قراءة في عدوان صائفة 2014 على غزة:

أو كيف قاومت غزة ؟وكيف انتصرت ؟

محمد صالح التومي

مع الساعة السابعة من مساء يوم الثلاثاء 26 أوت(آب/ أغشت) 2014 وضع العدوان الصهيوني الظالم على قطاع غزة الذي تم الشروع فيه  يوم الاثنين 07 جويلية (يوليو/تموز) 2014، أوزاره  ، وذلك بعد اتفاق عسير رعته الدولة المصرية أساسيا، وساهمت فيه إمارة قطر ثانويا،ووافقت عليه  واشنطن”كليا”،  وهو اتفاق لبَى بعض المطالب الملحَة للفلسطينيين بالقطاع، وفتح الباب للتفاوض بعد  شهر(…) حول  المطالب الأخرى.

هذا العدوان، دام بلغة الأرقام 51 يوما- بما في ذلك أيام  الهدنة العابرة التي وسمت بالإنسانية، وما كانت في الحقيقة سوى مناسبة لاختبار ميزان القوى بين الطرفين- …،وأحدث دمارا شاملا في المنشآت والمساكن، وأوقع 2139 شهيدا مزيلا من الوجود 60 عائلة بأكملها …، وأدخل إلى المستشفيات التي ضاقت بالوافدين عليها 11000 جريحا منهم 200 في حالات خطيرة وحرجة… ولكنه (أي العدوان) فيما عدا جرائمه هذه التي تصنَف كجرائم حرب وكجرائم ضدَ الإنسانية والتي بلغت ذروتها باستهداف أطفال مختبئين بمدرسة تابعة للأونروا حيث لا وجود لأي مظهر عسكري مزعوم، وآخرين يمرحون على الأراجيح بمناسبة عيد الفطر …لم يحقق أيَا من أهدافه الاستراتيجية المتمثلة :

أولا: في تحطيم الأنفاق وهي شرايين الحياة في كافة مظاهرها بالنسبة للقطاع المحاصر،

وثانيا : في تدمير سلاح المقاومة وصولا إلى نزعه كليَا ،

وثالثا : في إمكانية إعادة اجتياح القطاع وإخضاعه بواسطة الحرب البرَية .

… بل إن فصائل المقاومة الموحَدة وطنيَا وخاصة ألوية القسَام (حماس) وسرايا القدس (الجهاد) وكتائب أبي علي مصطفى( الجبهة الشعبية…) وغيرها بطبيعة الحال ،هي التي سجَلت بالمناسبة  ورغم عدم التكافؤ بما لا يقاس في ميزان القوى… نقاطا استراتيجيَة وتكتيكيَة ذات دلالات تاريخيَة يمكن تلخيصها كما يلي :

أولا:حافظت هذه المقاومة على سلاحها بل ونجحت في إخراجه من نطاق التفاوض رغم وجود مساع حثيثة ومتضافرة في هذا الاتجاه،وهذا يعدَ من أكبر المكاسب الاستراتيجيَة بالَنسبة إلى كامل الشعب الفلسطيني لابالنسبة إلى سكان غزة فقط .

ثانيا:أثبتت هذه المقاومة تقدمها النوعي بناء عمَا سبق هذا من المراحل، إذ خاض الفلسطينيون لأول مرة مواجهة شملت كل أنحاء فلسطين التاريخية  ومن داخلها فوق ذلك ،ولم تطل صواريخهم جوار غزة فقط…بل بلغت حيفا وتل أبيب… وهي أماكن ذات رمزية عالية في الصراع.

ثالثا : طورت هذه المقاومة روحا قتالية عالية وأوقفت– في باب الصَدَ- تقدم قطعان جيش الاحتلال عند محاولتها القيام بهجوم بري وقامت – في باب المبادرة – بعمليات غير مسبوقة على مواقع العدو،محدثة  إصابات قد تكون بالمئات في صفوف الضباط والجنود وليس بالعشرات كما يدعي الإعلام الصهيوني   ( وهذا ما ستكشفه في كل الأحوال لجان تحقيق العدو التي تم  تكوينها)… وطالت الإصابات معدات العدو المتطورة مثل دبابات الميركافا، بل وصلت إلى حد إسقاط إحدى طائرات الاستكشاف.

رابعا: أثبتت هذه المقاومة قدرتها على استنزاف العدو و تعريضه إلى الخسائر الفادحة ، ولعل أبرز العناوين في هذا الاتجاه هي إجباره على إغلاق مطار تل أبيب كإجبار جزء من الغزاة على العيش في المخابئ وعدم المساهمة لأسابيع طويلة في عملية الإنتاج الاقتصادي.

