الملاجىء والاستنزاف والصراعين المشتد والممتد

عادل سمارة

بين حرب التلقي وحرب المبادرة بونٌ شاسع. وهذا البون تعبير عن خطاب ومدرسة في التفكير والإعداد وفهم طبيعة الصراع ومستقبله.

إعداد الملاجىء يعني أنك جاهز لصراع طويل أو مستدام سواء في حالتنا كحركة تحرير أو كان في جانب العدو كمعتدي.

واللافت بأن العدو هو المبادر لإعداد الملاجىء منذ بداية الصراع. ولعل المفارقة بأن إعداده للملاجىء بدأ في الفترة التي كان هو الطرف الذي ينقل الحرب إلينا، إلى الوطن الواسع، سواء عام 1948 او 1956 العدوان الثلاثي على مصر أو عدوان 1967 أو ضرب الأردن قبل أيلول 1970 او ضرب  مدرسة بحر البقر في مصر خلال حرب الاستنزاف أو ضرب مفاعل تموز النووي العراقي أو  العدوان على لبنان 1983…الخ.

بالمقابل، ورغم أننا كنا الطرف المتلقي للعدوان، باستثناءالمقاومة كنقل للمعركة إلى الأرض المحتلة وحرب اكتوبر 1973 (مصر وسوريا) ورغم تفوق العدو في سلاح الجو، إلا أن ثقافة الملاجىء لم تكن مطروحة في الحالة العربية عموما وخاصة دول الطوق.

ربما هناك ملاجىء لغرف العمليات العسكرية ولكن ما أقصده الملاجىء بالمعنى الشعبي.

هذا مع العلم أن الملاجىء هي استثمار باطن الأرض للحفاظ على الحياة فوق سطح الأرض. وهي بالضرورة، وهذه المرة في قطاع غزة، شديدة الأهمية لأن الكيان بصدد ترحيل أهلنا في غزة إلى سيناء. وعليه، فالملاجىء هي تغيير في الحيِّز الجغرافي بمعنى مضاعفته والثبات فيه ومن خلاله وخاصة لأن الكيان هادف القتل والترحيل معا.

ما حصل ضد غزة منذ عام 2008 وما  يحصل في غزة اليوم، يشير إلى احتمال قوي بأن يتخذ الصراع حالة حرب استنزاف، قد لا تكون معلنة بوضوح بعد، ولكنها من جانب العدو معلنة على الأقل منذ حصار عام 2007.

فالحصار هو حرب استنزاف حتى دون القصف الجوي أو البري.

وبالمقابل، فالمفترض أن تكون مواجهة هذه الحرب بفتح المعابر والتمسك بالممر الأمن بين الضفة والقطاع لأنه جذر ترابط القضية الفلسطينية من جهة، واعتماد مشروع الملاجىء من جهة ثانية لا سيما وأن ملامح الغد تبدو واضحة بمعنى أن الصراع مديد سواء بحرب جبهية مفتوحة أوبحر موقعية (نظرية انطونيو غرامشي)  موضعية على شكل استنزاف.

وهذا يطرح التحدي التالي: إن قبول الدول العربية التي تقدم المساعدات لقطاع غزة بتخصيص مساعدات معينة وملموسة لإقامة الملاجىء هو امر مفصلي، بمعنى أن اية مساعدات، إذا لم تبدأ من تحت الأرض قبل سطحها، فهي مساعدات ترقيعية ذاهبة إلى التطبيع بالتركيع وتصفية القضية بل وزرع استدخال الهزيمة في الشعب الفلسطيني والعربي بمعنى أننا نمتهن تلقى الضربات ومن ثم الذهاب إلى إلقاء السلاح واختيار فترينة سنغافورة وتايوان.

وهذا ما يطرح السؤال: لماذا لم يتم انتهاج استراتيجية إقامة الملاجىء إلى جانب الأنفاق العسكرية والتجارية؟ وبمعزل عن الإجابة والموقف منها، فلعل المطروح هو وجوب إقامة الملاجىء لأنها شريان الصمود في حرب الاستنزاف من جانبنا وامتصاص حرب الاستنزاف من جانبهم. وهي ايضاً، تأكيد على الاهتمام بالمواطن كي لا يذهب دمه سدىً وهذا الاهتمام هو الذي حوله إلى مخزون تزويد المقاومة بالمقاتلين، ولذا يجب تزويده بما يحميه اي الملاجىء. ولننظر إلى العدو، فالملاجىء هي التي تحول دون هروب مستوطني جنوب فلسطين  إلى وسطها وشمالها. وهنا ستذكر مقولة لا أريد ذكر اسم صاحبها من مصر حينما قال عام 2012، بأن هناك مخيمات للفلسطينيين في كل الدول فلماذا لا تكون في مصر!!!

إقامة الملاجىء هي حفاظ على الميزة النسبية المتمثلة في اتساع الوطن العربي، وعدم تحويله إلى مناطق استقبال اللاجئين في مخيمات ، إلى ثبات المواطن في أرضه وإبقاء الوطن العربي رديفا جغرافيا وقوميا في الصراع وإشراكه في النضال المتناسب مع حجمه وإمكاناته الشعبية بمعنى رفض استدخال الهزيمة ثقافيا وخطاباً، وممارسة المقاطعة لمنتجات الأعداء  من الكيان وحتى الغرب باجمعه ورفض التطبيع مع هذه الأنظمة ومع عرب التصفية الرسميين.

وقد يكون لنا القول، بأن قادم الأيام غير قديمها.  فإذا كانت الحرب هي لحظة الصراع المشتد، فإن إقامة الملاجىء من جهة وممارسة المقاطعة ورفض التطبيع هي تشغيل المجتمع العربي والفلسطيني في الصراع الممتد ما بين حرب واخرى.

ملاحظة1: نوقشت مسألة الملاجىء في حلقة أمس (20-8-2014)في فضائية فلسطين اليوم بإيجاز نظرا لضيق الزمن الفضائي وسرعته.

ملاحظة 2: حين إقامة الملاجىء وخاصة الاستراتيجية لنتذكر أهمية نظافة من نستعين به. ففي العراق كانت شركات فنلندية هي التي أنشئت الملاجىء الاستراتيجية وحينما بدأ عدوان 1991 على العراق قامت الشركة الفنلندية بتسليم خرائط الملاجىء للعدو الأمريكي. ربما كلنا يعرف أن ملجا العامرية حين قصفته امريكا قتل فيه اكثر من 400 طفل وامرأة وشيخ. هذه صديقتنا امريكا!!!!!!!