الهزيمة بين جدل تجليسها وتخطيها


استهداف دائم يشترط هوية: المقاومة والتنمية والوحدة

(الجزء الثالث والأخير)

 

د. عادل سمارة

 

مواجهة/مقاومة ضد مَنْ

لا مناص من المواجهة مع الاستهداف الدائم من قِبَل ثلاثي الثورة المضادة:الإمبريالية (في حقبة الراسمالية المعولمة) والصهيونية المتجددة في يهودية الدولة والرجعية والبرجوازية الكمبرادورية العربيية (طفيلية ورجال أعمال…الخ) متمظهراً في الصهيونية العربية أنظمة ومثقفين. كما لا بد من مواجهة الحرب الأهلية التي تديرها الأنظمة الحاكمة وخاصة انظمة وقوى الدين السياسي وخاصة في تمظهراتها في إمارات مذهبية، فالمواجهة/المقاومة هي الطريق، بما هي تكتيك يوصل للاستراتيجيا.

تحطيم الخطاب بخطاب المواجهة

 

ليس من صدفة أو عبثٍ أن الثورة المضادة جعلت اولويتها تحطيم الثقافة والانتماء العروبي وواصلت قصفه دون توقف حتى حينما قارب الوعي والتمسك القومي حد العدم! إنه الانتقال من استهداف الانتماء إلى تسهيل استهداف الجغرافيا. إن الوطنية هي البدء وهي الباقية، هي الجغرافيا، بينما الإيديولوجيا متغيرة ويمكن تغييرها بتحول الشيوعي إلى دين سياسي والقومي الى صهيوني واليساري إلى طائفي…الخ.

لن أدخل هنا في جدل الخطاب الذي يربط القومية بالفاشية. ليس فقط لأن المرحلة القومية لا بد من المرور بها، ويجب أن نتصدى للذين مروا بها واصبحوا في مرحلة ما هو اوسع منها وليس ما بعدها، وإلا ما معنى الغزو والعدوان الإمبريالي على اتساع جغرافيا العالم. ليس لهذا وحسب، ولكن لأن أمة تحت الاستهداف هي في لحظة التحرر الوطني، وتفريغها من الانتماء العروبي هو تفريغها من قرار المقاومة.

صار لا بد من التصدي للشعوبية الجديدة التي تنسب للقومية العربية دورا فاشيا، بينما هي مرتبطة بالاستعمار والصهيونية عبر نخبها الكمبرادورية. هذه الشعوبية الجديدة التي تكرر خطاب الغرب الرأسمالي والصهيونية ضد الأمة العربية في محاولات دمج المسألة العروبية بمواقف الأنظمة قومية الاتجاه وخاصة رفضها المتخلف للحقوق الثقافية واللغوية للشركاء مع العرب في الوطن، في المغرب العربي وفي المشرق كذلك.

ولا بد من النقد المر للشيوعيين العرب الذين تورطوا في مواقف كوزموبوليتانية ضد القومية العربية، فحصروا انفسهم بعيدا عن الطبقات الشعبية التي زعموا تمثيلها، فإذا هي طبقات بلا تمثيل وأحزاب بلا جماهير. أما التروتسكية، فتقف معظم قياداتها ومنظريها من العروبة موقف الارتباط بالصهيونية والتحالف مع المحافظية الجدية في الغرب ومع القاعدة والوهابية في العراق وسوريا. لا باس من الأممية الشيوعيى إلى الأممية الإمبريالية إلى الأممية الوهابية.

لم يكن الفكر القومي العربي بلا كوارث ذاتية، وهنا يجب التفريق بين المسألة العروبية وبين الأطروحات الفكرية/السياسية التي قد تمثلها او تزعم تمثيلها. وأختصر بالقول بأن الفصل بين الشعبي والرسمي هو فهم الفارق الفالق بين:

  • القومية الحاكمة، اي التمفصلات القُطرية المعادية جوهريا للوحدة وللأمة العربية (انظمة الحكم)
  • والقومية الكامنة قومية الطبقات الشعبية صاحبة مشروع الوحدة والحرية والاشتراكية، وهي تشمل العرب وغير العرب ما عدا الكيان الصهيوني.

الخطاب العروبي المطلوب إذن طبقي، خطاب الطبقات الشعبية العربية وهو بهذا ضد الصهيونية وضد التخارج الثقافي وضد الخطاب اللبرالي الغربي وصولا إلى المابعد حداثي. هو خطاب اشتراكي علماني بمضمون التحرر الإنساني وليس السياسي فقط ليواجه انطمة وقوى الدين السياسي بوضوح.

العفوية لا تعوض تحرير الخطاب. واضح أن السنوات الأخيرة هي سنوات رمادية. لم ينجلي غبارها عن ما تحته بعد. حراك شارع في اقطار، وحراك احتوائي من الثورة المضادة، صراع طائفي ومذهبي وتدخل غربي بالسلاح ,وخليجي بالمال والمسلحين، قتل ودمار وتخريب في اكثر من قطر، تدخُّل قطر عربي ضد آخر، انفضاح ارتباط الجامعة العربية بالثورة المضادة، تراجع الحراك الشعبي مصدوماً…الخ

لعل أحد دروس هذا الحراك في عفويته. والعفوية لا يُعوَّل عليها رغم جماليتها. هي ليست ثورة، هي مجرد إرهاصات، يُمكن ان يتم الإيقاع بها باسم الدين (مصر وتونس) او احتلالها بالإرهاب الغربي والديني (سوريا) أو منحها “الانتصار” (ليبيا) او احتلال البلد بأجمعه (البحرين) أو نقلها إلى حالة التجمد (اليمن) أو تحويل البلد إلى ديمقراطية تسمح وتستفيد من تذابح الطوائف والقوميات (العراق) أو وصول البلد إلى حالة الرعب من اي حراك داخلي كي لا تكون مذبحة ايلول ثانية (الأردن).

ولكن الدرس الأكثر بلاغة هو أن المواجهة/المقاومة تحتاج الحزب والمثقف الثوري المشتبك، وهما الحاملان الحقيقيان للوعي الذي لا يُخدع. ولعل هذا سر التناقض بين العفوية والوعي. أو هو ما يوجب استعادة الوعي. ألا يجوز قول ذلك:استعادة الوعي في مواجهة استدعاء الاستعمار.

دعونا من أكاذيب الأنظمة عن الأحزاب، ومن تعاويذ رجال الدين السياسي ضد الأحزاب ودعونا بشكل خاص من فذلكات المابعد حداثيين عن الفردانية. فالفرد خارج نطاق جماعة ما واعية ما هادفة ما، لن يكون مواطناً بل مطية. لا تتحقق المواطنة في أنظمة تشن على الشعب حربا أهلية، لا تتحقق المواطنة بغير الوعي المحمول على حامل حزبي طبقي. وإذا لم يكن هذا واضحاً من قبل فتجربة الحراك العربي جعلته كالشمس التي من لا يرى ضوئها تلسعه حرارتها.

