الهزيمة بين جدل تجليسها وتخطيها

استهداف دائم يشترط هوية: المقاومة والتنمية والوحدة

(الجزء الثاني)

د. عادل سمارة

الاستعمار الأوروبي وسايكس بيكو

 

تُجمع مختلف قراءات الاستراتيجيين على أن أمن مصر يمتد شرقاً إلى الشام وجنوبا إلى الجزيرة العربية، وغربا إلى المغرب وذلك انطلاقاً من أن الدولة المركزية العربية هي مصر وبأن قيمة مركزيتها هي في دورها وبأن انحطاطها منوط بتخليها عن دورها سواء بانطوائها او تبني قيادتها للاستتباع[1].

هذا ما أدركه محمد علي بأن مركزية مصر متطلبا اساسيا لدولته الجديدة التي واكبت الموجة القومية الأولى في أوروبا[2]. لذا كانت حملته على السودان وحملته على الحجاز لاقتلاع الوهابية وحملته على الشام لمواجهة العثمانية.

وبالمقابل، كان التحالف الأوروبي (الغربي الرأسمالي المسيحي) والعثماني الراسمالي التابع (الإسلامي) لتحطيم الدولة الجديدة. ولنتذكر أن رئيس وزراء بريطانيا حينها كان بالمرستون المتعصب لليهود من مدخل استراتيجي، ولذا، كان من دعاة إقامة دولة لهم في فلسطين وهذا سابق بنصف قرن على تبلور الحركة الصهيونية. كان بهدف وجود دولة يهودية للمساهمة في حفظ مصالح بريطانيا في الوطن العربي وخاصة الطريق الذي تحتاجه شركة الهند الشرقية بعد أن سيطرت على شركات الهند الشرقية لكل من فرنسا وهولندا. لتقويض تجربة ودولة محمد علي، تحالف مع فرنسا خصمه آنذاك طبقاً لمقولته المعروفة: “لا توجد صداقات دائمة بل مصالح دائمة”.

بالقضاء على تجربة مصر محمد علي، صار بوسع منظري التنمية القطع بأن: “لا يابان بعد اليابان” أي لن يسمح الغرب الراسمالي بعبور أي مجتمع إلى الرأسمالية بشكل حر ومستقل. وهو شعار يمكن صياغته: “لا أوروبا بعد أوروبا”. وقد لا يبدو غريباً أن المرتكز المركزي للمحافظية الجديدة الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي هو منع اية قوة من منافسة الولايات المتحدة. لعل هذه تجد جذورها في تلك.

بهزيمة محمد علي، تكرست في مصر مدرسة في الحكم تمثل استدخال الهزيمة، أي لا مقاومة، ممثلة في الخديوية التي بقيت حتى ثورة يوليو 1952. والتي تم تقطيع المقاومة العربية لها بثورتي عرابي 1881 وثورة 1919 بقيادة سعد زغلول. وبهزيمة عبد الناصر تكرست مجدداً تبعية مصر ممثلة بخديوية عسكرية لا عائلية (السادات ومبارك).

وهكذا، فإن الاستعمار العثماني من جهة وإجهاض ثورات مصر من جهة ثانية وما ترافق معهما من فقر وتخلف الوطن العربي قد مهدتا للخضوع للاستعمار الغربي بتنوعاته سواء القومية (بريطاني، فرنسي، إيطالي) أو تمظهراته (عسكري، اقتصادي، استيطاني).

لقد كان الاتفاق السري بين بريطانيا وفرنسا وبعلم قيصر روسيا[3] (1916) هو من جهة بهدف الحلول محل الاستعمار العثماني ومن جهة ثانية مواصلة استهداف الوطن العربي الذي كان مستنزفاً في تلك الفترة. بل الذي لم يفرز حينها سوى “ثورة” تابعة، اي “الثورة” التي تجندت إلى جانب المستعمرين الجدد لطرد القديم العثماني على أمل أو بوعد تنصيب الحسين بن علي ملكا على الدولة العربية الجديدة! إعتقاد بأن الاستعمار يمنح استقلالاً…عجيب! تماما كما يحل اليوم، ان تعطي امريكا والكيان الصهيوني دولة فلسطينية بالمفاوضات!!! وعجيب ايضاً كما اعتقد شيوعيون سوفييت وعرب وفلسطينيين بان الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين سيقيم دولة اشتراكية. والأعجب أحداً من هؤلاء لم ينقد نفسه. هذا وكأن الإمبرياليات الغربية أتت تقاتل العثمانيين خدمة للعرب! ناهيك عن أن الحسين بن علي كان يعرف طبيعة العلاقة العشقية بين بريطانيا وخصومه آل سعود!

لم يكن لبنى متخلفة وقبائلية أن تفرز قوى سياسية ارقى من تلك التي خدمت الاستعمار الغربي أكثر مما خدمت شعبها، الأمر الذي لم يتردد المستعمرون الجدد في قلب ظهر المجن لها، وتوظيفها ضمن استراتيجيته للمنطقة بأسرها. وعليه، لم تكن المشكلة في خطة الغرب لتقسيم الوطن العربي بموجب اتفاقية سايكس-بيكو، بل المشكلة في جاهزية النخب السياسية العربية لقبول هذا التقسيم بل والتنافس عليه، وهو دور لا يزال يتكرر!. لم تكن هناك اقتصادات مستقلة لأي قطر عربي في الفترة العثمانية. كانت جميعها ملحقة مرتبطة بالمركز التركي وتعمل بما يوفي متطلباته ويوفر له الضرائب التي يفرضها والتي تصل دائما حد الحيلولة دون تراكم حقيقي، بينما التراكم الفائض هو الذي يخلق طبقة المستحدثين الرأسماليين. وكيف يحصل هذا التراكم والضرائب عالية إلى جانب عدم تسجيل اراضي سوى في ستينات القرن التاسع عشر وبهدف الضبط الضريبي اساساً ناهيك عن أنها ضرائب لا تتضمن إنفاق جزء منها على خدمة دافعيها وعن أن معظمها كان يذهب لشراء الأسلحة أكثر مما هو لإقامة اقتصاد تركي متطور[4].

