لهذه الاسباب “تعلن” اميركا و اتباعها الحرب على “داعش”

العميد د. امين محمد حطيط 

ظن البعض ان اقرار الغرب بوجود الارهاب الفعلي في كل من سورية و العراق سيقود الى تشكيل جبهة دولية حقيقية تتصدى له لان في ذلك مصلحة للجميع في مواجهة “وحش ” يفترس حتى اسياده و ابناءه.ثم جاء قرار مجلس الامن تحت رقم 2170 ليعزز هذا الظن الذي كان من المنطقي ان يكون واقعيا لانه يستجيب لمصالح الدول التي ساهمت في اقراره و التي باتت تتظاهر اقله علنا، بخشيتها من ان يدخل الارهاب اليها و يجعلها فريسة له لا تقوى على تجنب تداعياته.

و لكن و مع رغبتنا بظهور موقف دولي صادق لمحاربة الارهاب الذي استشرى في العراق و سورية و يهدد الان المنطقة و العالم بشروره، مع كل ذلك فاننا نشكك بصدقية دول الغرب و على رأسها اميركا، و نشكك بجدية دول الاقليم خاصة تركيا و قطر و السعودية، نشكك بمواقفهم و صدقيتها في محاربة الارهاب لاننا نعرف حجم الدور الذي لعبه هؤلاء و لا زالوا يمارسونه في انشاء التنظيمات الارهابية و تمويلها و رعايتها و التخطيط لعملياتها حتى و قيادة بعض اعمالها الارهابية بعد تحديد الاهداف التي تخدم المصالح الصهيواميركية او الاهداف الاقليمية للدول التي ذكرنا.

ان تاريخ و مسار تلك الدول التي تتظاهر اليوم برفضها الارهاب تجعلنا غير قادرين بسهولة على تصديق ما تدعيه من يقظة و وعي و اكتشاف مخاطر الارهاب و احتمال ارتداده عليها، لكن و في كل الاحوال نرى وجوب درس مواقف تلك الاطراف الدولية و الاقليمية من التنظيمات الارهابية التي بات اهمها على المسرح الان تنظيمان اساسيان هما فرعان من فروع قاعدة الارهاب العالمي المتداول تسميتها ب ” القاعدة ” و الفرعان هما ” الدولة الاسلامية ” التي اعلنت من قبل الفرع الاول و انشأت “دولة الخلافة ” التي انبثقت مما يسمى “دولة الارهاب في العراق و الشام ” داعش “، و الفرع الثاني يتمثل ب”جبهة نصرة بلاد الشام “، او اختصارا ” النصرة” و التي تتنافس مع “داعش” في الميدان و تخدم معها المشروع الصهيواميركي تحت عنوان اقامة “الدولة الاسلامية” بدءا من بلاد الشام و تمددا الى العالم كله كما يطمحون و يزعمون.

و نعود و نؤكد ان “القاعدة ” و تفريعاتها و منها من ذكرنا من “داعش ” الى “النصرة ” ما كانت لتنشأ او تستمر او تمتلك تلك القدرة في الميدان الى الحد الذي باتت فيه تشكل خطرا جديا على اكثر من اتجاه، ما كان كل ذلك ليكون لو لم يكن هناك قرار اميركي بالانشاء و الاحتضان، ومال خليجي في الدعم و توفير كل المستلزمات و فكر وهابي تكفيري يجمع الناس و يحشدهم و يمكن التنظيم المحدث من استعارة اساليب الصهاينة في الارهاب و التي تختصر بقاعدة ” اقتل واحد و اعلن انك قتلت عشرة فترهب مئة و تهجر الف “،

 و بالتالي نجد ان الارهاب و التنظيمات الارهابية المذكورة قامت على عناصر ثلاثة :قرار اميركي خدمة للمشروع الصهيواميركي، و فكر وهابي، و مال خليجي، و ان الذين يدعون اليوم نيتهم بمحاربة الارهاب هم انفسهم الذين امنو للارهاب عناصر انشائه و تكوينه و استمراره و تفعليه، و هم انفسهم الذين استعملوه مؤخرا في العراق و سورية لتدميرهما و انتاج بيئة تقسيمهما، فكيف نوفق بين المشهدين المتناقضين حيث تبدو الجهة المنشئة و الممولة و المزودة للتنظيم بالعقيدة هي نفسها التي تتظاهر بانها تتصدى اليوم لمحاربة من ابتدعت و مولت و ارست العقيدة في صفوفه.؟