تدفق الملايين إلى الشوارع ليس أكثر من كرنفال ما لم يكن له جسم ما يقوده. حزبه، أحزابه وشعاراته التي تتحدث عن مشروع محدد. لذا، لم يتغير في مصر وتونس شيئا ذي بال بعد.

لكن تحرير الشعار يشترط تحرير الخطاب، وتحرير الخطاب يحتاج أحزابا مختلفة، يحتاج حزباً تفرزه الناس، ينطق بلغتها، يعرف أوجاعها وآمالها. حزب يقطع مع خطاب الغرب اللبرالي، حزب بخطاب نقدي مختلف يضع لكل مصطلح ومفهوم ومفردة بديلا من إنتاج العقل الجمعي للمجتمع، بل للإنسانية بدل الراسمالية. حزب لا يتتلمذ على قراءات غيره للنظرية، حزب ينتج قراءته وحواراته وتثقيفه وبرنامجه دون ان يكون مجرد كمبرادور ثقافي وسياسي. حزب يثقف ب الوطن العربي بدل العالم العربي، الأمة العربية كاساس للإسلام، أساس الإسلام هو العرب، لا كعدوة للإسلام، المشرق والمغرب بدل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ألتنمية بالحماية الشعبية بدل النمو والتنمية المجردة، الحريات بدل الديمقراطية، الغرب الراسمالي الاستعماري بدل الغرب، الثورة الاشتراكية بدل الثورة، تحرر المرأة بدل التمكين والمساواة، الحريات بدل الديمقراطية السياسية، الإيمان بدل الدين السياسي…الخ

يقود تحرير الخطاب إلى تحرير الموقف وتحرير النفس. عندها تنتهي كثير من المناحات المنفلتة التي تصفعك على اذنيك وأنت في الشارع: ” العربي متخلف، طماع، انتهازي كذاب…الخ”

يقود تحرير الخطاب إلى تحرير الدين، فلا يعود الدين فوق الوطن ولا نقيضه ولا نظيره بل مكملا له مكملا لسعادة الإنسان. يحول تحرير الخطاب دون تقسيم الوطن بين الأديان ومن ثم الطوائف فالمذاهب فالجهات. تجاوز السلطة اية سلطة امر مشروع، حتى لو فيه نقاشاً، أما تجاوز الوطن، فلا يجوز تحت اي شعار أو خطاب.

تقويض سايكس-بيكو تفكيك مفاصل الدولة القطرية

 

لا بد من مواجهة الدولة القطرية بنية ومصالحا وثقافة وسلطة وخطاباً. وكما اشرنا في غير موضع، فإن هزيمة 1967 فتحت الطريق لتكريس الدولة القطرية إلى درجة رآها كثير من المثقفين كضرورة، واسموها الدولة الوطنية بينما هي الوليد الرئيسي لسايكس-بيكو، وهما بالطبع كرستا بعضهما تبادلياً، ثم كانت الجامعة العربية مؤسسة رعاية الدولة القطرية، إلى أن وضعت الأخيرة الدويلة الطائفية.

الدولة القومية، متحدة أو اتحادية او فدرالية أقاليم، والفكرة القومية هما النقيض الضروري للدولة القطرية التي تتفتت كما نرى اليوم إلى مذهبيات وطوائف وجهات.

لقد دام حمل سايكس-بيكو قرنا كاملاً ليضع ما نراه اليوم:

  • طابور سادس ثقافي في خدمة طابور سادس سياسي يكرس المذهبية والطائفية وتقوده الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ورائهما الاتحاد الأوروبي واليابان!
  • احتراب مفتوح بين كل قطر وآخر

هذا يستدعي مواجهة ذلك الخطاب والانحطاط القيمي بقيم مضادة تماماً.

لقد أصبح المشرق العربي بل والمغرب العربي ايضاً، ساحة تجارب لمختلف دول العالم. وبدل ان توصف هذه الدول بحقيقتها توصف عكس ذلك:

في الأرض المحتلة يطلقون على الاستعمار المالي الريعي الدول المانحة، وفي سوريا يطلق ثوار الناتو على الدول المعتدية 83 دولة، الدول الداعمة، والناتو محرر ليبيا!

  • ·       القطرية تولد الدويلة الطائفية

بعد قرن من الزمن انتهت الدولة القطرية، بما هي في حضن الجامعة العربية، إلى انفجارها الطبيعي ناثرة وباء الدويلات الطائفية والمذهبية والإثنية والجهوية…الخ.لقد سقطت مزاعم أن الدولة القطرية هي دولة وطنية، وهو خلط مقصود كتسمية البرجوازية المحلية ب البرجوازية الوطنية. فالدولة القطرية هي دولة طبقة، حتى لو لم تكن في طور النضوج (طبقة لذاتها)، وحينما غدت لذاتها كانت لذاتها حقا. لقد عجزت الدولة القطرية المركزية (مصر) ذات التوجه القومي، عجزت عن هزيمة الدول القطرية، بل انتكست إلى تحويل مصر (السادات مبارك) إلى قيادة الجامعة العربية نحو الصهينة منذ اتفاق كامب ديفيد إلى ان وصلت المشاركة في عدوان دول عربية على أخرى في ذيل الإمبريالية كما جرى ضد العراق 1991. وكان تفاقم ذلك كله تقويض الدولة العراقية 2003 ثم الليبية ومحاولات تدمير سوريا منذ 2011.

لعل الاشتباك اليوم هو بين وجوب الدولة العروبية وبين بقايا الدولة القطرية وفيروسات الدولة الطائفية كتوليد للجامعة العربية وللموجة القومية الثالثة.

لم ينحصر وباء الدولة القطرية في احتجاز الوحدة العربية، بل امتد إلى احتراف إضاعة الأرض والتعامل مع أنواع المحتلين بانتظار الدولة العروبية التي وحدها تحرر الأرض.

  • ·       الدولة الأمنية

إن الدولة الأمنية هي الشكل السلطوي والحمائي الأمني للدولة القطرية. تتلازمان بالضرورة. هي ليست قوة حماية السلطة من العدو الخارجي بل هي قوة حمايتها من المضطهَدين طبقيا في هذه الدولة اي الطبقات الشعبية.

وبالتالي، حتى الدولة الأمنية الوطنية، لم تنجح بما يكفي كي تكون مواطناتية مجتمعيا داخلياً في العراق وسوريا، هذا وإن نجحت في تكريس المواطنية القومية كما اتضح في سوريا. بينما في القطريات العربية الأخرى فالدولة الأمنية في الخليج هي دولة يقودها الأمن الاستعماري، والمواطنة غير مطروحة لمجرد الهمس.

وإذا كانت الحماية الخارجية للدولة الأمنية قومية الاتجاه قد وفرها وجود الاتحاد السوفييتي، فإن الحماية الخارجية لدول الخليج لم تكن مطروحة لأنها تحت احتلال خارجي أتى ويتكرر استدعائه والإنفاق عليه من نفط العرب.