لذا، كان طبيعيا أن تنخ النخب السياسية التي اختارها المستعمِرون لصالح القوى الاستعمارية وخاصة قبولها بدويلات صغيرة لكل نخبة على اساس قُطري. والأساس القُطْري هو خير ضامن لاستمرار التبعية والتباعد بل وحتى الاشتباك بين قطر وآخر مما يحول:

  • دون تنامي الشعور القومي
  • دون تطور بنية اقتصادية إنتاجية تملي على القطر المنتج علاقة وحدوية ما مع غيره
  • وتقود إلى بقاء الارتباط مباشرة بالاستعمار
  • ونتيجة كل ذلك ليس دولا وطنية بل مشاريع دول دينية مذهبية

هنا نلتقط حقيقة أن احتجاز التطور كان ضمن تناغم مشترك بين الاستعمار وهذه النخب بمعنى أن النخب المحلية تخارجت عن المصالح الوطنية لصالح ما تتطلبه مصلحة المستعمِر الأمر الذي قاد إلى تواصل التخلف الذي اسس له الاستعمار العثماني.

بعبارة أخرى، فإن التخلف والتبعية التي نجمت عن حرمان الوطن العربي من الموجة القومية الأولى، والتي كانت غالباً أوروبية قد لعب دورا خطراً في حرمانه من دور حقيقي في الموجة القومية الثانية التي هي ثورات المستعمرات او المحيط لأجل الاستقلال.

صحيح أن الوطن العربي شهد في الربعين الثاني والثالث من القرن العشرين استقلالات سياسية، ولكنها ظلت تعاني من عدم تحولها إلى استقلالات اقتصادية اجتماعية. ويمكننا توصيف هذه الفترة ب:

  • تجذير وتعميق القطرية وخاصة تحت مظلة الجامعة العربية
  • سلوك التطور في الوطن العربي منحيين[5] متعاديين سياسيا وتطوريا

o      منحى تطور البرجوازية القطرية وطنية/قومية التوجه (مصر سوريا العراق ولاحقا الجزائر)

o      ومنحى تطور القطريات التابعة المرتكز على الريع وضمن شروط السوق العالمية

لقد كانت كفة المنحى الأول هي الراجحة مقابل المنحى الثاني رغم عدم مثالية المنحى الأول هذا. ولكن العامل الأساس في تقويض تطور المنحى الأول هو الاستهداف الغربي الراسمالي للوطن العربي سواء في سلسلة عدوانات وخاصة ضربته القاضية بهزيمة 1967. والتي لم تكن على يد الكيان الصهيوني بمفرده كما يشيع دائما تيار استدخال الهزيمة او الجهل بحقيقة النظام العالمي.

          وبغض النظر عن الخلل في التجربة الناصرية، فهي قد حملت مشروعاً طموحاً في مستوييه:

  • الوطني المصري من حيث تصفية الإقطاع عبر الإصلاح الزراعي وإقامة القطاع العام والتحول إلى الاشتراكية،
  • والقومي عبر محاولة اختراق “لا يابان بعد اليابان” فقد وقفت مصر مع الثورة الجزائرية وحركة التحرر في القطريات التابعة ومع الثورة في اليمن الشمالي حيث ارسلت قواتها إلى هناك ومع الثورة في اليمن الجنوبي، وضد الرجعية المارونية في لبنان 1958 ووقفت هي وسوريا مع المقاومة الفلسطينية في الأردن 1970، ثم حرب تشرين 1973..الخ.

وبقدر ما كانت الناصرية كسلطة دولة هادفة إلى تحقيق الوحدة العربية، بقدر ما كانت الجامعة العربية مؤسسة متمأسسة لتقويض اية وحدة عربية عبر فكرتها ونظامها القائمين على سايكس-بيكو. لذا، كانت تضم مصر الوحدوية، والأردن المتآمر على وحدة مصر وسوريا 1958. والسعودية التي أنهكت الجيش المصري حينما دافع عن الثورة اليمنية. هذا إلى أن وصلت هذه الجامعة إلى تشريع احتلال الولايات المتحدة وحلفائها لاحتلال الكويت 1991 وتدمير الجيش العراقي لأنه استعاد الولاية 19 من وطنه، وهو احتلال شاركت فيه جيوش عربية في ذيل العدو الغربي المعولم (مصر وسوريا والمغرب[6]) و استدعاء الناتو لاحتلال ليبيا وحصل، واستدعاء مجلس الأمن لتشريع احتلال سوريا ولم تتمكن الإمبريالية من ذلك. شكلت هذه المواقف ضربة في وضد الثقافة القومية وقد نرى الإثبات على ذلك أن الشارع العربي ينظر إلى محاولات إبادة سوريا عبر الشاشات بل إن كثيرين يتطوعون للمساهمة في ذلك العدوان وكثيرات يتطوعن لجهاد النكاح[7]. وهنا لا بد من التذكير بأن هزيمة 1967 قد اسست لهذا على المستوى الرسمي أي تعميق القطرية والمذهبية والطائفية وطمس المشروع القومي والتنمية والاستقلال وبالطبع المقاومة.

أما على مستوى القوى السياسية والشعب فقد اندحرت وتراجعت القوى القومية والشيوعية إما إلى التشرنق على الذات أو إلى التحول إلى الانحصار القطري في تبعية للنظام السياسي. وفي اعتقادي أن تاسيس الطابور السادس الثقافي بدأ منذ تلك الهزيمة.

