صمود غزة و وهْم مشروع الكيان

عادل سمارة

 

يختلف الكثيرون منا في توصيف ما حصل، هل هو نصر مطلق وهل هو نصر نسبي، وهل هو تعادل…الخ. ولكن لا أعتقد ان هذه مشكلة فليراها كل كما يرى. ففي أبسط الأحوال تم صد العدو وإغلاق ملف الهزائم والانتصارات السهلة للعدو. أما الشهداء والجرحى، فليسوا ببطولة العدو الصهيونية بل بأسلحة العدو الأمريكي خاصة والأوروبي عامة.

حرب غزة، أعادت للمرء قراءة أخرى لكل شيء. لقد كشفت على الأقل ثلاثة أوهام:

·       وهم الأمة/الدولة القطرية العربية التي تخيل كثيرون أنها شرعية ومقدمة لدولة الوحدة فغذا بها نقيض النصر والوحدة والرشعية

·       ووهم أمة الإسلام، فإذا بمليار ونصف لم يشعروا بأن واحد وخمسين يوما من المجزرة لم تمر عليهم الآن ولن تُذكر في تاريخهم فتبخرت الرطانة عن الخلافة لتنزوي محسورة دون ضجة.

·       والوهم بقوة المشروع الصهيوني.

لاحظوا “المشروع الصهيوني” أي شيء مصنوع وليس أصيلاً ولا طبيعياً. . اي إن هذا المشروع هو مشروع استثماري مثل مختلف المستوطنات البيضاء. بل وأبعد. فاستجلاب المستوطنين إلى فلسطين بدأ على شكل نقل مشروع راسمالي صناعي وزراعي ومسلَّح حتى اسنانه وزرعه في فلسطين.

لا أقصد هنا مراجعة تاريخية، وإنما الهدف نقطة واحدة في هذا السياق وهي ان استجلاب المستوطنين يقوم على تطمينهم بأن دولة الكيان:

·       تقدم لهم دولة راسمالية غنية ليس بثروتها وإنتاجها بل بالدعم الغربي (حتى عام 2004 منحتها امريكا والمانيا 134 مليار دولار.

·       دولة بلا طبقات، فإذا بالفقر وقمة الثراء تتواجدان معاً

·       دولة تحقق لهم مصدر عيش مدعوم في الشغل والمنزل والتعليم والصحة، لكنه دعماً ريْعياً في أغلبه وليس إنتاجا ذاتياً

·       والأهم ، دولة تحقق لهم عيشاً آمناً، فإذا بمدينة صغيرة تحطم وهم الأمن هذا.

·       دولة توفر لهم جيشاً يقاتل دون أن يخسر شيئاً لأنه متفوق تسلحياً بما لا يقاس، فغذا بالجيش كالمستوطن المدني يركن إلى السلاح الغربي الفتاك وليس إلى جاهزية التضحية.

نحن إذن أمام مشروع راسمالي مربح وهذا مصدر الإغراء بالمجيء إلى فلسطين.

مسألة جوهرها استثماري راسمالي نفعي للفرد والجماعة.

قصدت من إثارة هذه المسألة العودة إلى قراءة العدوان ومن ثم اسباب عدم مغامرة الكيان بالدخول إلى عمق غزة.

لست مع هواة الاحتفال والمبالغة، بمعنى ان الكيان كان بوسعه بقوة النار دخول غزة. ولكن لأنه:

1-   يعلم بأن المقاتل الفلسطيني سوف يستبسل ويوقع بقواته خسائر بشرية كبيرة

2-   لأن المستوطن وحتى الجندي لم يأت هنا كي يشارك في حرب  يموت فيها، الأمر الذي يتناقض مع وعود الأمان والتفوق التسليحي الذي لا يُقهر

3-   ولأن الكيان قد غرس في ذهنية جنوده وشارعه بأن العربي يركع.

حين انتفت هذه المميزات، اضطر الكيان لوقف الحرب مراعياً هذه المسألة الأساس بانه لم يأت كي يموت. بل اتى كي يعيش حياة الرفاهية والدعم والضمان الصحي وغيره.

وعليه، فإن مزيدا من القتلى يهز جذور الكيان نفسه بل يعيد كل شخص فيه إلى السؤال المركزي وهو:

طالما الصراع ممتد ويشتد أكثر، فهل كان هذا المشروع ضرورياً؟

بما أنه مشروع وليس تطوراً طبيعياً كما هي الأمم الأصلانية، فالمشروع قابل للتفكيك حين يتضح أنه ليس “مربحا”. وهو ما اتضح في حرب استنزاف لواحد وخمسين يوماً، فكيف إذا ما توفرت دولة الوحدة لا دولة القُطْرية التي غذت الكيان من تحت الطاولة او ربما من تحت ملابس الحكام الداخلية.