لقد انتهت مرحلة الدولة الأمنية مع الانكشاف المخجل للدولة القطرية، مما يجعل الدولة القومية ضرورة المرحلة.

  • ·       جيش الدولة ودولة العسكر

تم اختراق الخطاب السياسي/الثقافي العربي بخطاب العسكر بدل خطاب الجيش الوطني. مصطلح العسكر المألوف هو نتاج معاناة العرب من العساكر الأتراك الذين مثلوا سلطة النهب والقمع الاستعماريين.

والتقط الغرب الاستعماري هذا المصطلح لكي يقطع العلاقة بين الجيش الوطني وبين الشعب، فتكرس خطاب العسكر محل خطاب الجيش، وهو أمر زادته تعقيدا سلسلة الانقلابات العسكرية في الوطن العربي، والتي بدل أن تُوجه وحدويا انحصرت قطريا لتخدم الدولة القطرية والتي كان وليدها دولة الطائفة وميليشيا (عسكر) الطائفية.

كانت تجربة حل الجيش العراقي على يد الاحتلال الأمريكي مقصود بها اقتلاع الجيش الوطني لخلق عساكر الطوائف والإثنيات. لكن تجربة العراق هذه وتجربة قيام الناتو ودول الخليج بتدمير الجيش الليبي بيَّنتا بأن الجيش يحمي الدولة وبأن العساكر تخلق دويلات الطوائف والمذاهب.

بينما اثبتت تجربة سوريا أن الجيش العربي السوري قد حمى الدولة. وليس الأمن الذي حماها. وعليه يكون التحدي، هل تسير سوريا المتجددة في طريق دور عروبي للجيش العربي السوري. وهذا لا يعني البسماركية المجردة، وإنما يعني أن المرحلة تؤكد وجوب ما يلي:

o      نهاية وإنهاء الطائفية والمذهبية من السياسة والاجتماع

o      تجديد الخطاب والمشروع والأداة السياسية الطبقية الفكرية العروبية

o      الانتقال إلى مشروع تحرير بقية الوطن العربي بكافة هذه الأدوات.

  • ·       طوائف ونفط ولادة أم انتحاراً؟:

باطن الأرض والتاريخ كرحم المرأة، فيه يكمن كل تنوع، والتحدي من الذي يغوص فيه إما ليُحرج الإنسان أو يزرع الوحش. التنوع الشعبي في الوطن العربي نعمة تاريخية والنفط نعمة طبيعية. لم نستخرجهما فاستخرجتهما الرأسمالية بمعداتها (الاستعمار والإمبريالية والعولمة). قام الاستعمار بالنهب والتجزئة وقرأ الطائفية جيدا وقسم الوطن على هذا الأساس. طائفية محاطة بزنار مشتعل من النفط كي لا تتحد طائفة مع أخرى. واصلت الإمبريالية ذلك وخلقت الكيان الصهيوني على شكل طائفي ديني (أول دولة دينية في التاريخ الحديث)، أما حقبة العولمة، فأخرجت النفط والطائفية على الهيئة التي تريد فكانت مذابح الطوائف بوقود النفط.

في غياب الدولة العروبية، وعدم تفكيك مفاصل الدولة القُطرية كان للنفط دوره الحارق لا دور الطاقة، دور الريع لا دور التصنيع، دور التسريب والنهب لا دور تمويل التنمية. سُحبت احشاء الأرض لتقييد طاقات الأمة وتتبيعها. هكذا ينتهي ما هو كامن إن لم نحفر الأرض برموشنا لنخرجه ياسمين وبنفسج، كان يجب ان نضع ايدينا نحن عليه حتى لو بالقوة البسماركية، لا بل بقوة ما فعل نور الدين وصلاح الدين.

والتنوع والتعدد التاريخي منذ ما قبل الأديان وخلالها وحتى اليوم، هذا التنوع كمون إنساني هائل، لا يزدهر في مناخات التجزئة والدولة القطرية بل يتحوصل في ظلهما ويتحول بغياب الدولة العروبية العلمانية إلى ألغام مبثوثة في كل شبر وناح. إنه رجوع الإنسان إلى بدائيته التي هجرها حين كان ما يحيط به هي الذئاب. أما اليوم فكل الطوائف ذئابا.

النفط والتعدد/ التنوع، هما لمن يدخل بطن الأرض المجتمع ويستثمرهما.

جرى تأميم النفط العراقي والليبي، وبالمقابل جرى تدويل النفط الخليجي حيث لعب دور “المُنتج المرجِّح” فكان برفعه اللأسعار أداة لإفلاس الدول الفقيرة. وكان بضخ مزيد من النفط معول هدم لنمو الدول النامية وتفكيك الاتحاد السوفييتي تماما طبقا لسياسة الشركات الغربية الكبرى عابرة القوميات والجغرافيا. تحكَّموا بباطن الأرض فأحرقوا من على وجه الأرض، أنظروا العراق وسوريا واليمن وليبيا اليوم.

بطن الأمة بطن أُم، مليىء بالتنوعات الدينية والإثنية والثقافية والفنية. قاد احتجاز الوحدة والتنمية إلى بقاء الدول القطرية. فتحول البطن المليء بالمخلوقات بالأجنَّة المتآخية والجميلة إلى بطن سفاح إلى حاضنة المذهبيات والطوائف والجهات والعائلات والقبائل والعشائر. فاندفعت تأكل بعضها بعضاً كالكلاب الجائعة.

في غياب الإنتاج يكون الريع، ويكون المذهب والطائفة بديلا للطبقة، ويحل الشيخ محل النبي والفيلسوف، والحاكم مكان الله. وفي حضور الفقر يكون تسييس الدين على شكل ريع لا راسمال تشغيلي إنتاجي، فتكون الطبقة ميليشيا، ويصبح المثقف يائساً تافها يتنقل من أجل الريع من حضن إلى حضن.

في المجتمع الراسمال الصناعي يكون الدين والعودة إليه حالة طقوسية تحت رقابة راس المال بل في خدمته تماماً، أما في المجتمع الريعي غير المصنَّع حتى راسمالياً، يكون الدين أداة لعقول بدائية فيها فردية وحشية يستبيح كل رأس رأس الآخر في تذابح سني شيعي، صابئي نقشبندي، مسلم مسيحي، سني جزئيا وسني كلياً، وهابي…الخ، تذابح إن لم يُصدُّ، سينتهي العالم إلى رجل ذكر واحد وأربع مليارات امرأة. فهل يعلن حينها أنه الله!

إذن هو بطن التاريخ، فإما ولادة يانعة للتعدد وإما وليد سفاح.