إن هزيمة الأنظمة القومية في حرب 1967 وانحسار وتشرنق القوى القومية والشيوعية قد فتح المجال لأنظمة وقوى الدين السياسي كي تملأ الفراغ الرسمي والثقافي والشعبي. فكانت سيطرة أنظمة النفط على الساحة السياسية وانتشار افكار قوى الدين السياسي بشقيه الوهابي والإخواني في الوطن العربي، هذا متمول من ذاك.

ولعل من أخطر نتائج هذا :

  • ضرب الانتماء القومي
  • والاعتراف بالكيان الصهيوني
  • وسيطرة الولايات المتحدة على معظم رقعة الوطن.

لعله شكل كاريكاتوري ولكنه راسخ أن يُحكم الوطن من حكام ذوي ثقافة بدوية قبلية بطريركية من جهة (وهذا يجعلهم ضد القومية وضد تحرير فلسطين بوضوح) وفي نفس الوقت لهم شراكة مع راس المال المالي والمضارب الدولي المعولم عبر سيطرتهم على ما يسمح به اقتصاد التساقط Trickle-down Economyمن ريع النفط (وهو كثير رغم ذلك). وقد تفسر علاقتهم الاستتباعية للغرب الراسمالي وتحكمهم بالنفط ورصد اموالهم هناك وعزوفهم عن بناء جيوش وطنية العبارتين التاليتين:

  • ما يقوله راسماليو ومثقفو الغرب: “كيف حصل ان وجد نفطنا في ارضهم!”
  • وما يروج له حكام النفط: “الغربيون هم الذين اوجدوا النفط ولذا، هو حقهم”.

فترة انتقالية مديدة؟

 

نتحدث هنا إذن عن قرن كامل ما بين 1916 وما يسمى الربيع العربي نسميها فترة انتقالية مديدة، لم يحصل فيها انتقال حقيقي وكأن الانتقالي إلى مرحلة قد حل محل المرحلة نفسها[8]. فقد بقي الوطن العربي على هامش التطور الإنساني سواء بمعاني التحديث والحداثة والأغرب أن كثيرا من مثقفيه قفزوا :

  • إلى ما بعد الحداثة
  • أو ارتدوا إلى ما قبل الحداثة

لم ينتقل الوطن العربي إلى راسمالية متطورة، كما لم يبن أنظمة اشتراكية كذلك. تجذرت التبعية الراسمالية وجرى الارتداد على المحاولات الاشتراكية التي في حينها رأيناها غير كافية وأصيلة، ومقارنة مع اليوم تستحق إنصافاً أكثر.

على مدار هذا الوضع الانتقالي الذي وبوجه خاص لم يكسر شرنقة ما قبل التصنيع الحقيقي، أو واقع قاد إلى تصفية مواقع التصنيع الطموحة في مصر مثلاً، تواصل الحفاظ على البنى القبلية والعشائرية في المجتمع العربي مما خلق حالة من الاغتراب بين تيارات الحداثة والواقع الاجتماعي القبلي وغير المترسمل إنتاجياً. لقد حرصت الأنظمة الحاكمة على الإبقاء على العشائرية واستدعائها عند أزماتها مع الشعب، بدل ان تدخل معها معركة التنمية لاقتلاعها. بل وزاد الإشكالية وجود حالة من ترسمل الاستهلاك مدعومة او مغطاة بريع النفط. وهو الريع الذي لعب من خلال العلاقة بين دول الفائض ودول العجز، لعب دورا في تعميق الاستهلاكية الاستيرادية العربيةعامة مما قيد التطور الصناعي وخدم اقتصادات المركز عبر تحويلات عربية هائلة لاستيراد الغذاء والمنتجات المصنعة والأسلحة ورصد الفوائض في المصارف الغربية التجارية والحكومية.

وإذا كانت فترة الموجة القومية الثانية قد اخفقت في تحقيق التنمية، فإن فترة الموجة القومية الثالثة قد أتت لتنقل “فرق تسُد” إلى مشروع التفكيك والتذرير من جهة وحملت البريق السرابي للديمقراطية. إن فريق الهتاف للديمقراطية إما يجهل بأن القاعدة المادية التي وحدها يمكنها ضمان الديمقراطية هي التنمية بل التنمية بالحماية الشعبية، وإما يتجاهل ذلك في خدمة للاستتباع والحيلولة دون تحول الحراك العربي الجاري من شكلانية الدمقرطة إلى الاقتصادي الاجتماعي والثقافي. لعل أنشط هؤلاء الدُعاة اليوم هو عزمي بشارة. فكما نسمع منذ عدة عقود وخاصة اليوم صراخ الكثير من المثقفين العرب ينادون بالدمقرطة ويعتبرون الديمقراطية العلاج الشافي لكل شيىء (حجاب الحب والحبل وركوب الجمل)، فإن هؤلاء مأخوذون بما يتلقونه من اللبراليين الغربيين الذين في تجربة بلدانهم، إما توازت الدمقرطة مع التصنيع أو لحقت به كونها شرطاً لاستمرار خط الإنتاج. وهذان ليسا حال الوطن العربي. وما أقصده تحديداً هو أن احتجاز التطور حال دون قاعدة صناعية تخلق ثقافة مختلفة عن ما قبل الرسملة. بل توازى هذا مع عاملين سلبيين هما:

  • نمو سكاني يفوق النمو الاقتصادي
  • تخلف في القاعدة الصناعية والرقعة الزراعية.