خامسا:حققت هذه المقاومة انتصارا ثمينا للدم على السيف، ذلك أن الالتفاف الجماهيري حول سلاحها لم يفتر رغم الخسائر في الأرواح والممتلكات في حين انتقل الرعب إلى داخل الكيان النفسي للعدو ما سيضطره وجوبا بعد هذا إلى التخلي عن صلفه المعتاد في التعامل مع الفلسطيني، فهنا مكسب معنوي ثمين وقع فرضه فرضا بواسطة التضحيات المتواصلة وسوف تصعب مراجعته في مستقبل الأيام…لكن من الواجب إتقان استغلاله في مجريات الصراع.

سادسا:أسقطت هذه المقاومة عمليا  خيار المفاوضات العبثية التي فرضتها اتفاقيات أوسلو وبيَنت أن خيار الكفاح المسلَح هو الخيار الوحيد بالنسبة إلى الشعوب المضطهدة والمرجو هنا فقط أن يقع ترجمة هذا المعطى بحكمة في جدلية  الصراع والوحدة داخل مكونات الطيف السياسي الفلسطيني وأن لا تعيد بعض الفصائل السقوط في أحابيل تفاوض عبثي جديد لأن العدو الصهيوني معروف بمكره التاريخي الشديد في هذا المجال .

سابعا :حققت هذه المقاومة نصرا إعلاميا أكيدا وتعاطفا جماهيريا عالميا واسعا بلغ ذروته في المظاهرات الحاشدة التي شهدتها العواصم الغربية الكبرى ( لندن،باريس ، شيكاغو ،برلين، نيويورك،…ولكلَ عاصمة قصَة تروى في هذا المجال…وخاصة منها باريس)، وتجلَى هذا التعاطف كأبهى ما يكون في أمريكا الجنوبية حيث سجلت الحكومات والشعوب مجتمعة أرقى صور التضامن والتآزر الأمميَ مع قضيَة فلسطين …. ولا يسع المرء هنا إلاَ أن يأسف – ولو في حدود – لأنَ الانتفاضات العربية المخترقة امبرياليا  قد جعلت مجتمعات الوطن العربي بما نكبت به  نتيجة لذلك من صعوبات داخلية غير قادرة على  التعبير بضراوة عن تضامنها الفعال…. ولكن أشكال التضامن لم تكن غائبة في كل الأحوال.

ثامنا : أبرزت هذه المقاومة أمام التاريخ أنها امتداد لمحور عربي مقاوم متجاوب مع بعضه البعض وممتد عبر سوريا ولبنان وفلسطين ما يمكن التَدليل بواسطته على أن الأمة العربيَة المستهدفة في أصل وجودها ستبقى رقما صعبا في المعادلة التاريخية وأنه بإمكانها عاجلا أم آجلا تجاوز أحوال ضعفها، والمرجوَ هنا فقط أن تنتبه روافد حركة التحرر العربي التي تنبعث اليوم من رمادها إلى شروط وحدود تحالفها مع أبناء القوميات الأخرى المضطهدة بدورها (الفرس والأكراد مثلا)   وذلك حتى لا يكون التحالف استسلاما من أي طرف للطرف الآخر بل تعاونا لبناء المشترك ولجما من هذا الجانب أو الآخر لما يعتلج بالدواخل التاريخية لكل واحد من نزعات هيمنيَة متستَرة، وجراح قديمة غائرة، قد توظَفها الدوائر الامبريالية والصهيونية لما يخدم مخططاتها، وما نجاح هذه الدوائر في إذكاء نيران الصراع الزائف بين الشيعة والسنة منذ احتلال العراق سنة 2003 إلا أكبر دليل عمليَ على ذلك .

