إنتصار المقاومة نهاية الإستعمار

ثريا عاصي


من الصعب أن تـُفصح عن كل ما يدور في ذهنك من أفكار في موضوع قطاع غزة، ولم يمض بعد وقت طويل على إتفاقية وقف إطلاق النار أو الهدنة الطويلة المدى، بين المستعمِرين الإسرائيليين من جهة والمستعمـَرين الفلسطينيين من جهة ثانية. هذا إذا سلمنا إفتراضا، أن الجهتين الأخيرتين يمكنهما أن يتوافقا ويتعايشا، دون أن يبدلا طبيعتهما، فلا يبقى المستعمِرُ مستعمِرا والمستعمَرُ مستعمَرا.
ما أود قوله، أن العلاقة بين هذا وذاك هي في جوهرها علاقة عنفية. بمعنى أن الصراع بينهما لا ينتهي طالما أنهما موجودان في مكان واحد. إنها مفارقة عجيبة، أو لعلها من المفاهيم التي تتقبلها الذهنية البدوية القبلية التي تجيز عند الضعف والعجز أمام العدو، الإلتفاف حول الحقيقة، أو إخفاءها، بالصلح وتوقيع المواثيق. إذ أن الغاية الأولى هي دائما إنقاذ ماء وجه الزعيم، وتبرئته من الخطأ والتقصير والتُهمِ. الناس يبذلون التضحيات حفاظا على أوطانهم إلا في بلاد العرب يقدمون الأوطان فداء لحاكم أو جماعة أو طائفة أو مذهب!
إن القضية الفلسطينية، هي قضية شعب وقع ضحية إستعمار إستيطاني إسرائيلي هو جزء من الإستعمار الغربي الجديد، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية بقصد فرض حاكمية معولمة تحت زعامتها. يستتبع ذلك أن القضية الفلسطينية تعني أيضا الشعوب في بلاد العرب. في المقام الأول في مصر وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين، كون أطماع الإستعمار الإسرائيلي المتفرع عن الإستعمار الغربي الجديد، لا تقتصر على فلسطين ! وإنما تشمل جميع المناطق الغنية بالمواد الأولية. النفط والغاز بوجه خاص، فضلا عن المواقع الإستراتيجية، الضرورية من أجل تحقيق التمدد المأمول للعولمة!
من البديهي أن الفلسطينيين في قطاع غزة لا يستطيعون الإنتصار على آلة الحرب الإستعمارية الإسرائيلية. أقصى ما يمكنهم القيام به هو إقناع المستعمرين أنهم، أي الفلسطينيين لن يستسلموا مهما عظــُمت التضحيات التي سيكون عليهم أن يبذلوها. أعتقد أن جزءا من الفلسطينيين قطع هذه المرحلة، إلى مرحلة المقاومة صدا للعنف بالعنف. الغاية من المقاومة هي ردع العدو عن العدوان.يكون ذلك بتحميل العدو كلفة متصاعدة مرة بعد مرة، إلى أن يقتنع بأن لا جدوى من العدوان، ويتحسس أنه، بصفته مستعمر، في مأزق. فما حدث في سنة 1948 وفي سنة 1967، لن يتكرر مرة ثانية، أي أنه لن يتمكن من إبادة جميع الفلسطينيين، ينجم عنه أنه لن يستطع أن يلغي وجودهم على أرض فلسطين، بطردهم ونفيهم.
إنتصر الفلسطينيون في قطاع غزة أم إنتصر المستعمرون الإسرائيليون أم إنتصر الطرفان معا. لم تنته الحرب، المستعمـِر ما يزال مستعمـِرا. سكان القطاع ما يزالون مبعدين منفيين عن فلسطين ومحاصَرين.
