تزايد عدد المشككين بالدين بسبب الحرب

سوريا: التطرف يجرّ إلحاداً!

علاء حلبي

لم يكن الجانب الديني في سوريا يعتبر، قبل اندلاع الحرب في الدولة ذات الغالبية المسلمة، مهماً بالنسبة إلى شريحة كبيرة من المجتمع، المتنوع طائفياً، والذي تميل فيه التعاليم الدينية إلى حالة «الوراثة»، حيث يرث كل جيل المعتقدات الدينية لما سبقه، والتي تتطور في بعض الأحيان، وتبقى ثابتة في أحيان كثيرة، محافظة على «ثالوث مقدّس» يمنع الاقتراب منه، أو النقاش فيه.

ومع بدء الأحداث في العام 2011، وسقوط إحدى أضلع «الثالوث» والمتمثل بالسياسة، التي أصبحت مباحة في مجتمع لطالما اعتبر تعاطيها «اقترافاً» يعاقب عليه، وسقوط الضلع الثانية والمتمثلة بالجنس مع غياب الوازع الأمني، ودخول تيارات فكرية جديدة حوّرت الفكرة الجنسية وقولبتها بما يتناسب مع الأزمات، صمدت الضلع الثالثة المتمثلة بالدين فترة طويلة، قبل أن تسقط نتيجة عوامل عديدة، أبرزها التطرف.

«فكرة الإلحاد كانت موجودة لدى شريحة واسعة من المجتمع قبل الحرب، لكنها كانت مخبأة وبعيدة عن التداول، فجاءت الحرب وحررتها»، يقول محمد إبراهيم، البالغ من العمر 25 عاماً، والذي لا يخفي حيرته من اتخاذ قراره بالإلحاد أو الإيمان، مضيفاً «الأمر يحتاج إلى مزيد من البحث».

هواجس محمد التي تراوده جزء من الهواجس التي اجتاحت المجتمع السوري، الذي يعيش حرباً خرجت «بشائرها» من المساجد، منادية «بالحرية»، فانتهى به المطاف تائهاً بين عشرات الفصائل التي تتحدث باسم «الله»، كل حسب هواه.

وفيما لم يحسم محمد موقفه من الدين بعد، وجد مجد سليمان نفسه يبحث ويتعمق في هذه الفكرة نتيجة الحرب التي ارتفع فيها منسوب الشحن الطائفي والمذهبي، وأسهمت بانتشار التطرف الديني وتجذره في مناطق عديدة من سوريا، قبل أن يتخذ قراره بالإلحاد «كبداية».

ويقول مجد، وهو مهندس كومبيوتر، إن «الإلحاد لم يكن إلا بداية الطريق، كردة فعل عاطفية مني، برغم أني كنت أعتبر من المتدينين. لكن بعد الهدوء والتفكير والتأمل، وبنظرة أكثر نضجاً بدا لي أن الإيمان والإلحاد هما وجهان لعملة واحدة، لذلك دوماً أكرر، راجياً من كل علماني عقلاني ألا يقول انه ملحد، فالإلحاد لا يعني إلا مخاصمة الدين، أما العلمانيّة العقلانيّة فهي تتجاوز ذلك إلى صناعة النّور المعرفي، ونقض كل المقولات غير الموضوعيّة».

ويرى مجد أن التطرف ساهم في زيادة عدد الملحدين، موضحاً أنه «لكل فعل رد فعل يساويه بالشدة، ويعاكسه في الاتجاه، فزيادة التطرف باتجاه قابله زيادة في التطرف بالاتجاه المعاكس».

وفي وقت لا يمكن فيه معرفة عدد الملحدين في سوريا، بسبب غياب آليات القياس في بلد يعيش حرباً طاحنة، وتسيطر فصائل «جهادية» على مساحات واسعة منه، ما يعرّض حياة من يصرّح بمعتقداته للقتل، فإنه يمكن لأي متتبع لنشاط السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي أن يلاحظ ارتفاع عدد المنكرين لوجود الله، خصوصا في أوساط المثقفين السوريين، وهي حالة تعبر عنها الصحافية الشابة ريما نعيسة بالقول إن «مشاهد العنف، الناجمة عن التطرف والتعصب الديني التي يتم تداولها في وسائل الإعلام يومياً، وتقوم الفصائل المسلحة بنشرها بتواتر مطرد، وما تحتويه من أعمال ذبح ونحر وتمثيل بالجثث وسبي واغتصاب تحت راية الدين، ساهمت في نفور الكثيرين عن الدين».