إن وجود القاعدة الصناعية والدولة العلمانية كانت الضمان بأن التديٌّن هناك اتخذ حالة طقوسية من جهة واحترام مطلق لراس المال. في حين أن الدين السياسي في الوطن العربي أتى على غياب القاعدة المادية، الإنتاج، وبالتالي على وجود دولة هشة تتستر به وترضع من الريع مما جعل كل شيء طقوسي ما عدا تسييس الدين وتمويله بالريع اي رسملته ريعياً.

إن مجتمعات تعيش على الريع، أو تنتظره حتى لو كان ريعا محليا، لن تكون معنية كما يليق بالحريات. كما أن الحكام انفسهم كمتحكمين بالريع وتابعين متخارجين سياسياً لا يشعرون بقناعة ولا بضرورة ولا بضغط قاعدي ليطلقوا الحريات. وبالطبع الأمر نسبي لو قارنا مصر او سوريا بالسعودية أو قطر.

إن لعوامل التخلف واحتجاز التطور المذكورة آنفاً دورها الكبير في قيام القطريات العربية، في حقبة القومية الثانية، بانتهاج سياسات يمكننا تسميتها تطوير اللاتكافؤ بين قطريات الوطن العربي مما يقوض اية فرصة أو ضرورة للتكامل الاقتصادي العربي[9] ما ينسجم مع دور الجامعة العربية كمؤسسة لتأبيد القطريات. وهو ما تطور في الموجة القومية الثالثة إلى عدوان الأنظمة القروسطية على الأنظمة المستنيرة والعلمانية والقومية.

وعليه، فإنه بدلاً من توظيف فوائض النفط في مشروع نهضوي صناعي ببعد قومي جرى تبذير فوائضه خلال فترة الموجة القومية الثانية في نزيفه للخارج أو إسعاف دول العجز لسد عجوزاتها من دول الفائض وليس لإرساء قاعدة صناعية او تطوير الزراعة والري ليتم توظيفه في الموجة الثالثة لحريق العراق وليبيا وسوريا…الخ

يمكننا وصف الفترة بين 1967 و 1990 بفترة تغيير ميزان القوى في الوطن العربي من الأنظمة قومية الاتجاه إلى أنظمة الريع. أما منذ 1990، فإن أنظمة الريع بما هي جزء من الثورة المضادة (راسمالية ريعية متداخلة مع راسمالي معولم) فقد انتقلت إلى مرحلة الهجوم لتقويض ليس فقط انظمة الحكم الجمهورية بل تدمير الأقطار نفسها، حال العراق، ليبيا سوريا، اليمن وربما مصر.

في هذه الفترة الانتقالية المديدة، كانت انظمة التبعية محمية من تهديد الدول قومية الاتجاه، محمية من المركز الإمبريالي والكيان الصهيوني بما هي جزء من الثورة المضادة. وهو ما حال دون قيام مصر الناصرية بتبني بسماركية عربية. هذا رغم انها حققت جزئيا بعض ما أرادت اي مساعدة الجزائر واليمن ولاحقا ليبيا. وهو ما قاد إلى دفعها الثمن عام 1967. كما دفع العراق 1991 ثمن استعادة الكويت. وفي الوقت نفسه كانت الدولة القطرية قومية الاتجاه محمية كما معظم دول المحيط من تجدد العدوان الإمبريالي خلال فترة الحرب الباردة. كانت من الداخل محمية بالدولة الأمنية، بينما خارجيا كانت محمية من الاتحاد السوفييتي.

نسوق هذا للتأكيد على أن محاولات النهوض لم تتوقف كما ان خطة العدوان الغربي الراسمالي والكيان الصهيوني وقطريات النفط والريع (الثورة المضادة) لم تتوقف كذلك. ولذا، ففي أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي كان العراق الضحية الأولى، ولاحقا معظم الجمهوريات العربية. فقد وقفت دول الريع النفطي الخليجي في مقدمة الحرب على القطريات قومية الانجاه تتزعم ذلك السعودية وقطر والإمارات.

على أن تطورات الحراك العربي في السنوات الثلاث الماضية كشف عن تبلور جبهة صهيونية عربية [10] وعن قدرة الثورة المضادة الموجودة في الوطن العربي على امتطاء الحراك والانتفاضات بل خصاها لتصبح صراخا لأجل الديمقراطية ومذبحة لتصفية أقطار بأكملها ورفعت إلى السلطة إما قوى الدين السياسي أو قوى العسكر المرتبطة بعمق مع بنى الأنظمة السابقة أي الرأسمالية الطفيلية والكمبرادورية، وخاصة في مصر. أليس عجيباً أن يكون مُنظِّروا الدمقراطية في الوطن العربي آتون من أو متهافتين إلى الخليج الريعي (وزير خارجية السعودية، امير قطر ووزير خارجيته، عزمي بشارة، هيثم مناع، مشيل كيلو…الخ) ويعتبرون المذابح في سوريا ثورة، بل ويعتبرها البعض ثورة بروليتارية (فواز طرابلسي، سلامة كيلة)

سمات إضافية للمرحلة المنسدة

 

على امتداد القرن الانتقالي استمر التباعد/التناقض بين الشعبي والرسمي في الوطن العربي باستثناء الحقبة الناصرية وفترة الوحدة المصرية السورية أو لنقل ستينات القرن الماضي حتى عام 1967. هذه السنوات التي جرى اغتيالها بعدوان 1967.

على أن وضع جميع النظم في خانة واحدة ليس من العلمية بمكان. ففي حين كانت معظم نظم المنحى الأول الجمهورية قومية الاتجاه غير ديمقراطية، فإنها قامت بمحاولات تحديثية في الصناعة والإصلاح الزراعي وشهدت تجارب حزبية وبرلمانية ووقفت على ارضية وطنية ودرجة من العلمانية وتثقيف قومي بغض النظر عن عدم القدرة على تجاوز قطريتها.