و اذا سلمنا او صدقنا بجدية هؤلاء في محاربة الارهاب، فعلينا و من باب الحرص و الفطنة ان نبحث في الاسباب الدافعة لتلك المواقف، و الاهداف التي بيتغيها هؤلاء مما قد يظهر انقلابا على المنتج الذي ساهموا في ايجاده.

 في تحليل المواقف و خلفيتها و الاسباب و دوافعها، نصل الى نتيجة شبه قاطعة تؤكد بان ليس هناك وحدة تجمع هؤلاء خلفية و اهدافا و مع هذه النتيجة نستطيع ان نميز بين فئات ثلاث منهم كالتالي :

1. الفئة الاولى : و التي تتمثل بالغرب بقيادة اميركية، هذه الفئة لا تعتبر في العمق جادة في محاربة الارهاب، لانها لو كانت فعلا كذلك لكانت سلكت مسالك اخرى من شأنها التضييق على التنظيمات الارهابية و تجفيف مصادر قوتها بدءا من الزام تركيا باقفال حدودها و بوابتها بوجه الحركة التي تأتي لدعم الارهابيين بالمقاتلين، و منعا للارهابيين من تصدير النفط و بيعه بابخس الاثمان في الاسواق العالمية و في طليعتها الاسواق الاوربية، او الضغط على دول الخليج للتوقف عن الدعم المالي و البشري لتلك التنظيمات. و لان كل ذلك لم يحصل فان اخذ مواقف اميركا موقف الجد بمحاربتها الارهاب يبقى دونه عقبات و صعوبات تجعلنا نمتنع عن تصديق اميركا و الغرب في مواقفها تلك و تدفعنا للبحث عن خلفية تلك المواقف و اسبابها.

و في محصلة البحث نجد ن اميركا تريد من ادعائها السعي الى محاربة الارهاب تحقيق الاهداف التالية :

– الاول و هو الاهم الان و هو التاسيس لواقع دولي او بيئة اقليمية تمكن اميركا من العمل العسكري على الاقل جوا ضد اهداف في سورية دونما حاجة لقرار من مجلس الامن او موافقة سورية، تدخل بذريعة “الدفاع عن الانسانية” و “الدفاع عن النفس “. و كان اقدام داعش على اعدام الصحافي الاميركي كما اعلن ( و هو امر تم التشكيك بصدقيته من قبل بعض اجهزة المخابرات الدولية و مراكز البحث و الدراسات المتصلة بها ) كان هذا الاعدام بمثابة الواقعة التي ستتخذها اميركا ذريعة للتدخل ضد داعش على الارض العراقية و السورية دون انتظار قرار من مجلس الامن، او دفع المجلس لاتخاذ قرار تحت الفصل السابع يجيز لها العمل ضد داعش في اي مكان من العالم بما في ذلك سورية، و تعول اميركا على انشغال روسيا بالملف الاوكراني لتمرير مثل هذا القرار، الذي سيكون اذا حصل يمثابة الالتفاف على سقوط المشاريع الغربية السابقة ضد سورية بالفيتو الروسي الصيني المزدوج ولاكثر من مرة.

– الهدف الثاني يتمثل برغبة اميركا العودة المباشرة الى المسرح السوري لتجهض او تخفض حجم الانجازات العسكرية السورية و النجاحات التي حققتها سورية على المسار السياسي و لتعوض اخفاقات العدوان طيلة السنوات الاربع، نقول ذلك دون ان ننسى اهدافا اخرى لاميركا من تظاهرها بمحاربة الارهاب اهمها التنصل من المسؤولية عن الجرائم الوحشية التي ترتكبها العصابات الارهابية من ابادة جماعية و تهجير و مجازر و تدمير و التأكيد للعصابات الارهابية بانها تحت المراقبة الاميركية و عليها ان لا تتجاوز الخطوط الحمر و ان لاتمس باي شيء يعتبر لاميركا فيه مصلحة