 

تقويض الجامعة العربية

تقوم جامعة الدول العربية على اساس يكرس الكيانات القطرية مما يعني تغييب المشترك القومي الوحدوي. ولعل هذا أهم اسباب عدم مساهمتها في أي توجه وحدوي. ورغم أن قرارتها يجب ان تكون بالإجماع، إلا أن قراراتها للعدوان على العراق وليبيا وسوريا واستدعاء الناتو للعدوان على هذه البلدان العربية لم تكن بالإجماع، ومع ذلك تم تمريرها بل شراء تمريرها من البعض مقابل المال أو “الخوف”. هذا ناهيك عن أنه من غير المعقول أن يكون سواء العدوان الذاتي او استدعاء العدوان من مهام جامعة للدول العربية.

منذ أن شاركت جيوش عربية في العدوان على العراق 1991 (مصر سوريا المغرب) كان على الجامعة إما أن تحل نفسها أو تفصل هذه الدول. أما حينما استجدى أمينها العام السابق عمرو موسى الناتو لتدمير ليبيا بحجة ان القذافي ضرب متظاهري بنغازي بالطائرات[1]، وبعده امينها الحالي نبيل العربي الذي لم يتوقف عن استجداء تدمير سوريا، فقد تكشفت عن مؤسسة معادية للأمة العربية.

من هنا، فإن المطلوب جامعة للشعب العربي تقوم على فكرة ومن ثم مشروع توحيد الدول التي تدخل عضويتها. وهذا يعني تحديداً أن لا تعود سوريا الجديدة إلى هذه المؤسسة وأن تبدأ مؤسسة وحدوية جديدة. وسيكون هذا مثابة اختبار لسوريا إن كان الدرس قد تمت الاستفادة منه أم لا. وإن لم يحصل، سنقلب لها ظهر المجن. وإن عدتم عدنا[2].

  • ·       الحماية الشعبية، المقاطعة ومناهضة التطبيع بحرب الشعب

لن تختار الأنظمة الحاكمة وخاصة الكمبرادور وحكام العيش على ريع النفط أي شكل من الوحدة او التنمية او التكامل الاقتصادي العربي. لذا، يجب أن يكون مشروع الوحدة بداية من بناء قاعدي من الطبقات الشعبية. البدء بالتنمية بالحماية الشعبية، الاقتصاد الشعبي مفكوكا عن الاقتصاد الرسمي الرأسمالي، وتقوم العلاقة على إرغام الرسمي بالتحول للشعبي. ومقاطعة منتجات مختلف الدول المعادية وعلى راسها الكيان الصهيوني من خلال الاستهلاك الواعي او الوعي بالاستهلاك مما يرغم السلطات على وقف استيراد منتجات الأعداء وتشجيع الإنتاج المحلي من قطر لآخر. وهذا يشترط مناهضة التطبيع سواء مع الكيان أو الدول المعادية أو الأنظمة العربية العدوة للأمة.

إن اللحظة الحالية هي لحظة الحسم في حرب بين معسكرين في الوطن العربي:

معسكر منخرط في الثورة المضادة

ومعسكر المواجة/المقاومة

لقد وصل الصراع إلى اللاعودة واللاتصالح بين المعسكرين، وهذا يقتضي مستوى من حرب الشعب أوسع من مفهومها الماوي الغِواري. اي حرب التنمية بالحماية الشعبية، المقاطعة، مناهضة التطبيع، وتفكيك الدولة القُطرية. وهنا مرة أخرى، إن لم ترتفع سوريا الجديدة إلى هذا الدور، فإن التضحيات والضحايا تكون قد ذهبت سُدىً. وإن لم ترتفع إلى مستوى الدور، فهذا لا يعني نهايته.

 

تحييد الدين السياسي

منذ هزيمة 1967 التي حاقت بالأنظمة قومية الاتجاه، انهزمت معها القوى القومية والشيوعية حتى التي كانت تقف ضد تلك الأنظمة. وفُتح السبيل لأنظمة الدين السياسي كي تضخ ثقافة ما قبل الحداثة باسم الدين. وهي ثقافة سهلة الانتشار في مجتمعات لم تشهد ثورة صناعية وغارقة في هزائم انظمتها على المستويات القومية والتنموية والثقافية، وتعيش ازمات اقتصادية حادة وممتدة. وبتوفر سيولة مالية هائلة من ريع النفط صار ممكناً تجنيد ملايين الدُعاة الذين يخدمون السيد السياسي وليس الرب.

على هامش هذا التشوه الهائل تولدت طبقة من رجال الدين تصدرت الثقافة والسياسة والدين معاً، وصارت لها سطوة على العقول.

لقد آتى هذا التورط أُكُله منذ تأسيس القاعدة[3]. ولكن فترة الحراك العربي نقلته إلى لحظة الهجوم على الوطن العربي والأمة العربية نفسها. لذا شهدنا فتاوى الوعظ المشيخي بالديمقراطية وهدم الأهرامات وشرب بول البعير، وجهاد النكاح، وفتاوى التضحية بثلث الشعب السوري لإسقاط النظام هناك، ومباركة عدوان الناتو على ليبيا واليوم عدوان داعش على بغداد. من هنا، فإن العلمانية هي ضرورة.

لن يكون من العملي منع الشيخ من الحديث في السياسة، ولكن من التواطؤ عدم محاججة الشيخ في السياسة على الأقل، هذا ولو من أجل إزاحة القداسة وتحويله إلى مواطن عادي، رأيه قابل للنقاش او الدحض[4].

 

قوى المواجهة

 

1-   الأحزاب:

تشترط المواجهة/المقاومة فرز حواملها، لأنها، اي المواجهة، مشروع حياتي كفاحي حضاري مستمر. وهذا يتضمن بداية إعادة إعتبار الحزبية الوطنية لذاتها. وهو لا يتأتى دون خلق خطابها الخاص، وموقفها بناء على واقعها من اية نظرية او فلسفة. وهنا تدخل الجغرافيا، أي الوطن والثقافة والحضارة والمهام المطروحة كي تشكل خطاب المواجهة.

لم يعد الحزبي هو محتكر الصندوق السود علبة الثقافة والمعلومات. لقد اصبح الوصول إلى المعلومة اسهل من المشي على الرصيف او ممارسة حديث النميمة. لدى الأكاديمي اطنان من المعلومات ينوء تحتها لكنه قلما يرتقي إلى الحزبي الحقيقي الذي يحمل المعرفة على جهده ليخدم مشروعا وطنيا ومن ثم طبقياً.

لقد أثبت الشكل البيروقراطي والطاعة الحديدية للحزب بأنها من أدوات قرن مضى. وعلى اثر اندثار الأحزاب في الوطن العربي سواء بفعل القمع أو بفعل الفقر النظري والعجز عن ابتكارات نظرية متولدة من محيطها، غدا الباب مفتوحاً لأشكال حزبية جديدة. هي ضرورية ولكن جديدة.

إن النواح على القديم الذي نسمعه في كل ناح، أشبه بتحسر انكيدو على ترك قطيع الحيوانات بعد أن اغرته الراهبة فامتصت قدرته الجنسية ومن ثم الجسدية فتطبع كما قرأه فرويد فلم يتمكن من الرجوع إلى ما كان.