إن المأخذ غير الديمقراطي/الديكتاتوري على هذه الأنظمة صحيح تماماً، وحكم الفرد أو الحزب الواحد وخاصة في سوريا والعراق وليبيا واليمن والجزائر. ولكن النقد الموجه لها وخاصة سوريا والعراق فيما يخص الموقف من الكيان الصهيوني و/أو شعار “كل شيء للجبهة” هو موقف خادم للثورة المضادة ولا سيما للصهيونية. لقد دفعت هذه الأنظمة ثمن موقفها من الكيان الصهيوني الإشكنازي وخاصة مصر وسوريا والعراق إلى حد تقويض أنظمتها. بل كان بوسع هذه الأنظمة حماية نفسها لو قررت خيانة القضية الفلسطينية والحصول على تمجيدات المركز الرأسمالي العالمي أي الثورة المضادة.

ويؤخذ على هذه الأنظمة العجز عن تحرير فلسطين وهو مأخذ ليس في محله إذا ما قرأنا الصراع ببعده العالمي، اي أن الصراع مع الكيان الصهيوني منذ وجوده وحتى زمن طويل قادم هو صراع مع النظام الرأسمالي العالمي وحتى خذلان من الدول الشرقية. ولنتذكر هنا بضعة أحداث فاصلة فارقة: باخرة الأسلحة الشيكية للعصابات الصهيونية 1948، المفاعل النووي الفرنسي للكيان 1958، عدوان 1956 على مصر، الجسر الجوي العسكري من الولايات المتحدة للكيان في حرب تشرين 1973، كما يستقطب الكيان الصهيوني أكثر من نصف المساعدات الخارجية الأمريكية، ونحو 121 مليار دولارا من الدعم المالي المباشر وأضعاف ذلك من غير المباشر، منذ إعلان دولة الصهاينة[11].

وعليه، قد نُغامر بالاستنتاج بأن فقدان اي جزء من الأرض العربية وخاصة فلسطين يحصل على يد الدولة القُطرية، أما تحرير اي جزء فهو فقط بالدولة القومية. قد يرى البعض تحرير حنوب لبنان استثناء عن هذه القاعدة، ولكنه ليس تماما كذلك، فهناك غابت الدولة القطرية حيث غيابها جزء من جعل التحرير ممكناً، كما انها حرب غُوار التحرير من جهة وببعد عروبي (سوريا) وإقليمي (إيران) من جهة ثانية. فقط حينما تضعضعت الدولة القطرية في الأردن كان هناك مكانا للمقاومة 1967-1970 وحينما استعادت قوتها سُحقت المقاومة.

لعل مختلف القضايا المطروحة لم يكن لها مجرد تفكير او وجود في بلدان المنحى الثاني في الوطن العربي أي القطريات النفطية، فلا خطاب قومي، ولا التزام تجاه الأرض المحتلة ولا أحزاب ولا برلمانات، ولا سياسات تنموية ولا حتى بناء جيوش للدفاع عن البلد نفسها بل شراء أسلحة بمئات مليارات الدولارات بهدف خدمة اقتصاد الولايات المتحدة خاصة، اي تشغيل مصانعها، شركاتها[12]. أما عن الديمقراطية، فإذا كان هناك تركيز من منظمات حقوق الإنسان نقداً لبلدان المنحى الأول، فإن بلدان المنحى الثاني هي خارج حسابات العلاقات البشرية.

أما اللافت، فهو خطاب مثقفي الثورة المضادة بمن فيهم مثقفي الطابور السادس الثقافي الذين لم يتوقف نقدهم بل شيطنتهم لأنظمة الجمهوريات كل في حينه، ناصر ثم صدام ثم الأسد والقذافي. ولعل هذه المسألة وحدها كافية لقراءة خطورة ونفاق الخطاب وتبعيته بل وانحداره إلى مستوى الإعلام الرخيص.

ليس من قبيل المبالغة القول بأن الوطن العربي، ولا سيما بعد الاستقلالات السياسية في بلدان المنحى الأول ومحاولات الاستقلال الاقتصادي فيها، وكذلك في بلدان المنحى الثاني التي حتى الاستقلال السياسي لم يحصل بشكل فعلي، فإن الوطن العربي عاش عقوداً من الحرب الأهلية تشنها الطبقات الحاكمة على الشعب وهذا يشترط المقاومة بالحماية الشعبية بلا مورابة. ولا شك أن هذا لعب دورا اساسياً في احتجاز التطور والعجز عن تحرير الأراضي العربية المحتلة، وهي كثيرة وواسعة وإن كانت فلسطين على رأسها.

أما نهاية هذه الحرب الأهلية داخل القطر الواحد في حقبة القومية الثانية، فهي الاحتراب العربي/العربي علناً في حقبة القومية الثالثة بقيادة الثورة المضادة متخذة شكل قيام حكام الخليج بالعدوان على الجمهوريات العربية وخاصة الحواضر العربية الثلاث الرئيسة بغداد ودمشق والقاهرة. فقد انتقلت الحرب الأهلية إلى حرب مركَّبة بينية وأهلية في الوقت نفسه في خدمة الكيان الصهيوني والإمبريالية دون تكليفهم شيئاً بل حتى فتح سوق تصريف اسلحتهم وذخائرهم وتكنولوجيتهم اللوجستية ورواتب خبرائهم مختصي التخريب والثورة المضادة.

 

تجويف وتجريف

على ماذا كل هذا القمع المتمأسس والدائم أو من أجل ماذا؟ هل المسالة الخلاف في الدين، على الدين في المذهب على المذهب في الطائفة على الطائفة، في الإيديولوجيا على الإيديولوجيا؟ كلا ابداً.