وأضافت نعيسة أن «نظرة المجتمع للشخص اللاديني أو الملحد اختلفت، حيث أصبحت اللادينية فكرة مقبولة في المجتمع. هناك تقبل لهذا الصنف من الأفكار بسبب التطرف الديني الشديد»، موضحة أنه «قبل اندلاع الحرب كان هذا الأمر من المحظورات والمحرمات، وقلما كنا نشاهد ملحداً قادراً على التعبير عن رأيه بحرية»، مشددة على أن «قدسية الدين سقطت اليوم عند كثير من السوريين».

ولا يقتصر انتشار ظاهرة الإلحاد في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، ذات الطابع العلماني، حيث تخترق هذه الحالة حتى الأوساط التي يسيطر عليها «الجهاديون»، الذين جاؤوا بأشكال دينية متطرفة لا تتناسب مع الموروث الديني الصوفي الذي يعرف باسم «الإسلام الشامي» الذي كان سائداً قبل الحرب.

ويقول أحد سكان مدينة الباب في ريف حلب، وهي أحد أهم معاقل تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش»، إن «التنظيم يفرض الدين كقانون يعاقب من ينتهكه بصرامة، لذلك فإن الكثير من أبناء المدينة، التي كانت إلى فترة قريبة تضم عددا كبيرا من الشيوعيين، يلتزمون بأداء الصلوات في المساجد وإغلاق المحال خلال الصلاة، وارتداء الزي الذي يفرضه التنظيم، واتباع تعاليمه، لكن ليس من منطلق ديني فكري، بل لدرء المصائب التي ستحل بمن يفصح عما بداخله».

ويضيف المواطن، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه خوفا من عقاب «داعش» خلال حديثه إلى «السفير»، «أعرف عددا كبيرا ممن يذهبون إلى الصلاة من دون وضوء حتى، ويصلون ظاهرياً وفي داخلهم نقمة كبيرة، فيما تمكن كثير من أبناء المدينة من الفرار منها بعدما ضاقوا ذرعاً بقوانين التنظيم غير القابلة للتطبيق». وأشار إلى أن «المجتمع انقسم فكريا بين متطرف ومقتنع بأفكار التنظيم، وملحد أو لاديني ينتظر الفرصة ليكشف عن نفسه».

ويتقاطع حديث ابن مدينة الباب في حلب مع رأي المهندس مجد سليمان الذي يفصح عن «لادينيته» علناً في مدينة اللاذقية التي تسيطر عليها الحكومة، حيث يعتبر «التطرف والإلحاد وجهين لعملة واحدة»، مشدداً على أن الحالتين «تطرف»، معتبراً أن المستفيد الوحيد من هذه الحالة المتشنجة هي إسرائيل.

وبالتوازي مع انتشار حالة الإلحاد في سوريا، وتنامي هذه الظاهرة، برزت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صفحات سورية عديدة تضم الملحدين، وتجمعهم لتبادل الآراء والأفكار، ليغدو الإلحاد «ديناً» أو «طائفة» بحد ذاته، يدافع أبناؤها عنها بشراسة وتطرف. إلا أن متابعة هذه الصفحات تظهر حالة تشرذم لأبناء هذه «الطائفة» وعدم توافقهم حول الأحداث الجارية في سوريا، لتنقسم هي الأخرى إلى قسمين: الأول معارض للحكومة، والثاني موال لها، لتبقى نقطة التوافق الوحيدة هي «الخوف من التطرف ومعاداته».

وبرغم ارتفاع وتيرة المنضمين إلى صفحات الإلحاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن هبة الرومي، وهي طالبة في كلية الهندسة المدنية ومهتمة بالشأن الأدبي والفكري في سوريا، ترى أن «الإلحاد عبارة عن موضة في الوقت الحالي، فكل شخص يريد أن يبدو مثقفاً يكفر بالمعتقدات الدينية، وهي فكرة كانت موجودة قبل الحرب، إلا أنها كانت مضبوطة بقيود مجتمعية تمكنت الحرب من حلها، ليغيب الوازع المجتمعي، ويصبح شتم الأديان مدعاة للمزايدة ورداء يرتديه كثير ممن يدعي الثقافة، خصوصاً أن الحرب ساهمت بعودة الانتماءات الطائفية والعشائرية بحثا عن عامل الأمان، وأصبح الخروج عن هذه المعتقدات يمثل تميزا، حتى وإن كان هذا الخروج لا يمت للفكر بصلة».

::::

“السفير”