إذا كان لنا أن نواجه الحقيقة، نقول صار من قبيل الجريمة مع سبق الإصرار أن يقف الحزبي مع حزبه وهو يخون او يتخاذل أو يرتزق. فليس هذا الحزب ولا الحزبي المطلوب للمرحلة الراهنة والقادمة. ذلك لأن الأصل ان تبدأ وطنياً وهذا يعني الجغرافيا، إلى ان ترث الأرض الشيوعية الحقيقية. لذا، فالاعتراف بالكيان الصهيوني الإشكنازي، خيانة مهما صيغت بأنواع وألوان من خطاب الهزيمة، والهروب إلى أمة الإسلام مع صداقة ووفاء مع رئيس الكيان الصهيوني خيانة. هذا التقاطع المثير للخوف بين أممية شيوعية مهلهلة واممية دين سياسي سرابية. إن اية مجاملة في هذه القضايا الهامة هي من روافع الهزيمة. وكل من يجامل فيها يدرك أنه يتواطىء ويطلب من الناس قبول ذلك منه. والخطير ان كثيرين يقبلون ذلك.

وإذا كان لحزبية جديدة أن تبزغ، فذلك لن يكون من صنع نخبة قيادية، بل من توليد قاعدة شعبية تبلور حزباً وتضعه تحت رقابتها المشددة. يخرج منها ويعود إليها للمسائلة. فالشكل البيروقراطي هو الحالة المقلوبة للحزب. وهو الذي يحول القيادة إلى طبقة متحكمة ومستفيدة ومتخشبة.

في واقع الحرب الأهلية، وغياب ديمقراطية اقتصادية اجتماعية وحرب الثورة المضادة، يجب ان يكون الحزب علنياً وسرياً كذلك. أي الاستفادة من المساحة العلنية وتوسيعها، مع حفظ كوادره من ضربات الأمن. فكلما كان الحزب مفتوحاً أمام السلطة والأمن كلما كان أكثر جاهزية للاضطجاع في معدة النظام، وحينها لا يعود ثورياً.

إن ورطة الديمقراطية التي بدأ كثير من الأحزاب والمثقفين الحديث عنها وترويجها قبل أزمة الحراك العربي الحالية وارتفعت وتيرة ذلك منذ هذا الحراك، هي شرك خطير، يختزل الفعل الثوري والتغييري في صراخ في الميادين وعبر وسائل الإعلام هائلة الاتساع، ولكن بنتائج جوفاء يتأكد فيها الصوت ويُنفى صاحبه. فالديمقراطية ليست سوى بندا في المبنى الهائل للحرية. هي العلاقة او ترتيب العلاقة بين السلطة والمواطن، وبين حاكم الأسرة ومحكوميه. هي ليست الديمقراطية الاقتصادية وليست حق العامل في نتائج عمله، وليست تحرر المرأة، هي باختصار ليست الاشتراكية. أن دُعاة دمقرطة سوريا اليوم هي انظمة الخليج النفطي وتبختر العجوز المتصابية بوقاحة هيلاري كلينتون في ميدان التحرير بعد إمامة القرضاوي هناك، وهي تباكي ضواري الإمبريالية على سوريا والدم يسيل من كافة مسامات انظمتها بل ومن كثير من طبقاتها الشعبية التي ترسل جنودها لقتل هنا وهناك كي يحيا مجد فرنسا وبريطانيا وأمريكا وحتى النرويج الضئيلة. مثلاً، النرويج هي أم اتفاق أوسلو، وهي ممولة مؤتمر الإعلام في فندق رويال/عمان بإشراف يو.اس إيد، وهي نفسها التي تستضيف مؤتمرات تطبيع ثقافي عربي صهيوني، وحتى منحها الدراسية مشروطة بأن تأخذ شكل تقارير إخبارية وخاصة عن سوريا وطيرانها شارك في قصف ليبيا وهي نفسها قدمت نظارات رؤية ليلية للغزاة الأمريكيين للعراق! إذا كان كل هذا من النرويح، فماذا عن الولايات المتحدة!

لا يتم استكمال ادوات المواجهة التاريخية هذه دون الاقتصاد. صحيح ان حق كل إنسان هو في ما يُنتجه، ولكن، إذا لم يتحول هذا الحق إلى هدف، يبقى الاستغلال والنهم وحتى التقشيط طبيعياً ودارجاً. طبعا لا تستطيع الطبقة العاملة استعادة الاقتصاد/الثروة إلى يدها دفعة واحدة. فهي لا بد ان تنتظم في حزبها، ولا بد أن تصل إلى عمق الوعي المشتبك ليتحول الاقتصاد او الثروة في وعيها إلى اقتصاد سياسي، اي وعي طبقي، مشروع طبقي…الخ. وقد يكون صحيحاً أن تسلك في البداية طريقاً آخر قبل حسم المعركة الأخيرة مع الملكية الخاصة، إنها طريق اقتصاد الطبقة، اقتصاد الحزب حتى ولو بتعاونيات بسيطة أولية. فلا يمكن لحزب ثوري أن ينتقل لاستلام السلطة فجأة، كما لا يمكن أن يصمد ويستمر ما لم يخلق شكلا ما من اقتصاده الخاص. وقد تكون العبرة في تجربة انجزة الأحزاب السياسية[5]. فمن أجل المال والعيش الرغيد لجأت أحزاب اليسار إلى مال الأنجزة، فإذا بجوهرها يتحول إلى نقيضه اللبرالي بل ويتحول إلى القوادة للنيولبرالية.

2-   مثقفون:

المثقف كائن خلافي، له فعل وتأثير اينما وُجد. أما خلافيته فتكمن في قدرته على الانتقال من الأقصى إلى الأقصى. يمكن ان يكون شيوعيا فيصبح لبرالياً، وينتقل من علماني إلى سلفي، ومن سلفي إلى ماوي، ومن قومي إلى قطري…الخ. وفي كل حالة يكون من “البلاغة” بمكان بحيث يقدم تبريرا لذلك قد يكون من حسن الصياغة إلى حد يُقنع كثيرين…فيتبعوه! ولعل المشكلة أنهم يتبعونه!

وحده المثقف هو القادر على هذا الرقص المتناقض وبشكل سريع. ربما لأن المثقف يملك سلعة يجب ان لا تكون سلعة وهي الثقافة، فحين تُباع الثقافة تتحول إلى سلعة مسمومة ومسممة. لذا، يمكن للمثقف أن يكون مفجرا للثورة وأن يكون لغما يحطمها.

ليس جديداً القول بأن مختلف مفكري التاريخ قد أجمعوا على أن اقتراب المثقف من السياسي سقوط لا أفظع منه. وحتى اقترابه من القيادي، اي تحول المثقف إلى مغني لقائده السياسي، تماماً كما كان مثقفون ومثقفات في م.ت.ف ومن ثم مع سلطة أوسلو-ستان. وماذا نتج عن هذا؟ تبرير للتطبيع مع الكيان الصهيوني إلى درجة اعتذارية وكأننا نحن الذين اغتصبنا ارضه. إن مثقف التطبيع الفلسطيني هو اشد الأخطار على الوطن الفلسطيني والعرب لأنه يُغري المثقفين العرب بالتطبيع وهؤلاء يحملون هذا الفيروس إلى الوطن العربي. ولذا، أرى زيارة البطريرك الراعي للكيان الصهيوني هي مستندة بدرجة كبيرة إلى التطبيع السياسي والثقافي الفلسطيني دون ان ننفي أنها رسالة حب للصهيونية باسم الدين.