في هذا المجال الضيق إنه تجويف الوعي سواء بالقمع أوالتجهيل والتبعية على ايدي الدولة الأمنية وذلك لتسهيل وضمان تجريف الثروة لصالح الأجنبي والبرجوازية الطفيلية والبيروقراطية والكمبرادورية ورجال الأعمال. لعل هذا ما يلخص هذه الحالة الخطرة عربياً بما في ذلك محتواها الطبقي. تجريف الثروة وتقاسمها مع الأجنبي على ارضية اقتصاد التساقط.

ولكن، وللإنصاف، فإنه حتى في هذه المعادلة الحساسة والمفصلية كان الاختلاف واضحاً بين المنحيين بل بين نظام حكم وآخر. فلا يمكن التقليل من بناء السد العالي في مصر الفقيرة وكثيرة عدد السكان ولا الإصلاح الزراعي والتأميمات وتحمل عدوان 1956 وحرب 1967 وحرب الاستنزاف ونفقات الجيش، ولا يمكن التقليل من تأميم النفط في العراق وليبيا والإصلاح الزراعي في العراق وسوريا والإنفاق على الجيش والمشاركة في الحرب 1967 و 1973 إقامة نظام تعليمي وطبي مجاني وانتهاج السلطة، وخاصة في سوريا والعراق علمانية في مجتمع متعدد المذاهب وحتى الأعراق…الخ هذا مقارنة بانظمة النفط التي لم تقم بشيىء من هذا بل يصل من هم تحت خط الفقر في السعودية 40 بالمئة، هم حقا تحت خط الوجود البشري. ولن نتحدث عن حقوق الفلسطينيين في الجمهوريات وخاصة سوريا والعراق مقابل حقوقهم في النفطيات.

على صعيد آخر، من الصحيح أن أنظمة الجمهورية لم تصل إلى العلمانية المتجذرة أو المكتملة نسبياً، وصحيح أنها في الأزمات طالما لجأت إلى زعم التدين لتنافس رجال الدين والفقهاء في مجالهم المحسوم (العراق بعد عدوان 1991 وسوريا بعد الحرب المعولمة 2011) فبلوغ علمانية حقيقية كما رآها ماركس: ” تشترط التمييز بين التحرر السياسي والتحرر الإنساني، بين علمنة الدولة من جهة وبين التحرر الاجتماعي من جهة ثانية”، ولكن يسجل لها بأنها كانت خارج انظمة الدين السياسي، وهو ما تدفع ثمنه منذ بداية الحراك العربي الحالي بكل ما فيه من كوارث.

ولا يستطيع المرء تجاهل حقيقة اساسية في هذا الصدد، أن تحطيم القوى الداخلية للجمهوريات عبر العدوان الإمبريالي المتواصل مباشرة او لا مباشرة قد لعب دوراً في احتجاز تصنيع هذه البلدان، الأمر الذي ليس من السهولة بمكان التحول العلماني في مجتمعات لم تتصنع كما يجب، كما ينطبق الأمر على المجتمع المدني. بينما في قطريات المنحى الثاني لم يتم مجرد التفكير في العلمانية حيث إما تندمج المؤسسة السياسية والدينية معاً، أو تتقاسمان الأمر كما في السعودية ولكن تحت مظلة راس المال.

هذا الدوران المقصود على المحور في بلدان المنحى الثاني، واحتجاز وضرب محاولات النهوض القومي والاجتماعي في المنحى الأول انعكس سلبا على المجتمع العربي متسبباً في اشكال مختلفة من المرض.

وحيث تحول الوطن العربي إلى مناخ طارد للكفاءات العلمية والثقافية التي بناء على ذلك وجدت في المغترب مهرباً وملاذا لها، ولكن كذلك للتمييز بين منحى وآخر، فقد حرصت مصر الناصرية والعراق في عهد صدام حسين وسوريا في عهد الأسد على العلماء على الأقل في مجال التصنيع العسكري، الأمر الذي واجهته المخابرات الأمريكية والصهيونية باغتيال من تمكنت منه من هؤلاء العلماء، وخاصة بعد احتلال العراق والعدوان على سوريا.

قاد هذا المناخ إلى تقويض المواطنة، وتعميق فردانية ما قبل راسمالية حيث يشعر المواطن بأنه بلا أية حماية او حقوق مما يدفعه إلى التشرنق على ذاته، ومحاولة خلق أمنه الخاص بأي ثمن مبتعداً عن الجماعة سواء الحزبية أو النقابية أو الطبقية. وهذه حالات فردانية مختلفة عن الفردية في المجتمع الراسمالي الذي يدفعه ويقنعه واقع العمل الاجتماعي للانخراط في نشاط جماعي ما وخاصة المواطنة. هذا التطور شديد الخطورة لعب دورا هاما في تثبيت الأنظمة الحاكمة، وشل الحزبية والنقابية. فلم يعد في هذه البلدان سوى الحزب الحكومي سواء الحاكم او المخابرات أو جيش السلطة. أو حتى الجهاز البيروقراطي الواسع الذي يحمي النظام من خلال سلبيته النضالية اي عدم الاعتراض طالما هو متعيش من النظام وخاصة حين يقارن الشخص نفسه بمن لا يعملون.

وقد انعكس هذا سلباً على الأحزاب، في بلدان المنحى الأول، بينما في المنحى الثاني لا حزبية اصلا. لقد ترهلت الأحزاب التي تسلمت السلطة بين مكاسب السلطة واعتماد الأمن، والابتعاد عن مشروعها القومي والتقدمي الأساسي، مما باعد بينها وبين الجماهير التي قادتها اللامواطنة إلى الفردانية الهائلة. ومن نتيجة ذلك ضمور الأطروحات النظرية ومغادرة المفكرين/ات للأحزاب. وحتى تخارج مثقفين إلى الطابور السادس الثقافي وخدمة الآخر.