من البديهي أن المستعمرين الإسرائيليين فشلوا حتى الآن، في الوصول الى الغاية التي طلبوها. أغلب الظن أنهم أرادوا إلغاء أي دور للمقاومة في القطاع، بالإضافة إلى إيجاد صمام أمان لتخفيف درجة الإحتقان الإجتماعي الفلسطيني. ترجمة هذا هي نزع السلاح وإفراغ الفائض السكاني في سيناء أو بالأحرى في مصر. في أدنى حد، توفير ظروف ملائمة لتمدد سلطة رام وجهازها الأمني إلى القطاع. لم ينزع السلاح. الجهاز الأمني سيتوكل بالمعابر. أبواب مصر بقيت موصدة. ما أنجزه المستعمرون، هو سفك الدماء. قتلوا حوالى 600 طفل، هدموا المنازل. خربوا البنى التحتية. هذا ليس إنتصارا بالمفهوم الإنساني، بل هو إنتصار بحسب شريعة الغاب ! المستعمرون الإسرائيليون متوحشون!
أما في الجانب الفلسطيني، فلقد أثبت المقاومون أنهم الممثلون الحقيقيون، الشرعيون للشعب الفلسطيني. لا يمكن الفصل بين هذا الأخير وبين المقاومة. هذا معطى لا يجهله المستعمرون. لذا هم استهدفوا كل فلسطيني، طفلا كان أو شيخا أو إمرأة أو رجلا. قاتل الفلسطينيون وحدهم، على مساحة صغيرة واحدا من أقوى جيوش العالم. تقف خلفه الدول العظمى الإمبريالية. لم يرفع المستعمرون الحصار البري والبحري عن القطاع. من المحتمل أن يكون الفلسطينيون قد تلقوا وعودا بإعادة الإعمار من الذين تواطؤوا مع المستعمر على قتلهم وهدم منازلهم، مقابل الهدنة الطويلة المدى ! لا لم ينتصر الفلسطينيون.. ولكنهم برهنوا على أن الإنتصار عليهم ليس سهلا.
أعتقد أن لحركة حماس فرع قطري، في المنفى. وان الدور الذي قام به في الحرب الأخيرة على القطاع، يشبه إلى حد بعيد دور القيادة الفلسطينية في المنفى التونسي، بالتلازم مع إنتفاضة الحجارة. اذ وظفت القيادة المذكورة الحراك التحرري الوطني الفلسطيني في مباحثات بائسة أثمرت إتفاقية أوسلو، المثيرة للشكوك والشبهات. هل تعود حركة حماس من منفاها القطري إلى الضفة والقطاع لتشارك في السلطة على أرضية إتفاقية مع المستعمرين، كمثل الإتفاقيات التي سبقتها ؟ وأرضية المصالحة بين السلطتين !
لا جدال في أن الحكومة المصرية كانت معنية هي أيضا بالحرب على القطاع إلى أبعد الحدود. على خلفية ما كشف عن خطط الإخوان المسلمين، في مصر. التي كان يقف وراءها الأميركيون والقطريون والحكومة التركية. يدل على ذلك موقف هذه الأخيرة من التطورات التي أسفرت عن إزاحة الإخوان المسلمين من السلطة في مصر. هذا الموقف يعبر عن سخط الحكومة التركية، وكأن مصر ولاية من ولايات الصدر الأعظم أردوغان. يخشى المصريون من محاولات إفراغ قطاع غزة، أو رمي سكانه في بحر البؤس والإحباط المصري. إذ يبدو، إستنادا إلى ما نعرفه عن دور جماعات فلسطينية في الحروب والثورات التي تزعزع في الراهن كيانات بعض الدول العربية، بدءا من لبنان وصولا إلى أفغانستان ومرورا بسوريا والعراق، ان الميل إلى تغليب المصالح الفئوية والطائفية والمذهبية، على النضال من أجل تحرير الوطن أو الذود عنه، هذا الميل يقوى أكثر فأكثر تارة باسم الثورة وتارة باسم الديمقراطية إلى أن صار باسم الله!

::::

“الديار”