المثقف يجب ان يبدأ وينتهي وطنياً، ولذا، فهو نقيض السلطة التي تبدأ وتنتهي مصلحياً. وحتى حين تتطابق مصلحة السلطة مع مصلحة الوطن على المثقف أن يُباعد بين نفسه وبين السلطة كي يكون رقيبا وناقدا لها. وبالعموم، فإن علاقة المثقف النقدي الثوري المشتبك بالسلطة تأخذ حال مطاردة أو صيد طراد بمنحيين:

  • مطارة قمعية لتناقضه معها
  • أو مطارة إغواء لطيه تحت جناحها حين يتقاطع موقفيهما في نقاط ما. ولذا، عليه أن يبقى بعيداً.

بعيداً كي يبقى نقديا ومشتبكاً، وهذه مسألة في عمق الديالكتيك.

من هنا يكون للمثقف دوره في التغيير، ومن هنا يأتي دوره ملاصقا لدور الحزب الثوري.

ولكن من هنا ايضا يمكننا فهم الخطر الكارثي الذي مثله مثقفون عرباً ضد الوطن والأمة. واقصد تحديداً كيف تحول كثير من المثقفين إلى ابواق لأنظمة متخلفة او لخطاب طائفي وامبريالي صهيوني!

أسوق هنا ملاحظة إضافية، حينما غزت الإمبريالية الكويت بعد ان استعادها العراق، تعرض العراق لهجمة من مثقفين يساريين غير عرب وعرب. كتبت حينها عن غير العرب بأنهم كأولاد السكرتيرة تجاه النظام الراسمالي الحاكم، يثرثرون ضده، وحين يتأزم يهبون لإنقاذه. ليسوا علنيين بما هم اولاد سفاح، لكنهم لا يتخلون عن ابيهم[6]. لكن الأفظع كان موقف مثقفين/ات عرباً وكذلك فلسطينيين. وها هو العراق يُغزى مجدداً، ويجد الغزاة مثقفين مخضرمين يروجون لديمقراطية وثورية قوى أعطاها الحكام السعوديون إكسير الحياة ونصل الذبح.

كان ذلك، حسب تجربتي الشخصية، بداية واضحة للتحول التواطئي الإختياري أو المأجور لكثير من المثقفين/ات. لذا، حينما حصلت الحراكات العربية 2011، واحتلتها الثورة المضادة، تورط الكثير من المثقفين لصالح الثورة المضادة حقدا على النظام. وهو حقد فردي ذاتي وحبذا لو كان طبقياً أو حتى جندرياً. وإلا ماذا نسمي وقوف مثقف حداثي او ما بعد حداثي، شيوعي تروتسكي قومي…الخ مع احتلال العراق وليبيا وسوريا؟

هي إذن ظاهرة مثقفي الطابور السادس الثقافي. وهؤلاء في الواقع فريقين من حيث المنبع الثقافي:

  • منبع علماني
  • ومنبع دين سياسي أي من يُعرفون بالفقهاء

مثقف الطابور السادس نميمي، لا مشتبك. قلما يشتبك. يثرثر كثيرا خارج الورق والتلفاز والمسموع. يخشى كثيراً، أن يُشار إليه بإسمه. يصر على ارتكاب المعاصي ويريد أن لا يُذكر اسمه. يخرق مختلف القيم، يزكي فلتان القيم، ويعتبر ذكر اسمه عدواناً وكراهية فردية.

وبالمقابل، إذا لم يتصدى المثقف المشتبك لهؤلاء، فإنه يسقط في المساومة والمجاملة وخيانة مبدأ “كل الحقيقة للجماهير”[7].

إن المثقف النقدي المشتبك هو صمام أمان لمواجهة تخريب الوعي، وهو بلا شك حالة استشهادية في واقع تابع بهدوء ومتعة. هو نبي يقاتل عالما من التكاذب المتعدد. فالمثقف المشبوه وحده الذي يضع زيارة السادات للأرض المحتلة في باب كسر الحاجز النفسي، أو اعتبار اوسلو سلام الشجعان، وهو سلام راس المال، أو مجيىء العرب إلى الأرض المحتلة زيارة للسجين بينما هو تطبيعاً، أو اعتبار امريكا بلد الحرية…الخ

3-   الطبقة

لا معنى للحزب ولا للمثقف إن لم يكونا ضمن طبقة شريطة ان تفرزهما لا أن يمتطيانها. ذلك دون أن ادخل مجدداً في طبيعة العلاقة وتحديداً القيادة أو مختلف التعريفات للطبقة والتجديد عليها أو حتى زعم البعض نفيها. لأن المواجهة هي في التحليل الأخير بين الطبقات، وليست بين الأحزاب أو المثقفين أو الأديان أو المذاهب. إنها بين الطبقات متضمنة الأحزاب والمثقفين. هذا جوهر التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية.

وبالطبع، فلكل طبقة حزبها ومثقفها العضوي كي تتكون ثلاثية التصدي.

 في واقع الوطن العربي شهدنا بعد هزيمة الحركتين القومية والشيوعية في نهاية الموجة القومية الثانية، وحلول الثالثة شهدنا تغيرات في تموضع الطبقات والقوى:

فمن جهة استسلمت البرجوازيات الكمبرادورية والبيروقراطية والطفيلية العربية ورجال الأعمال للكيان الصهيوني وقرروا الاعتراف به سرا أو علانية. وهذا الاعتراف يتضمن خضوعها وارتباطها بالمركز الإمبريالي بثلاثيته (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان) أي ان المسألة أوسع من مجرد الاعتراف بالكيان.

ومن جهة ثانية، فإن الكثير من القوى السياسية الفلسطينية و العربية اعترفت بالكيان الصهيوني وتحولت إلى الخطاب اللبرالي الغربي مما يعني التحاق القوى بالأنظمة وهذا يتضمن تحالف او تصالح بين هذه القوى والأنظمة.

وبالتالي، فإن الجبهة التي صمدت وتتعرض للاختراق هي جبهة الشارع العربي الطبقات الشعبية التي يجري العمل على تدجينها لصالح الاعتراف بالكيان والتطبيع معه من جهة ولتكريس معادلة التجويف والتجريف من جهة ثانية وكل هذا في رزمة واحدة.

