مسيحيو العروبة وإسلاميو الناتو !

ثريا عاصي

أن تضع الجماعات الإسلامية الوهابية كمثل «القاعدة» و«النصرة» و«داعش» وأخواتها، شريطا مصورا يظهر فيه رجل يذبح رجلا آخر ثم يفصل الرأس بالكامل عن جثة المذبوح، ليس أمرا عاديا، يختزله المشهد المعروض ويكشف عن كل المعنى الذي يبطنه. إذ لا يـُعقل أن تـُظهر جماعة نفسها بحيث تبدو قبيحة ممجوجة متوحشة، إلى حد أنها لا تثير القرف فحسب ولكنها إستفزازية أيضا توجب التحرك ضدها من أجل كف ضررها وشرها.
أغلب الظن أن الجماعة المذكورة تريد إبلاغ رسالة. لو كانت هذه الجماعة مستقلة وحرة الإرادة لأمكن القول أنها صاحبة الرسالة. ولكن من المرجح أنها توكلت بإيصال الأخيرة إلى المعنيين.
تناولت وسائل الإعلام في الأشهر القليلة الماضية، مطولا موضوع «داعش». أقرّ الكثيرون في هذه الوسائل بأن «داعش» استفادت من دعم القوى الإقليمية، تركيا ودول الخليج، وحجتهم أن هذه القوى تتنازع إرث القومية العربية في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين. ينسب بعض الخبراء ذلك إلى مسألة الأمن القومي. ثلاث قوميات خليجية، فارسية، تركية. أين مصر ؟! هشّم الإسلاميون الوهابيون القومية العربية، قبل أن يأسروا الدين الإسلامي نفسه ويُشنّـِعوا عليه ويتخذونه هَـزْءاً. أي ديانة هذه التي تبيح في العام 2014 ، الذبح والصلب وبقر البطون وإخراج الناس من ديارهم ! اللعنة على الثورة التي أوصلت الناس، في أقل من أربع سنوات، إلى حكم الإسلاميين الداعشيين!
لا أظن أن الحكام العرب وغير العرب، الذين يتنكرون لـ «داعش» في وسائل الإعلام، أناس جادون، أو ذوو مصداقية. فأنا على يقين من أن «داعش» تعمل أيضا لصالح دولة المستعمرين الإسرائيليين بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية التي تجر خلفها حكومتي فرنسا وبريطانيا. من المرجح بالتالي أن تكون«داعش»، صنيعة القوى الإقليمية والدولية مجتمعة.
أكتفي من هذا الإستطراد، فانا لست بصدد البحث في موضوع اصطفاف أطراف الصراع الدائر في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين، في معسكرين لا ثالث لهما. المستعمرون والرجعيون و«الثوار» المنتحلون، الدجالون، في جانب، والمقاومون الممانعون للتطبيع في الجانب المقابل. هنا الولايات المتحدة الأميركية والإسرائيليون والرجعيون، وهناك سوريا وحزب الله وإيران ! ما عداه خداع ألفاظ ونفاق وجعجعة وفذلكة وهـذَرٌ.
لأعد من بعدُ إلى الرسالة التي أعتقد أن «داعش» تولـّجت أمرها. ماذا يـُفهم منها:
ـ تقسيم العراق إلى ثلاث دول. لا بد من الملاحظة ان مساعدات المستعمرين الغربيين بحجة التصدي لـ «داعش»، تتدفق على حكومة كردستان العراق. كأن الحكومة العراقية المركزية صارت غير معنية بما يجري في الشمال. يلزم التذكير هنا بالعلاقة التي تربط بين زعماء أكراد من جهة وبين المستعمرين الإسرائيليين بوجه خاص، والقوى الأمبريالية الغربية بوجه عام، من جهة ثانية . هذا لا يعني أن الكرد أعوان للمستعمرين.أغلب الظن أن هذه العلاقة توطدت أكثر منذ الثمانينات، عندما بدأ انحدار العراق. أما ما يجري حاليا في شمال العراق، فمن المحتمل ألا يكون حربا كما تزعم وسائل الإعلام، بين «داعش» وبين الدولة الكردية والولايات المتحدة الأميركية وأذنابها في أوروبا. ينبني عليه أنه ليس مستبعدا أن نكون حيال عمليات الغاية منها تحضير تسوية أو حل. إذا صح ذلك يكون الدور المنوط بـ «داعش» قد انتهى. بالتالي يتوجب إنهاؤه ! تجدر الإشارة هنا إلى مذكرة قدمتها المنظمة الصهيونية إلى وزارة الخارجية الفرنسية في 16 آذار 1936 (أحرجها هنري لورنس في كتابه الشرق العربي ) تعبر فيه هذه المنظمة عن رغبتها في توطين مستعمرين إسرائيليين في منطقة الجزيرة السورية.