لقد تحققت إذن مكاسب ثمينة للمقاومة أثناء العدوان الصهيوني الظالم على غزة في صائفة 2014 ولا شك أنها لم تكن جميعها وليدة لحظتها بل كانت ثمرة لعملية تراكم تاريخية ، ولكن هذه المكاسب ليس  من شأنها أن تخفي عن أعيننا بعض النقائص والمطبات وهي التي نشير إلى أبرزها فيما يلي:

أولا :لقد أثبتت المعركة أن مستوى المقاومة ليس موجودا بالضفة الغربية على وجه التخصيص بمثل ما  تجلَى به في غزَة ماديا ومعنويا ، وهذه مفارقة لها أسبابها ، لكنها توجب على فصائل المقاومة طرح هذا الموضوع مستقبلا  بكل جدية على جدول أعمالها تجاوزا لهذه النقيصة ووصولا إلى خلق أعلى درجات التجاوب في الأداء الفلسطيني العام… لأن الصهيونية هي عدوة كل الشعب الفلسطيني أينما كان وهي لا تفرق بين الشتات وبين غزة أو بين أراضي ال 48 والضفة… وتحية هنا إلى أهالي الضفة الذين فعًلوا على الأقل أثناء العدوان بصورة باهرة شعار مقاطعة بضائع الكيان التي تملأ أسواقهم، لكن المطلوب هو المثابرة في هذا السبيل  ثم الارتقاء بالممانعة والمقاطعة إلى أعلى درجات المقاومة عبر المراحل المؤدية  إلى ذلك.

ثانيا :لقد جعلتنا هذه المعركة نقف بوضوح تام على دور المحور التركي – القطري  في مجريات النضال الفلسطيني؛ وإذ حاول هذا المحور أن يظهر نفسه في مظهر المساند لحركة حماس كفصيل من فصائل المقاومة التي تشترك معه في الانتماء إلى المنظمة العالمية للإخوان المسلمين فإنه لم يستطع أن يخفي حقيقته كمحور وهابي عميل يلعب بالمكشوف أسوأ الأدوار في المؤامرة الهادفة إلى  تفتيت الوطن العربي وكنتنته سعيا وراء النزعات العثمانية الجديدة بالنسبة للطبقة الحاكمة التركية وجنيا للأوهام ولبعض المكاسب الرخيصة بالنسبة للعائلة الحاكمة لقطر وخدمة في الأول والآخر للمصالح الصهيونية والأمريكية  ؛

 وإنه من واجبنا هنا الوقوف عند الاختلاف البيَن الذي برز إلى السَطح  بين محمد ضيف القائد الميداني للجناح العسكري لكتائب القسام وبين خالد مشعل رئيس الجناح السَياسي لحماس الفارَ من دمشق منذ سنة 2011 بعد تورَطه في المخططات المسماة باطلا بالجهادية  ضد الدولة السورية والمقيم حاليا بين تركيا- الطورانية و الأطلسية وبين قطر- القاعدة العسكرية الأمريكية… حيث إن اضطرار محمد ضيف إلى الخروج من دائرة صمته وإلى التمسك علنا بوجوب مواصلة القتال إلى جانب بقية الفصائل حتى النهاية، ومعارضته في هذا الصدد لرأي الجناح السياسي – ما عرَضه إلى محاولة الاغتيال التي ذهبت ضحيتها عائلته – يعتبر دليلا  في نفس الوقت على وجود الدور السلبي للمحور التركي -القطري في مجريات النضال الفلسطيني كما على حدوده لحسن الحظ.

ثالثا:إن المحور الوهابي التركي- القطري لم يكن اللاعب الوحيد إذ كان ينافسه محور وهابي ثان لا يقل عنه ارتباطا بالدوائر الرأسمالية العالمية ألا وهو المحور المتشكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة… وهذا المحور الثاني يستحق منا أن نلاحظ في شأنه ما يلي:

1/ إن هذا المحور الثاني يرتبط عضويا هو الآخر بالمصالح الرأسمالية العالمية كما سلف القول  لكنه يرفض أن يشمله التفتيت الذي يحويه مشروع الشرق الأوسط الجديد لأن ذلك يمس من المصالح التي راكمتها العائلات المالكة بالبلدين على امتداد عقود من الزمن، ولعله هناك من لا يزال يتذكرعند هذا الحد الغضب العارم الذي واجهت به المملكة السعودية تصريحات راشد الغنوشي التونسي  العائد لتوه سنة 2011 من لندن على خلفية انتفاضة الشعب، حين صرَح أنَ    ” الربيع العربي ” سيشمل أيضا ممالك الخليج … وفي هذه الواقعة المنسيَة أكثر من معنى  لمن يتدبَرون … و في كل الأحوال فإننا نقف هنا على وجود  تناقض ثانوي  في صف الامبريالية ووكلائها يجب فهمه ووضعه في  حجمه الحقيقي بدون زيادة أو نقصان:

فالمحور الذي نحن بصدد الحديث عنه يأخذ موقعه في نطاق التناقضات التي تشق الرأسمالية العالمية في ظل أزمتها الهيكلية المتفاقمة وهو لا يتنكر لمعاهدة “كوانسي “(مبرمة منذ 1945 بين روزفلت وآل سعود) التي تجعل منه مزودا بالطاقة للشركات الأمريكية الكبرى مع الحصول على الحماية ثم على  العائدات  المترجمة في ثروات البترو- دولارالضخمة ، وهو مستعد أيضا لخدمة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يسعى إلى كنتنة الوطن العربي وضعا ليد الامبريالية على خيراته وتنظيفا للمحيط الصهيوني من كل قوة بجواره قد تهدده، ومن ثمة فهو قد ساهم في احتلال العراق و موَل الإرهاب بمختلف أصنافه ولكنه يشعر اليوم  بوجود انفلات في المخطط الإرهابي في جناحه  “الداعشي” ذلك أن هذا  الجناح طرح  فكرة  ” دولة الخلافة” بقوة، واستولى على العديد من آبار النفط، ووضع نفسه بالتالي منافسا جديا للمحور  بما من شأنه أن يقلقه و يقلق بعض حلفائه في المؤسسات  الأمريكية  لأنه سيكون بإمكان الجناح الداعشيَ وضع شروط جديدة لعملية بيع النفط  …. فهنا تتأطَر مبادرة هذا المحور إلى إعلان الحرب مبكرا وبلا هوادة على   ” داعش” …. أما سيده الأمريكي فهو بالنظر إلى تناقضاته الداخلية والتي يمكن اعتبار موقف هذا المحور جزءا منها فإنه كان  أكثر تمهلا منه في هذا الصدد…وهو يريد أن يقاوم انفلات “داعش” بضربات محسوبة والإبقاء عليها كقوة تدميرية ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وهكذا فإنه سوف لن يضع حدا حقيقيا لها إلا عند عجزه تماما عن احتوائها وبروزها فعليا كتهديد جديَ لخطته في شمولها… فمن هنا تبرز قدرته على استعمال وكلائه كما يريد ومتى يريد وفقا لمشاريعه متعدَدة المسارب والمستويات.

2/إن هذا المحور الثاني وجد في رفضه المذكور أعلاه سببا مكَنه من محاولة جرَ المؤسسة العسكرية المصرية ببعدها الاستثماري والاقتصادي والمناهض للكنتنة ،إلى مخططاته،ومن الواضح أن هذه المؤسسة التي استغلت هبة 30 جوان (يونيو/حزيران)2013 الجماهيرية، وعادت إلى حكم مصر بعد غياب قصير، وجدت في الدعم السعودي الإماراتي ما يخلصها من أسر الدعم الشعبي الذي جاءت بواسطته إلى الحكم عندما ساندت حركة   “تمرد ” في التخلص من حكم الإخوان المسلمين الذين اتضح لقطاعات عريضة من الناس متاجرتهم بالدين … ولكنها بتعاملها مع هذا المحور في الظروف العينية التي صعدت فيها إلى الحكم  أعطت للمحور شبهة على مناصرته للقضايا العادلة.

3/إن هذا المحور الوهابي – ورغم الشبهة التي حاول اكتسابها على نحو ما ذكر آنفا – يبدو حسب  أرجح الاحتمالات متورَطا حتى النخاع في العدوان الصهيوني على غزة وذلك باسم عداوته المعلنة لمنظمة الإخوان المسلمين وباعتبار  “حماس” أحد مكوناتها،ولكنه يحاول أن يطمس في دعايته  أن الكيان الصهيوني لا يستهدف “حماس ” وإنما بندقية الشعب الفلسطيني التي هي  أمله الوحيد في جهده على درب  التحرر الوطني .فهنا أيضا نقطة لا بد من التفطن إليها لإمكانية تأثيرها مستقبلا على مجريات الصراع ، فالأقنعة كثيرة و اللعبة فائقة التعقيد ولا بد من المسك بكافة الخيوط عند محاواة التقدم إلى الأمام.

بمثل هذا التنسيب الضروري وبمثل هذه المحاولة الموجزة للتدقيق يمكننا عند النهاية أن نتحدث عن نصر للمقاومة الفلسطينية بكل فصائلها… بل يمكننا اعتباره نصرا تاريخيا مؤزَرا…لأنه يحفظ الفرصة كاملة للأمة لإعادة السجال مع أعدائها، وما أكثرهم، وفقا لشروط جديدة قد تمكن من تحقيق عملية الاختراق الحضارية المرجوة.