 في هذا الباب، اشير إلى مخطر كبير وعام. فإن القرن الماضي، اي عصر الانحطاط الثاني في تاريخنا قد شهد تبعية في خطاب وسياسات المركز الإمبريالي (عصر الانحطاط الأول هو العثماني). ففي حين تورطت الأنظمة الحاكمة في الانحدار باتجاه السياسات النيولبرالية والتي مهدت لها سياسة التجويف والتجريف، فإن المستوى الثقافي قد تواطأ مع هذه السياسات مما قاد إلى خطاب الاستسلام باسم السلام، والديمقراطية الشكلانية مكان الديمقراطية الاقتصادية، واعتبار تدخل الناتو وعدوانه ثورة، والأنجزة تنمية، والسوق مكان التنمية وتينا There is no Alternative مكان هناك بديلا.

قد أختم في هذا الباب بكلمات عن المرأة، ففي بلدان المنحى الثاني، هي ببساطة ليست هناك!!!فحتى في الجنس يتم شراء مجلوبات من سوق النخاسة الدولي أوذهاب الرجال إليهن حيث هن، فالمال وفير. وليس من الإنصاف عدم الإشارة إلى ان للمرأة مقدارا من الحقوق في بلدان المنحى الأول، سواء في الوزارات او الأكاديميا او حتى الأعمال. ولها دور في الأحزاب، وإن لم يكن كبيراً. وهناك فارق بين الحصول على وظيفة وبين ممارسة الحق الحر في النضال الوطني والطبقي سياسيا.

لذا، فالخلل الأخطر هو اندراج المرأة في كثير من الوظائف في بنية النظام الذكوري البطريركي، بغض النظر عن درجة ترسمله، مما يجعلها في خدمة النظام وليس المرأة، وهي الحالة التي اسميها نسذكورية.

الموجة القومية الثالثة حزمة من الأمراض

 

ليس من السهولة بمكان فصل معطيات مرحلة عن أخرى نظراً لتداخلها. ولكن السمة الرئيسة للموجة القومية الثالثة على صعيد عالمي هو أن هذه الموجة في غالبيتها تصنيع إمبريالي. هي مشروع الإمبريالية في تفكيك البلدان والأمم التي لم تدخل تحت عبائتها، ناهيك عن هدف المحافظين الجدد في ان تحول الولايات المتحدة دون ظهور اية قوة منافسة لها في العالم وانخراط قيادات تروتسكية في الإدارة الأمريكية لتحقيق “أممية” من خلال إمبراطورية راس المال. وهي السياسة نفسها التي تتبعها الرئاسة والإدارة الأميركية في عهد الحزب الديمقراطي.

لعل أخطر تطبيق للموجة القومية الثالثة كانت على الوطن العربي، تقسيم السودان واليمن، ومحاولات تقسيم العراق وتدمير ليبيا ثم سوريا طالما تعذرت هزيمتها…الخ.

يمكننا القول بأن موجة القومية الثالثة قد كثَّفت الأمراض الخطرة في المجتمع العربي في المستويات السياسية والاقتصادية والقومية والثقافية.

ففي حين كانت الموجة القومية الثانية في الوطن العربي وخاصة في بلدان المنحى الأول موجهة ضد الاستعمار لأجل التحرر والوحدة العربية والاشتراكية وتحرير فلسطين…الخ، طغت في الموجة الثالثة سيطرة أنظمة الريع النفطي ذات الأفق القطري التام المعادي للقومية العربية، والذي يستدعي الاستعمار ويصطف إلى جانبه علانية وبخطاب متفاخر! وتتم المشاركة معه في مذابح عربية/عربية حتى بالنيابة عنه. وكل هذا لا يثير الشارع العربي ضدها!

وقد لا تكون ثالثة الأثافي تلك الهجمة الإمبريالية المتجددة، بمقدار الهجوم “الديمقراطي” من أنظمة الخليج ضد سوريا!! فحين تقوم الإمبريالية وانظمة الريع النفطي بحمل لواء دمقرطة سوريا عبر مذابح دامية يصبح العقل البشري مركوناً على رف الهمجية.

لقد اتسمت الموجة الثالثة وهي وليدة حقبة العولمة لا شك، بطغيان طوفان الدين السياسي الذي يلغي الانتماء الوطني والقومي من أجل اممية متخيلة، ويُحل الإيديولوجيا والحزب محل الوطن. ويعمل على تغيير النظام القائم بقوى الاستعمار أو مساعداته. إن ما نشهده ضد سوريا وإلى حد كبير العراق هو أكثر فظاعة مما كان في فيتنام. إنه مشروع حرق كل شيىء، إبادة بلد باسم الدين.

وهنا أصر على تفسيري الخاص بأن هؤلاء القادمين من الخارج تحت رايات العديد من الإسلامات ومن يشترك معهم في الداخل ليسوا سوى منقادين لقادة يلعبون دورا مزدوجا:

  • ارتباط سياسي مصلحي سلطوي بالثورة المضادة بما فيها الصهيونية
  • واستخدام وجه ديني في علاقتهم بالبسطاء الذين يحلمون بالقتل والانقتال بكسب الدين في الآخرة وكسب الدنيا بالتمتع بسلطة ما والحصول على مبالغ بديل ذلك لم يحلموا بها[13].

