملها معه الى الوسيط المصري…لم يتم إلا على تمديد الهدنة التي سارعت غارات طائرات الصهاينة لخرقها فور اعلانها مباشرةً، وكان من اللافت أنها قد قوبلت منهم بداية بالصمت المطبق والتعتيم الإعلامي التام…فماذا بعد؟

كل الاحتمالات تظل واردةً والميدان وحده يظل هو سيد الموقف، لكن المرجَّح حتى الأن هوا التزام الطرفين، وكل لأسبابه، بمثل هذه الهدنة التي تدحرجت والتي قد يتم دحرجتها مجدداً، ومن ثم قد تتوالى أيضاَ ذات العودة إلى ذات المربع الأول في حومة سلسلة هذه المعمعة من التفاوض غير المباشر والجارية عبر ذات الوسيط. الصهاينة، لأنهم يريدونها أن تتحول الى دائمة أولاً، ثم لأنها تتيح لهم أن يراوغوا ويماطلوا للإلتفاف على مطالب الحد الأدنى الفلسطينية، وتوخياً منهم لأن يأخذوا عبر احابيل التفاوض ما عجزوا عن أخذه في ساحة الحرب. والفلسطينيون، لأنهم قد اُستفرد بهم حيث عزَّ الظهير وافتُقد النصير وانهالت عليهم، الى جانب ماآلت اليه حال ناسهم في غزة، شتى صنوف الضغوطات ومن كل حدب وصوب، ولعل اثقلها ماكانت تأتيهم من الوسيط…جوهر ماهو المتضح، حتى الآن، هو ان الصهاينة ليسوا في وارد الموافقة على رفع الحصار الإبادي المضروب على غزة، وإنما المساومة باتجاه ادارته وتنظيمه لا أكثر…

ماسُرِّب حول ورقتهم، التي سلمها الوسيط المصري للوفد الفلسطيني فرفضها، تجاهلت بادىء ذي بدء ذكر الرئة الوحيدة والمسدودة، التي من المفترض أن يتنفس منها القطاع المحاصر، وهى معبر رفح. أما باقي المعابر، التي هم يتحكمون بها، فرهنت فتحها باتفاق تفصيلي مع السلطة لاغير ودونما جدول زمني واضح. واعتبرت اعادة فتح مطار غزة والميناء البحري مسألتان ليستا بذات اولوية. إلى جانب رفضها لإلغاء المناطق العازلة شمال وشرق القطاع، رابطةً إياه وتدرُّجاً باتفاق شامل لوقف اطلاق النار. وكل ما جادت به على الفلسطينيين هو السماح بإيصال رواتب الموظفين عبر طرف ثالث، وتمديد مساحة الصيد المسموحة اميالاً اضافية، واكملتها باستعداد مدمري غزة للمشاركة في عملية اعادة اعمارها، أي العودة اليها هذه المرة عبر بوابة هذا الإعمار!!!

ماتقدم، وفي كل الأحوال، وفي مواجهة كافة الاحتمالات، يجعل من تمسُّك الوفد الفلسطيني الموَّحد بمطالب الشعب الفلسطيني في حدودها الأدنى، والتي توحَّد عليها وحملها معه الى القاهرة، مسألة مصيرية، أي لايجوز التفريط بواحد منها، وعلى رأسها رفع الحصار كلياً، بمعنى آخر، الحفاظ على وحدته بالحفاظ على ماتوحَّد عليه، الأمر الذي يعني وجوب الارتفاع الى مستوى التضحيات والبطولات المذهلة في اسطوريتها التي بُذلت في ملحمة غزة النضالية غير المسبوقة. لعل هذه واحدة من دروس هذه العشرة أيام من هذه المفاوضات الصعبة والمتعسرة، لكنها المختلفة عن سابقاتها سيئات الصيت، إذ أن هناك بون شاسع وبما لايقاس بين أن تفاوض عدوك وانت تقاومه محاولاً فرض شروطك عليه وأنتزاع مطالبك منه باسطورية صمودك وفدائية تصديك له في مواجهتك له، وبين أن تفاوضه اعزلاً من ارادتك المقاومة، بمعنى استسلامك موضوعياً، مموها ومفلسفاً ذلك، بانتهاجك مسار تسووياً رافعا فيه شعار السلام خياراً استراتيجياً أوحداً، لتلج بالضرورة سرداب المفاوضات من اجل المفاوضات، والذي ثبت أنه ماقاد ولن يقود إلا الى هاوية تصفية القضية.

لقد اثبتت الملحمة النضالية الفلسطينية في راهن محطتها الغزِّية ما لطالما كنا قد رددناه، وهو أنه لا ما يتوَّحد الشعب الفلسطيني حوله، وليس مايحرك كوامن وجدان هذه الأمة التي لاتتوحد إلا على فلسطينها، إلا المقاومة. من هنا حق القول أيضاً أن ما بدى من توحُّد فلسطيني خلف مطالب الحد الأدنى في مفاوضات القاهرة ماهو إلا بفضل من هذه المحطة النضالية الإعجازية. والتي إذ اتاحت لحماس كحركة مقاومة الخروج من الملعب الأوسلوي والنأي بالنفس عن موبقات السلطة أوالتخفف من اوزارها، تتيح لفلسطينيي التسوية الانفلات والنجاة من عبثية المطب الأوسلوي القاتل، وتسهِّل عليهم، وإن متأخراً، العودة إلى خيار الشعب الفلسطيني الأوحد والمتمثل فيما يعنيه له هذا الصمود وهذه المقاومة من زوَّادة نضالية على درب التحرير والعودة….

واذا كان لهذه الهدن المتدحرجة من دروس فلها أيضاً محذوراتها، ومنها انتهاز المتغيِّر الذي سطرته التضحيات الفلسطينية الهائلة لتوظيفه تصفوياً في ذات البازار الذي وظِّفت فيه الانتفاضة الأولى المجيدة، والذي اودى بالنضال الوطني الفلسطيني إلى المستنقع الأوسلوي واوصل القضية الى ما أوصلها اليه قبيل منعطف هذه المواجهة الأخيرة ومنجزاتها. ويجيز لنا مثل هذه المخاوف ارتهان الواقع الفلسطيني رغم هذا المتحول الى تجاذبات الواقع الرسمي العربي الرديىء المحيط به، في ظل غيبوبة شعبية عربية، بينما باتت شعوب الكون، والغربية تحديداً، الأكثر تعاطفاً مع القضية العربية في فلسطين، مع استدراكنا بأن انظمة هذا الغرب ربما غدت الأكثر عدائية لها.