لعل الحراك العربي في الأعوام الأربعة الأخيرة هو معركة تركيع الطبقات الشعبية للثورة المضادة، وهي معركة/مواجهة لم تحسم بعد. لا بل هو امتطاء حراك الطبقات الشعبية كحراك جماهيري لا طبقي، بمعنى غياب المعنى السياسي المشروع السياسي لحراك الطبقة. فهل هو حراك طبقي في سوريا حيث تقود داعش والقاعدة والوهابية والولايات المتحدة تمرد فقراء الشام! هذا سؤال برسم فذلكة أحفاد الشيخ القتيل ليون دافيدوفيتش تروتسكي من جلبير اشقر إلى الوهابي معيشياً سلامة كيلة.

أما والأمر على هذا النحو، فلم يعد أمامنا سوى المواجهة المفتوحة، ليس لأن ذلك واجبا وحسب، بل ايضا لأن أعداء الوطن المحليين والخارجيين لم يوقفوا هجومهم.

 

الهدف البعيد لا الابتعاد عن الهدف

 

استذكر في هذا السياق ما كتبه الراحل إدوارد سعيد بأن على الفلسطينيين أن يقدموا تفكيراً جديداً في الصراع مع “إسرائيل” كان هذا من خواتيم حياته حيث اصر على الاعتراف بالكيان والتحاور مع الصهاينة وكان 1969 قد توسط بين عرفات والإدارة الأمريكية ودخل المجلس الوطني تعييناً من عرفات، ثم نقد عرفات على أرضية ضعف نتائج مفاوضات أوسلو وليس على أرضية رفض اوسلو، ناهيك عن موقفه العلني ضد الكفاح المسلح[8] وزيارته لمدينة الناصرة لدعم ترشح عزمي بشارة للكنيست. دعوة سعيد هذه أمر استدعى تفكيراً ملياً لم اصل منه سوى إلى نتيجة واحدة مفادها: هل التفكير القديم خاطئاً؟ أي التحرير والمشروع العروبي. لا لم يكن خاطئاً. ما الجديد الذي على شعب وطنه مغتصب أن يبحث عنه سوى الاستسلام لقوة المحتل؟[9] حينما يتعلق الأمر بالجغرافيا، بالوطن، لا يكون سوى تفكير واحد هو استعادته. هو التحرير من أجل العودة الحقيقية لا الرمزية. وهنا لا بد من تأكيد بأن الهوية تتحول لأنها سائلة، والعشق الفكري العقيدي يتحول، أما الوطن فلا يتحول.

ينسحب السؤال على الوضع العربي، فبعد قرن على تكريس القطرية بكل مستوياتها، ها هي تضع حملاً انتحارياً طائفياً مذهبياً، حمل سفاح لم يبقَ عابر سبيل إلا وضاجع ارض هذا الوطن، لا توجد دولة أو دويلة في العالم ليس لها إصبعاً تمتصه من دمنا. هكذا كتب ماركس في 18 برومير حينما نخَّت البرجوازية الفرنسية للمغتصب الألماني 1870[10].

قرن حمل معه سقوط القيم وأخطرها سقوط الوطن كقيمة عليا، وتناسل الهويات، وتخارج الثقافة، والتخلي عن السرديات الكبرى القومية والاشتراكية، والسقوط في سرديات السوق والدين السياسي والطائفي…الخ. قرن تأكد فيه أن الاستهداف لهذا الوطن مطلق زمنياً لأن بحيرة الطاقة هذه هي مثابة الدم للغرب الراسمالي، والكيان فقط هو فيروس احتجاز نهوض الأمة، فلا بد منه، ولا بد من تكراره في دويلات الطوائف بعد تكراره في كردستان العراق. ولذا، لا خيار سوى الحياة مقاومة.

ولا إخال هذا إلا ويستدعي مسألة واحدة هي المسألة المركزية، بأنه: إذا كان مشروع التجزئة ممكناً، فلماذا يكون مشروع الوحدة مستحيلاً[11]. كان هذا ردي على تهجمات الراحل إميل حبيبي على القومية العربية عام 1987 أثناء جدال كانت نتيجته اغتيال ناجي العلي وهروبي من لندن واحة الديمقراطية ووكر المعارضات المرتبطة.

واليوم، لا أرى غير مشروع العروبة بديلاً، نعم هو الخطاب السابق الذي ووجه بموجات من العدوان الإبادي. وهو مشروع التحول إلى الاشتراكية. وقد يكون الوطن العربي الأجدر بذلك. فهو ليس كالكثير من بلدان العالم التي ذاقت إلى حد ما، في فترة ما طعما ما للراسمالية. أما الوطن العربي فلم يذق منها سوى العلقم.

لا بد من اعتماد خطاب التحدي والمبادئة، بأن الأنطمة الحاكمة تتمسك بالتجزئة وتضاعفها كي تواصل احتلال ثروة الأمة باجمعها. ومن أجل تحطيم هذا الاحتكار الموظف اساساً في خدمة الإمبريالة والصهيونية يجب الهجوم الواضح على هذه الطبقات وتلك القطريات. تصفيتها بلا مواربة بخطاب وقوى وأدوات مختلفة. خطاب وقوى القومية الكامنة في مواجهة القومية الحاكمة. خطاب العروبة هي الحق والمصلحة المادية للطبقات الشعبية (عربا وغير عرب) في المقاومة والوحدة والتنمية/الاشتراكية[12]. فالحرية هي اولا الحق في الجهد والثروة. الوطنية هي تحرير كل شبر محتل في الوطن العربي وهو مستحيل دون الوحدة. فالدولة القطرية قادرة على فقدان الأرض وحسب. بل في غالب الأحيان هذا دورها التكيف مع سحق الحيز وتصاغره[13].

الاشتراكية الجديدة أبعد من دور الدولة ومن فك الارتباط:، ليست اشتراكية السلطة الطبقة الحاكمة. فليست الدول هي التي تفك الارتباط بل الطبقات الشعبية، التنمية بالحماية الشعبية.

مواجهة مثقف الطابور السادس بالمثقف المشتبك في معركة مفتوحة: تواجه كل من ثقافة الاعتراف بالكيان، التمول من الخارج، الانخراط في الأنجزة، مساومة الدولة القطرية، التطبيع مع الثورة المضادة، التطبيع مع راس المال،

تجاوز الدولة/ السلطة ممكنا، أما تجاوز الوطن…فلا. الاجتهاد في النظرية ممكناً وضروريا، والاجتهاد في الوطن لا.