ـ لعل ما تريده «داعش» من وراء الذبح والرجم وتحطيم المعالم التراثية، هو تهشيم الإسلام كما أسلفنا، كدين وحضارة، بالإضافة إلى بث الرعب في النفوس منعا لظهور معارضة أو لخروج الناس ضد الأحكام التعسفية. فضلا عن توفير الذرائع لتبرير عودة الأميركيين والأوروبيين، ليس إلى العراق فحسب ولكن إلى سوريا أيضا، بحجة إسقاط دولة «داعش». خوفا من أن يتمكن السوريون وجيشهم من تخليص بلادهم بأنفسهم.
لا شك في أن إعدام «داعش» للرهينة الأميركي ألان، ليس محض صدفة. (البعض يشكك بحقيقة الشريط الذي عُرض ) (مجازر قطاع غزة.. بموازاة المساومات ) بل يندرج في إطار استفزاز الولايات المتحدة الأميركية، كمثل ضرب أبراج التجارة في 11 أيلول 2001. أن دخول الولايات المتحدة الأميركية بحجة مطاردة «داعش». كدخول الدب إلى الكرم. يحق لنا أن نتوقع هجوما كبيرا تشنه «داعش» على سوريا!
ولكن السؤال المحيّر برأيي، هو عن أسباب الإضطهاد الدموي الوحشي الذي يتعرض له المسيحيون والأزيديون على يد «داعش» في العراق وقد يحدث مثله في سوريا. تتطلب مداورة هذه المسألة في الذهن، إستحضار تصريحات قادة أوروبيين تناولوا فيها مسألة « الوجود المسيحي في الشرق « منذ أن اقتدح التونسي البوعزيزي نار الثورات العربية المزيفة. هل يعني ذلك أن الإمبريالية لم تلحظ على الخريطة الجديدة التي أعدتها للشرق الأوسط، وطنا للمسيحيين؟ لماذا يكون حظ المسيحيين أقل من حظ الطوائف والمذاهب الأخرى؟
ماذا يعني أن يكون المسيحيون والكرد والتركمان والأرمن.. وغيرهم من أتباع الديانات والمذاهب على اختلافها والأعراق على أنواعها، مكونات للأمة ؟ الإجابة على هذا السؤال هي أن مثل هذه الأمة، لا تشكل الديانات والأعراق ركائز لدعائم بنيتها ووحدتها. هذا ما تريد الإمبريالية والمستعمرون تغييره واستبداله، بحيث يكون المشترك الوطني مقتصرا على الهوية الطائفية أو المذهبية أو العرقية. أي أنهم يــعدّون لشعوب المنطقة أوطانا بمقاييس عنصرية طائفية مذهبية. هذا يذكرنا بالمحميات التي كانت مخصصة للسود في جنوب أفريقيا في ظل نظام التمييز العنصري.
المسيحيون والأزيديون والتركمان والكرد، وغيرهم كثيرين، هم أجدادنا في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين.. اتضح الآن لماذا يريدون محو التراث والتاريخ، لماذا يريدون أن ننسى المعري والمتنبي. لماذا حطمت الدبابات الأميركية بوابات المتاحف في العراق.. لماذا حاربوا القومية والعروبة… لماذا أعدموا في لبنان رجلا كمثل أنطون السعادة، لأنه دعا الى قومية سورية؟