ولكن، أليس مما يثير الاستغراب ذلك التقاطع بين قوى الدين السياسي في رفض سرديات كبرى (القومية والاشتراكية مثلاً) وبين المابعد حداثيين؟ ولا يغير كثيرا من هذا التقاطع تمسك قوى الدين السياسي[14] بأمة مطلقة في التخيل، أمة الإسلام وخلافتها التي تبدأ من العداء الشديد للقومية العربية من دون مختلف القوميات التي تدين بالإسلام! لكن دُعاة أمة الإسلام يُمعنون في المسلمين تصفيةً!

إن هذا الانخراط باسم الدين في هجمة الثورة المضادة على الحواضر العربية الرئيسية الثلاث بغداد ودمشق والقاهرة هو إعادة للاستعمار على حساب الوطن العربي في مساومة خطرة مفادها: إعطونا السلطة وخذوا الجغرافيا والثروة.

هذا دون أن نغفل حقيقة أن الأنظمة قومية الاتجاه هي ايضا لم تكن كذلك بما يكفي. ففي حين قرر عبد الناصر دعم الثورة اليمنية 1963 وأرسل الجيش المصري إلى هناك، فإنه رفض قرار عبد الكريم قاسم استعادة الكويت 1961 وأرسلت الجامعة العربية جيشا لحمايتها! أما في النهاية فقد خسرنا العراق من أجل الكويت. كما أن النظامين البعثيين في العراق قد فشلا حتى في إقامة علاقات جوار حسنة بينهما.

ورغم تعاطف انظمة المنحى الأول مع المقاومة الفلسطينية في الأردن، إلا أنها لم تتمكن من حمايتها من قرار النظام الأردني شن مذبحة ايلول التي هي جوهريا ضد المقاومة كظاهرة وليست كما يزعم الإقليميون الفلسطينيون بأنها ضد الشعب الفلسطيني. كما أن محاولة النظام البعثي اليساري إنقاذ المقاومة من مذبحة ايلول 1970 تلك لم تحصل على غطاء عربي.

لقد كشفت الموجة الثالثة عن الدور الخطر لجامعة الدول العربية بمعنى أنها ليست فقط ضد الوحدة العربية، بل تحولت كذلك إلى أداة لسحق الحيز الجغرافي للقطريات العربية بدءاً من التقاطع مع العدوان على العراق 1991، ولاحقاً احتلاله منتقلة من التقاطع والاستخذاء إلى استدعاء الناتو لتدمير ليبيا وحتى فشلها في استدعاء مجلس الأمن لاحتلال سوريا مكررة ذلك الاستجداء علانية وبشكل متواصل! هذا ناهيك عن أنها تحولت إلى اداة لتمرير سياسات وعدوان انظمة المنحى الثاني ضد ليبيا وسوريا واحتلال السعودية للبحرين.

أبرزت تطورات الموجة القومية الثالثة تورط قطاع واسع من المثقفين العرب في تزكية احتلال اقطار عربية. ففي حين وقفت قلة منهم مع تدمير العراق 1991 ومن ثم احتلاله، تحول الكثير منهم إلى دُعاة، كما الجامعة العربية، لاحتلال ليبيا والشام وذلك بذرائع التخلص من انظمة ديكتاتورية.

لقد انخرط هؤلاء في شكل جديد من تغيير الأنظمة قومية الاتجاه. فبعد المألوف عن تصدير الثورة تقاطع هؤلاء مع “شراء” الثوار أي تمويل وتسليح وتجنيد وتجميع مرتزقة من 83 دولة لتدمير سوريا.

ورغم انكشاف كل ما كان وراء دعم الحراك الشعبي السلمي في سوريا[15] إلا ان هؤلاء المثقفين لم يكونوا من الجرأة واحترام الوعي بمكان بحيث يراجعوا تحليلاتهم وقناعاتهم، الأمر الذي يعكس سيكولوجيا الفردانية والنرجسية الثقافوية بمعنى انه لا يخطىء وإن أخطأ لا يُنتقد ولا ينقد نفسه. لذا تورط البعض منهم حتى للدفاع عن طائفة ضد أخرى. هذه الظاهرة هي ما اسميه: “الطابور السادس الثقافي”.

لعل تجليات هذه الأمراض الجديدة لا تخفي، بل تنراكب على الأمراض المتجذرة الأخرى، بل البنيوية في الواقع الاقتصادي الاجتماعي ومن ثم في الثقافة العربية والتي لا تحتاج إلى شروحات مثل الذكورية والبطريركية والقبلية والفردانية، والفساد والواسطة والمحسوبية…الخ.

إذا ما ألقينا نظرة على الأمراض الموروثة والحديثة، يمكننا الزعم بأن هناك حالة من الفلتان القيمي في الوطن العربي. ولا أدل على ذلك من أنه في الوقت الذي تستدعي الجامعة العربية ومعظم الأنظمة الحاكمة ومثقفين عرباً، الناتو لتدمير قطر عربي، يكون الشارع العربي إما موافقاً، أو مصلوباً متفرجاً، أو يتهافت مثقفوه للمشاركة في لقاء في عمان برعاية يو.أس.إيد والسفارة الأميركية في العراق [16]!.

 

وبعد

 

قد نختصر كل ما سبق في مفردة واحدة: انتقال الاستهداف الدائم إلى التحدي فالعدوان الشامل بقصد الإبادة للأمة العربية بل إبادة نفسها بنفسها. هذا حال الأمة العربية بلا مواربة. وعلى من يرفض هذا أن يرفضه جذرياً، وليس من سبيل وسط. لقد وصل وضوح العدوان إلى درجة بات معها الحياد تواطئاً. قراءة الماضي ضرورية والتوقف عنده كارثة. فلا بد من تجديد الأدوات كي تتجدد الأمة. وتجديد الأدوات وآليات التعاطي والتحليل لا تعني تغيير الأسس المبدئية وتحديدا الحقوق في الوطن.