2. الفئة الثانية و التي تمثلها بشكل اساسي السعودية و بعض دول الخليج فترى ان “داعش” بعد اعلان “دولة الخلافة” باتت تهدد موقعها الاستراتيجي في العالم الاسلامي و العالم، خاصة اذا تمكنت من تقديم نفسها للغرب بانها ” دولة اشد فعالية في خدمة اسرائيل و المصالح الغربية” من السعودية نفسها و من كل منظومة مجلس التعاون الخليجي، ثم ان هناك خوف سعودي من ان تقتحم “دولة الخلافة الارهابية”، على السعوديين قصورهم و تلحق مملكتهم بخلافتها بعد تصدع العلاقة بين الوهابية و السعودية و بروز شبح الطلاق بينهما. و اخيرا تخشى السعودية ان لا يكون للمال الذي تدفعه تمويلا لداعش، تأثيرا جديا في منعها من نقل نشاطها الى الداخل السعودي. لكل ذلك تسعى السعودية الى وضع حد لنمو داعش و تراكم قوتها، و لكنها لا تريد ان يبدو التغيير في سياستها بمثابة الدعم للدولة السورية التي حاربتها و مولت العدوان عليها طيلة السنوات الاربع الماضية.

لا بل تتوخى السعودية ان تحول مقولة محاربة الارهاب الى فرصة لها لتعويض اخفاقها في سورية عبر السعي الى مخرج يرضيها، و ايجاد مخرج من الازمة السورية يناسبها عبر تغيير الاشخاص في السلطة مع المحافظة على اصل النظام ما يشكل ظاهرا موقفا وسطا بين سعيها الفاشل في اسقاط النظام، او التسليم بالعجز والقبول به قواعد و اشخاص، مخرج يمكنها ان تقول بانها انتصرت. و لاجل ذلك دعت السعودية الى لقاء جدة الخماسي تحت عنوان البحث عن حل للازمة السورية لتؤكد قيادتها الاستراتيجية و لتلتف على اخفاقتها السابقة في خطط العدوان على سورية، و لتوحي لاميركا بانها جاهزة لتقديم الخدمات لها ضدالارهاب او لمصلحة تدخلها في سورية.

3. اما الفئة الثالثة و التي تمثلها تركيا و قطر، فهي تكتفي من محاربة الارهاب بالمواقف الاعلامية غير المؤثرة و تستمر في دعمها له بالشكل المتصاعد حتى باتت هي الاساس و المرتكز الذي تستند عليه ” دولة الخلافة الارهابية”. و تتصور هاتان الدولتان ان “داعش” هي خير اداة للانتقام من منافسيها و خصومها، و لا تشكل في اي حال من الاحوال خطرا عليها.

و عليه نرى ان ” التظاهرة الدولية ” لمحاربة ارهاب “داعش” و “النصرة “، لا تخلو من ايجابية على صعيد سورية و محور المقاومة لانها تتضمن اقرارا دوليا بصحة مواقف سورية و وصفها لما يجري على اراضيها ارهابا لا علاقة له بالثورة و رغم هذا لايمكننا التسليم بجدية هذه التظاهرة و صدقيتها بشكل تام، فهي بالمنظور االغربي الاميركي “عملية ضبط و تأديب” و من الجانب السعودي عملية ” تحجيم و اتقاء ضرر “. تظاهرة فيها من الكمائن و الافخاخ التي تعدها جبهة العدوان على سورية و محور المقاومة ما ينبغي اليقطة و الحذر منه و العمل على تعطيله كما عطلت افخاخ و اشراك اخرى طيلة سنوات العدوان الاربع، و المقاومة قادرة اليوم على النجاح كما نجحت سابقا لان فرص النجاح في المواجهة تبدو اكبر من فرص ما مضى و هذا ما يثير الثقة بالنفس و الطمأنينة لدى هذا المحور، و مع ذلك يقتضي توخي الحذر.

::::

الثورة، دمشق