هل نحقق هذا؟ هل نحن متأخرين، أكتفي ببيت الشعر التالي:

فإن يكُ صدر هذا اليوم ولَّى…فإن غداً لناظِرهِ قريبُ

 


[1] هذا الفيديو يكشف فيه محمود عبد الجليل أحد الذين وقففوا مع الناتو لتدمير ليبيا يؤكد بأن القذافي وفريقه (طبع كان هو من الفريق) لم يضرب بنغازي.

http://www.informationclearinghouse.info/article38570.htm#.U37o12VVOl0.gmail

[2] لقد كتبت نقدا للنظام السوري منذ خروجي من سجن الكيان عام 1973 وحتى بداية العدوان على سوريا 2011 حيث صار الصراع على الوطن، ومع دورة العدوان وانكشاف أوراقه اتضح أن الاحتجاجات الشعبية الأولية تم امتطائها سريعا من الثورة المضادة التي كانت قد جهزت كل أدوات الخراب لسوريا. لقد نقدني كثيرون على موقفي، ولست بآسف قط. بل ذهب بعضهم من العملاء للتزوير متهما إياي بتلقي فلوسا من سوريا الفقيرة. لا اhبة ان ينحط العميل إلى هذا وادنى. لتأكيد هشاشة المعارضة وارتباطاتها انظر قول احد قادتها هيثم مناع: هيثم المناع ينعي الثورة ويوجه اتهامات للاخوان ويكشف بعض الاسرارBy admin – Posted on 2013/11/04Posted in: مقالات وتحليلات هيثم المناع : مدونته الخاصة

[3] مقابلة مع أحد قياديي القاعدة يشرح ارتباطها بالمخابرات الأميركية

https://www.youtube.com/watch?v=3yfTwsJtUvw

[4] في الرابط التالي الشيخ تيسير رجب التميمي يهاجم زيارة البابا للكيان. وهذا حق، ولكنه لم يهاجم لا السادات ولا الفلسطينيين الذين اعترفوا بالكيان الصهيوني.

http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2014/05/26/543275.html

ماذا يختلف عن شيخ شيعي يحرضنا اليوم ضد معاوية والأمويين؟

https://www.youtube.com/watch?v=kqFG46mLTTo

الدولة الاموية انتهجت التكفير عملياً بأصدارها قانون اجتثاث كل من يوالي علي عليه السلام

قناة المركز الاعلامي للمرجع الديني الآعلى آية الله العظمى السيد الصرخي الحسني دام ظله اخبار – فيديوات – لقاءات – محاضرات – توجيهات ونصائح YOUTUBE.COM

[5] Adel Samara, NGOization of Political Parties in Imprisoned Ideas 1998, p.p. 131-137.

[6] Adel Samara, The Left Debate, The New International Order, in The Gulf War and the New World Order, ed by: Haim Bresheet and Nira Yoval-Davis, Zed Books, 1991, p.p. 257-269

[7] لقد دأبت منذ عام 1974 وحتى اللحظة على نشر اسماء كل من أعرفه من مثقفي الطابور السادس الثقافي، من حوارات جهابذة الحوار الكاديمي الفلسطيني مع الصهاينة، وصولا إلى وثيقة أل 55 التي تدين العمليات الاستشهادية، إلى تطبيع المثقفين الفلسطينيين والعرب مع الكيان الصهيوني، إلى دور عزمي بشارة ضد القومية العربية، وحتى فريق الطابور السادس الذي يصطف اليوم مع “ثوار”الناتو” وليس هذا سوى شعور بحق القارىء عليَّ أن أقول له الحقيقية موثقة لا نميمة.

[8] أنظر عادل سمارة، اشتباك فكري مع إدوارد سعيد في مجلة كنعان، العدد 140 كانون ثاني 2010 ص ص 84-139

[9] كثيرا ما يشتكي المثقفين والسياسيين من ذكر الأسماءز ولكن لا أعتقد ان هذا التشكي مبرراً. فمن يتخذ موقفاً، ليس من حقه منع الغير من ذكر موقفه وإسمه. وفي هذا الصدد من حق الشخص ان تُذكر مساهماته الجيدة، وكذلك أن تذكر معها إخفاقاته الفكرية والسياسية. لا بد من وضع المرآة امام كل منا.

[10] كارل ماركس، 18 برومير، الحرب الأهلية في فرنسا.

[11] عادل سمارة،، إذا كان مشروع التجزئة ممكنا، فلماذا يكون مشروع الوحدة مستحيلا، في جريدة العرب/لندن 31-7-1987، ردا على إميل حبيبي.

[12] حين عرضت ملخص هذه الورقة في المؤتمر الذي أُعدت له سألني شخص باعتراض متهكما على الاشتراكية ومندداً بمذبح ستالين. قلت له، لا باس ولكن هل سمعت ان الراسمالية تذبح كل الأمم وخاصة العرب ونحن الفلسطينيين. صحيح ان التطبيق الاشتراكي فشل في، ولكن غالباً النظريات لا تموت، حتى الثقافة لا تموت، كلتيهما تعمران. وهذا الفارق الرئيس بين النظرية الثقافة الفكر وبين السلع حتى المعمرة منها التي تنتهي وتتآكل. ومن هنا اهمية النظرية التي تكون لها تجسيداتها وتطبيقاتها. التطبيق تحدي للنظرية، يهزها ويرغمها على تخطي الكثير من اختلالاتها. ولتقريب الأمر أكثر، ربما بوسعنا القول بأن النظرية العلمية، وأقصد هنا الاشتراكية بجوهرها الماركسي، والتي لاقت في التطبيقات تحديات هائلة تمظهرت في تفكك التطبيقات في دول كثيرة، إلا أنها لا تزال، وأعتقد ستظل من القوة الداخلية بمكان لأنها المحاولة الإنسانية الأجرأ والأعمق لمواجهة الاستغلال والاستلاب والتغريب. يكفيها شرفا إنسانيا أنها وحدها التي حاولت ذلك، وفشلها التطبيقي لا يعني العجز عن تخطي الإختلالات. وما العيب في ان يفشل الثوري لأن خصم الإنسانية لا يزال قويا بعد؟

[13] ظهر الناطق باسم الئتلاف السوري المعارض (إئتلاف الدوحة) كمال اللبواني عدة مرات على الفضائيات مرة يعد الكيان الصهيوني بمنحه الجولان، إذا ساعد المعارضة لتستلم السلطة. أما الشريط المرفق فيبين كيف يعتبر ان الكيان طبيعي ومسالم، والأهم يعتبر أن الأرض المحتلة 1948 هي أرض ليهود الكيان حيث يبين ذلك كحقيقة ضمنية. ويوم 10يار 2013 ظهر على فضائية المنار نقلا عن ديلي بيست داعياً الكيان للعدوان على سوريا لإنقاذ هذه المعارضة. بيت القصيد، أن هذا وبالتالي الائتلاف يضحي بالحيز العربي في سوريا وفلسطين لتصل هذه المعارضة إلى السلطة!

The Israel Project | Facebook

Watch as Syrian Opposition Activist Kamal Al-Labwani defends Israel and advocates for peace on Orient News TV (Syria). View on www.facebook.com

https://www.facebook.com/photo.php?v=10153218933832316&set=vb.73528002315&type=2&theater
مديرة مركز ابن خلدون ومعزوفة في عشق إسرائيل، داليا زيادة مديرة مركز ابن خلدون… المركز الذي مرر من خلاله الدراسات الصهيونية بحظر الأحزاب الإسلامية، وتصفية القيادات الإسلامية… ومعزوفة في عشق إسرائيل… YOUTUBE.COM